المتفرقة » المقالات » الأخلاق »

آداب السفر

إذا أردت الخروج إلى السّفر فينبغي لك أن تصوم الأربعاء والخميس والجمعة وأن تختار من أيّام الأسبوع يوم السّبت أو يوم الثّلاثاء أو يوم الخميس واجتنب السّفر في يوم الاثنين والأربعاء وقبل الظّهر من يوم الجُمعة واجتنب السّفر في اليوم الثّالث من الشّهر والخامس منه والثّالث عشر والسّادس عشر والحادي والعشرين والرّابع والعشرين، والخامس والعِشرين. ولا تسافر في محاق الشّهر ولا إذا كان القمر في برج العقرب وإن دعت ضرُورة إلى الخروج في هذه الأحوال والأوقات فليدع المُسافر بدعوات السّفر ويتصدّق ويخرج متى شاء، وروي أن رجلاً من أصحاب الباقر (عليه الصلاة والسلام) أراد السّفر فأتاه ليودّعه فقال له : إن أبي عليّ بن الحسين (عليهما الصلاة والسلام) كان إذا أراد الخروج إلى بعض أمواله اشترى السّلامة من الله عز وجل بما تيسّر أي بالصّدقة بما تيسّر له ويكون ذلك إذا وضع رجله في الرّكاب، وإذا سلّمه الله وعاد مِن سفره حمد الله وشكره أيضاً بما تيسّر له، فودّعه الرّجل ومضى ولم يعمل بما وصّاه الباقر (عليه الصلاة والسلام) فهلك في الطّريق، فأتى الخبر الباقر (عليه الصلاة والسلام) فقال : قد نُصح الرّجل لو كان قَبِلَ، وينبغي أن تغتسل قبل التوجّه ثمّ تجمع أهلك بين يديك وتصلّي ركعتين وتسأل الله الخيرة وتقرأ آية الكرسي وتحمد الله وتثني عليه وتصلّي على النّبي وآله صلوات الله عليهم وتقول : اَللّـهُمَّ اِنّي اَسْتَوْدِعُكَ الْيَوْمَ نَفْسِي وَاَهْلي وَمالي وَوُلْدي وَمَنْ كانَ مِنّي بِسَبيل، الشّاهِدَ مِنْهُمْ وَالْغائِبَ، اَللّـهُمَّ احْفَظْنا بِحِفْظِ الاِْيْمانِ وَاحْفَظْ عَلَيْنا، اَللّـهُمَّ اجْعَلْنا في رَحْمَتِكَ وَلا تَسْلُبْنا فَضْلَكَ اِنّا اِلَيْكَ راغِبُونَ، اَللّـهُمَّ اِنّا نَعُوذُ بِكَ مِنْ وَعْثاءِ السَّفَرِ، وَكابَةِ الْمُنْقَلَبِ، وَسُوءِ الْمَنْظَرِ فِي الاَْهْلِ وَالْمالِ وَالْوَلَدِ فِي الدُّنْيا وَالاْخِرَةِ، اَللّـهُمَّ اِنّي اَتَوَجَّهُ اِلَيْكَ هذَا التَّوَجُّهَ طَلَباً لِمَرْضاتِكَ وَتَقَرُّباً اِلَيْكَ، اَللّـهُمَّ فَبَلِّغْني ما اُؤَمِّلُهُ وَاَرْجُوهُ فيكَ وَفي اَوْلِيائِكَ يا اَرْحَمَ الرّاحِمينَ . ثمّ ودّع أهلك وانهض وَقف بالباب فسبّح الله بتسبيح الزّهراء (عليها الصلاة والسلام) واقرأ سورة الحمد أمامك وعن يمينك وعن شمالك وكذلك آية الكرسي وقُل : اَللّـهُمَّ اِلَيْكَ وَجَّهْتُ وَجْهي، وَعَلَيْكَ خَلَّفْتُ اَهْلي وَمالي وَما خَوَّلْتَني، وَقَدْ وَثِقْتُ بِكَ فَلا تُخَيِّبْني يا مَنْ لا يُخَيِّبُ مَنْ اَرادَهُ، وَلا يُضَيِّعُ مَنْ حَفِظَهُ، اَللّـهُمَّ صَلِّ عَلى مُحَمَّد وَآلِهِ وَاحْفَظْني فيـما غِبْتُ عَنْهُ، وَلا تَكِلْني اِلى نَفْسي يا اَرْحَمَ الرّاحِمينَ … الدّعاء. ثمّ اقرأ سورة قُلْ هُوَ اللهُ إحدى عشرة مرّة وسورة اِنّا اَنزَلْناهُ وآية الكرسي وسورة قُلْ اَعوذُ بِرَبِّ النّاسِ وقُلْ اَعوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ ثمّ أمرر بيدك على جميع جسدك وتصدّق بما تيسّر وقُل : اَللّـهُمَّ اِنّي اشْتَرَيْتُ بِهذِهِ الصَّدَقَةِ سَلامَتي وَسَلامَةَ سَفَرِي وَما مَعي، اَللّـهُمَّ احْفَظْني وَاحْفَظْ ما مَعِيَ وَسَلِّمْني وَسَلِّمْ ما مَعِيَ، وَبَلِّغْني وَبَلِّغْ ما مَعِيَ بِبَلاغِكَ الْحَسَنِ الْجَميلِ . وتأخذ معك عصى مِن شجر اللّوز المرّ فقد رُوي عن النّبي (صلى الله عليه وآله وسلم) انّه قال : (من خرج إلى السّفر ومعه عصى لوز مرّ وتلا قوله تعالى وَلَمّا تَوَجَّهَ تِلْقاءَ مَدْيَنَ اِلى وَاللهُ عَلى ما نَقُولُ وَكيلٌ) وهو في سورة القصص أمّنه الله تعالى مِن كلّ سبع ضار، ومن كلّ لُصّ عاد، ومن كلّ ذات حمة حتّى يرجع إلى منزله وكان (معه سَبع وسبعون من المعقّبات الملائكة) يستغفرون له حتّى يرجع ويضعها، ويستحبّ أن يخرج معتماً متحنّكاً لكي لا يصيبه السّرق ولا الغرق ولا الحرق، وتأخذ معك شيئاً من تربة الحسين (عليه الصلاة والسلام) وقُل إذا أخذتها : اَللّـهُمَّ هذِهِ طينَةُ قَبْرِ الْحُسَيْنِ عليه الصلاة والسلام وَلِيِّكَ وَابْنِ وَلِيِّكَ اتَّخَذْتُها حِرْزاً لِما اَخافُ وَما لا اَخافُ وخذ معك خاتم العقيق والفيروزج، والاحسن أن يكون العقيق أصفر منقوشاً على أحد وجهيه ما شاءَ اللهُ لا قُوَّةَ إلاّ بِاللهِ اَسْتَغْفِرُ اللهَ وعلى الوجه الثّاني محمّد وعليّ . روى السّيد ابن طاووس في أمان الأخطار عن أبي مُحمّد قاسم بن علاء عن الصّافي خادم الإمام عليّ النّقي (عليه الصلاة والسلام)قال : استأذنته في الزّيارة إلى طوس فقال لي : يكون معك خاتم فصّه عقيق اصفَر عليه ما شاءَ اللهُ لا قُوَّةَ إلاّ بِاللهِ اَسْتَغْفِرُ اللهَ، وعلى الجانب الآخر محمّد وعليّ، فانّه أمانٌ من القطع، وأتمّ للسّلامة، وأصون لدينك ، قال : فخرجت وأخذت خاتماً على الصّفة التي أمرني بها، ثمّ رجعت إليه لوداعه فودّعته وانصرفت، فلمّا بعدت أمر بردّي فرجعت إليه فقال : يا صافي ، قلت : لبّيْكَ يا سَيِّدي قال : ليكن معك خاتم آخر من فيروزج فانّه يلقاك في طريقك أسد بين طوس ونيشابور فيمنع القافلة من المسير، فتقدّم إليه وأره الخاتم وقل له: مَولاي يقول لك تنحّ عن الطّريق، ثمّ قال : ليكن نقشه (اَللهُ المَلكُ) وعلى الجانب الآخر (اَلْمُلْكُ للهِ الْواحِدِ الْقَهّارِ) فانّه