آراء-المسيحيين-في-أمير-المؤمنين

آراء المسيحيين في أمير المؤمنين(ع)

قال الشاعر بولس سلامة  : 

قد يقول قائل ، ولم آثرت علياً دون سواه من أصحاب محمد (ص) بهذه الملحمة ( ملحمة الغدير) ؟ ولا اُجيب على السؤال إلاّ بكلمات فالملحمة كلّها جواب عليه ، وسترى في سياقها بعض عظمة الرجل الذي يذكره المسلمون فيقولون : (رضي الله عنه ، وكرّم الله وجهه ، وعليه السلام) .

ويذكره النصارى في مجالسهم ، فيتمثّلون بِحكَمه ويخشعون لتقواه ، ويتمثّل به الزهّاد في الصوامع ، فيزدادون زهداً وقنوتاً ، وينظر إليه المفكّر فيستضيء بهذا القطب الوضّاء ، ويتطلّع إليه الكاتب الألمعي فيأتمّ ببيانه ، ويعتمده الفقيه المدرة فيسترشد بأحكامه.

أمّا الخطيب فحسبه أن يقف على السفح ، ويرفع الرأس إلى هذا الطود لتنهلّ عليه الآيات من عَل ، وينطلق لسانه بالكلام العربي المبين الذي رسّخ قواعده أبو الحسن إذ دفعها إلى أبي الأسود الدؤلي فقال : اُنح هذا النحو ، وكان علم النحو .

ويقرأ الجبان سيرة علي ، فتهدر في صدره النخوة وتستهويه البطولة ، إذ لم تشهد الغبراء ، ولم تظلّ السماء أشجع من ابن أبي طالب ، فعلى ذلك الساعد الأجدل اعتمد الإسلام يوم كان وليداً ، فعليّ هو بطل بدر وخيبر والخندق وحنين ووادي الرمل والطائف واليمن .

وهو المنتصر في صفّين ويوم الجمل والنهروان ، والدافع عن الرسول يوم اُحد وقيدوم السرايا ولواء المغازي.

وأعجب من بطولته الجسدية بطولته النفسية ، فلم يُرَ أصبر منه على المكاره .

إذ كانت حياته موصولة الآلام منذ فتح عينيه على النور في الكعبة حتى أغمضهما على الحقّ في مسجد الكوفة .

وبعد فَلِمْ تسائلني بأبي الحسن ؟ أو لم تقم في خلال العصور فئات من الناس تؤلّه الرجل ؟ ولا ريب أنّها الضلالة الكبرى ، ولكنّها ضلالة تدلّك على الحقّ إذ تدلّك على مبلغ إفتتان الناس بهذه الشخصية العظمى .

ولم يستطع خصوم عليّ أن يأخذوا عليه مأخذاً ، فاتّهموه بالتشدّد في إحقاق الحقّ، أي إنّهم شكوا كثرة فضله ، فأرادوه دنيوياً يماري ويداري ، وأراد نفسه روحانياً يستميت في سبيل العدل ، لا تأخذه في سبيل الله هوادة ، وإنّما الغضبة للحق ثورة النفوس القدسيّة التي يؤلمها أن ترى عوجاً .

فيا أبا الحسن ماذا أقول فيك  , وقد قال الكتّاب في المتنبّي : ( إنّه مالئ الدنيا وشاغل الناس ) .

وإن هو إلاّ شاعر لـه حفنة من الدرّ إزاء تلال من الحجارة .

وما شخصيّته حيال عظمتك إلاّ مدرة على النيل خجلى من عظمة الأهرام .

حقاً إنّ البيان ليسفّ ، وإنّ شعري لحصاة في ساحلك يا أمير الكلام ، ولكنَّها حصاة مخضوبة بدم الحسين الغالي (1) .

قال الكاتب والمؤرّخ والفيلسوف الإنجليزي توماس كارليل في كتابه ( الأبطال) :

(أمّا علي ، فلا يسعنا إلاّ أن نحبّه ونتعشّقه ، فإنّه فتى شريف القدر عالي النفس يفيض وجدانه رحمةً وبرّاً ، يتلظّى فؤاده نجدة وحماسة . وكان أشجع من ليث ، ولكنّها شجاعة ممزوجة برقّةٍ ولطف ورأفة وحنان ، جدير بها فرسان الصليب في القرون  الوسطى ، وقد قُتل بالكوفة غيلة ، وإنّما جنى ذلك على نفسه بشدّة عدله حتى أنّه حسب كل إنسان عادلاً مثله) (2) .

وقال فيه أيضاً : ( لقد كان الإمام علي ألمع الأئمّة المسلمين وأعظمهم . فقد عُرف في شبابه وكهولته بالكثير من المآثر وأعمال البطولة التي تُخلِّد شجاعته الفائقة في التأريخ ، وتبرّر لقب (الأسد) الذي لقّبه به النبي الكريم ، كما عُرف في شيخوخته بورعه وزهده ودماثة خلقه ، ولا يسع المرء غير المتعصّب إلاّ يُعجب بشخصيّته الملهمة المحبوبة للغاية ، كما عُرف عنه من إخلاص تام ، وتفان متناه لمعلّمه وسيّده النبي(محمد) وقد أدّى قتله بالطريقة التي قتل فيها إلى إنتشار شهرته وذيوع صيته في الخافقين) (3) .