خاتم أمير المؤمنين (عليه الصلاة والسلام) كان عليه اَللهُ المَلكُ فلمّا ولّى الخلافة نقش على خاتمه اَلْمُلْكُ للهِ الْواحِدِ الْقَهّارِ، وكان فصّه فيرُوزج، وهو أمان من السّباع خاصّة وظفر في الحرب . قال الخادم : فخرجت في سفري ذلك فلقيني والله السّبع ففعلت ما أمرت به فلمّا رجعت حدّثته ، فقال لي : بقيت عليك خصلة لم تحدّثني بها إن شئت حدّثتك بها، فقلت: يا سيّدي اذكر علىّ لعلّي نسيتها ، فقال : نعم ، بتّ ليلة بطوس عند القبر فصار إلى القبر قوم من الجن لزيارته فنظروا إلى الفص في يدك وقرؤوا نقشه فأخذوه عن يدك وصاروا به إلى عليل لهم وغسلوا الخاتم بالماء وسقوه ذلك الماء فبرأ، وردّوا الخاتم إليك وكان في يدك اليمنى فصيّروه في يدك اليسرى، فكثر تعجّبك من ذلك ولم تعرف السّبب فيه، ووجدت عند رأسك حجراً ياقوتاً فأخذته وهو معك، فاحمله إلى السّوق فانّك ستبيعه بثمانين ديناراً وهو هديّة القوم إليك، فحملته إلى السّوق فبعته بثمانين ديناراً كما قال سيّدي (عليه الصلاة والسلام)، وعن الصّادق (عليه الصلاة والسلام) قال : من قرأ آية الكرسي في السّفر في كلّ ليلة سلم وسلم ما معهُ ويقول : اَللّـهُمَّ اجْعَلْ مَسيري عِبَراً وَصَمْتي تَفَكُّراً وَكَلامي ذِكْراً وعن الإمام زين العابدين (عليه الصلاة والسلام) قال : لا أبالي إذا قلت هذه الكلمات أن لو اجتمع عليّ الجنّ والإنس : بِسْمِ اللهِ وَبِاللهِ وَمِنَ اللهِ وَاِلَى اللهِ وَفي سَبِيلِ اللهِ، اَللّـهُمَّ اِلَيْكَ اَسْلَمْتُ نَفْسِي وَاِلَيْكَ وَجَّهْتُ وَجْهي، وَاِلَيْكَ فَوَّضْتُ اَمْرِى، فَاحْفَظْني بِحِفْظِ الاِْيْمانِ مِنْ بَيْنِ يَدَىَّ وَمِنْ خَلْفي، وَعَنْ يَميني وَعَنْ شِمالِي، وَمِنْ فَوْقي وَمِنْ تَحْتي وَادْفَعْ عَنّي بِحَوْلِكَ وَقُوَّتِكَ لا حَوْلَ وَلا قُوَّةَ إلاّ بِاللهَ الْعَلِيِّ الْعَظيمِ . أقول : دَعواتُ السّفر وآدابُه كثيرة ونحن هنا نقتصر بذكر عدّة آداب : الأول: ينبغي للمرء أن لا يترك التسمية عند الرّكوب. الثّاني: أن يحفظ نفقته في موضِع مصُون ، فقد روي أن من فقه المُسافر حفظ نفقته . الثّالث : أن يُساعد أصحابه في السّفر ولا يحجم عن السّعي في حوائجهم كي ينفس الله عنه ثلاثاً وسبعين كربة، ويجيره في الدّنيا من الهمّ والغم، وينفس كربه العظيم يوم القيامة ، وروي إن الإمام زين العابدين (عليه الصلاة والسلام) كان لا يسافر إلا مع رفقة لا يَعرفُونه ليخدمهم في الطّريق فإنهم لو عرفوه منعُوه عن ذلك، ومن الأخلاق الكريمة للنّبي (صلى الله عليه وآله وسلم) انّه كان مع صحابته في بعض الأسفار فأرادوا ذبح شاة تاتون بها ، فقال أحدهم : عليّ ذبحها ، وقال آخر : عليّ سلخ جلدها ، وقال الآخر : عليّ طبخها ، فقال (صلى الله عليه وآله وسلم) : عليّ الاحتطاب ، فقالوا : يا رسول الله نحن نعمل ذلك فلا تتكلّفه أنت، فأجاب أنا أعلم أنكم تعملونه ولكن لا يسرّني أن أمتاز عنكم فانّ الله يكره أن يرى عبده قد فضّل نفسه على أصحابه ، واعلم أن أثقل الخلق على الأصحاب في السّفر من تكاسل في الأعمال وهو في سلامة من أعضائه وجوارحه فهو لا يؤدّي شيئاً من وظائفه ، مرتقباً رفقته يقضُون له حوائجه . الرّابع: أن يصاحِب الرجل من يماثله في الإنفاق. الخامس : أن لا يشرب من ماء أي منزل يرده إلا بعد أن يمزجه بماء المنزل الذي سبقه، ومن اللاّزم أن يتزوّد المُسافر من تربة بلده وطينته الّتي ربّي عليها، وكلّما ورد منزلاً طرح في الإناء الّذي يشرب منه الماء شيئاً من الطّين الّذي تزوّده من بلده ويشرب الماء والطّين في الآنية بالتّحريك ويؤخّر شربه حتّى يصفو . السّادس : أن يحسن أخلاقه ويتزيّن بالحلم، وسيأتي في آداب زيارة الحسين (عليه الصلاة والسلام) ما يناسب المقام . السّابع : أن يتزوّد لسفره، ومن شرف المرء أن يطيّب زاده لا سيّما في طريق مكّة ، نعم لا يستحسن في سفر زيارة الحسين (عليه الصلاة والسلام) أن يتّخذ زاداً لذيذاً كاللّحم المشوي والحلويّات وغير ذلك كما سيأتي في آداب زيارته (عليه الصلاة والسلام)، وقال ابن الاعسم : مِنْ شَرَفِ الإنسان فِي الأسفـار تَطييبُهُ الـزّادَ مَعَ الإكثار وَلْيُحْسِنِ الإنسان فِي حالِ السَّفَرْ أخلاقه زِيادَةً عَلَى الْحضَرْ وَلْيَدْعُ عِنْدَ الْوَضْعِ لِلْخِوانِ مَنْ كانَ حاضِـراً مِـنَ الإخوان وَلْيُكْثِرِ الْمَزْحَ مَعَ الصَّحْــبِ إذا لَمْ يُسْخِـطِ اللهَ وَلَمْ يَجْلِـبْ أذى مَنْ جاءَ بَلْدَةً فَذا ضَيـْفٌ عَلى إخوانه فيها إلـى أن يَرْحَـلا يُبَرُّ لَيْلَتَيْنِ ثُمَّ لْيَأكُـلِ مِنْ أكل أهل الْبَيْتِ ف ي الْمُسْتَقْبِلِ الثّامن : من أهمّ الأشياء في السّفر المحافظة على الفرائض بشرائطها وحدودها وأداؤها في بدء أوقاتها، فما أكثر ما يشاهد الحجّاج والزّوار في الأسفار يضيعون الفرائض بتأخيرها عن أوقاتها أو بأدائها راكبين أو في المحامل أو متيمّمين بلا وضوء أو مع نجاسة البدن أو الثّياب وغيرها من أشباهها، فهذه كلّها تنشأ عن استخفافهم بشأن الصّلاة وعدم مُبالاتهم، بها هذا وقد روي في الحديث عن الصّادق (عليه الصلاة والسلام) قال : صلاة الفريضة أفضل من عشرين حجّة، وحجّة واحدة أفضل من دار ملئت ذهباً يتصدّق به حتّى تفرغ، ولا تدع بعد الصّلاة المقصُورة أن تقول ثلاثين مرّة سُبْحانَ اللهِ وَالْحَمْدُ للهِ وَلا اِلـهَ اِلاَّ اللهُ وَاللهُ اَكْبَرُ فهو من السُنن المؤكّدة .