وقال الباحث الفرنسي البارون كاراديفو في كتاب ( مفكّرو الإسلام) :

( وعليّ هو ذلك البطل الموجَع المتألّم ، والفارس الصوفي ، والإمام الشهيد ، والروح العميقة القرار التي يكمن في مطاويها سرّ العذاب الإلهي) (4) .

وقال أيضاً: ( وحارب عليّ بطلاً مغواراً إلى جانب النبي ، وقام بمآثر معجزات ، ففي موقعة بدر كان علي وهو في العشرين من عمره يشطر الفارس القرشي شطرين إثنين بضربة واحدة من سيفه .

وفي أُحد تسلّح بسيف النبي ذي الفقار ، فكان يشقّ المغافر بضربات سيفه ويخرق الدروع .

وفي الهجوم على خيبر قلقل علي باباً ضخماً من حديد ، ثم رفعه فوق رأسه متّخذاً منه تُرساً مِجَنّاً .

أمّا النبي فكان يحبّه ويثق به ثقة عظيمة ، وقد قال ذات مرّة وهو يشير إلى عليّ : من كنت مولاه فعليّ مولاه)  (5) .

قال الأديب والشاعر اللبناني جبران خليل جبران :

( في عقيدتي أنّ ابن أبي طالب كان أوّل عربيّ لازم الروح الكلّـيّة وجاورها وسامرها ، وهو أوّل عربي تناولت شفتاه صدى أغانيها على مسمع قوم لم يسمعوا بها من ذي قبل ، فتاهوا بين مناهج بلاغته وظلمات ماضيهم .

فمن اُعجب بها كان أعجابه موثوقاً بالفطرة ، ومن خاصمه كان من أبناء الجاهلية .

مات عليّ بن أبي طالب شهيد عظمته ! مات والصلاة بين شفتيه ! مات وفي قلبه الشوق إلى ربّه ! ولم يعرف العرب حقيقة مقامه ومقداره حتى قام من جيرانهم الفرس اُناس يُدركون الفارق بين الجواهر والحصى .

مات قبل أن يبلّغ العالم رسالته كاملة وافية ، غير أنّني أتمثّله مبتسماً قبل أن يغمض عينيه عن هذه الأرض .

مات شأن جميع الأنبياء الباصرين الذين يأتون إلى بلد ليس ببلدهم، وإلى قوم ليس بقومهم في زمنٍ ليس بزمنهم ، ولكن لربّك شأناً في ذلك وهو أعلم ) .

وقال : ( العظماء ثلاثة : المسيح ومحمد وعلي ) (6) .

وقال الطبيب والباحث شبلي شُمَـيِّل :

( الإمام عليّ بن أبي طالب، عظيم العظماء ، نسخة مفردة لم يرَ لها الشرق ولا الغرب صورة طبق الأصل لا قديماً ولا حديثاً ) (7) .

قال الأديب الكبير ميخائيل نعيمة :

(إنّ عليّاً من بعد النبيّ سيد العرب على الإطلاق بلاغةً وحكمةً ، وتفهّماً للدين ، وتحمّساً للحقّ ، وتسامياً عن الدنايا ، فأنا ما عرفتُ في كلّ من قرأت لهم من العرب رجلاً دانت لـه اللغة مثلما دانت لابن أبي طالب ، سواء في عظاته الدينية ، وخطبه الحماسيّة ، ورسائله التوجيهية ، أو في تلك الشذور المقتضبة التي كان يطلقها من حين إلى حين مشحونة بالحكم الزمنية والروحية ، متوهّجة ببوارق الإيمان الحيّ ، ومدركةً من الجمال في البيان حدّ الإعجاز ، فكأنّها اللالئ بلغت بها الطبيعة حدّ الكمال ، وكأنّه البحر يقذف بتلك اللالئ دونما عنت أو عناء !

ليس بين العرب من صفت بصيرته صفاء بصيرة الإمام عليّ .

ولا مَن اُوتي المقدرة في اقتناص الصور التي انعكست على بصيرته وعَرضها في إطار من الروعة هو السحر الحلال ، حتى سجعه وهو كثير ، يسطو عليك بألوانه وبموسيقاه ولا سطو القوافي التي تبدو كما لو أنّها هبطت على الشاعر من السماء ، فهي ما اتّخذت مكانها في أواخر الأبيات إلا لتقوم بمهمّة يستحيل على غيرها القيام بها .

إنّها هناك لتقول أشياء لا تستطيع كلمات غيرها أن تقولها ، فهي كالغلق في القنطرة . إنّ عليّاً لمن عمالقة الفكر والروح والبيان في كلّ زمان ومكان (8) .

وقال مقدّماً لكتاب الأديب الكبير جورج جرداق : ( الإمام عليّ صوت العدالة الإنسانية)  :

هذا الكتاب الذي بين يديك مكرّس لحياة عظيم من عظماء البشرية ، أنبتته أرض عربيّة ، ولكنّها ما استأثرت به.

وفجّر ينابيع مواهبه الإسلام ، ولكنّه ما كان للإسلام وحده ، وإلاّ فكيف لحياته الفذّة أن تلهب روح كاتب مسيحي لبناني ، فيتصدّى لها بالدرس والتمحيص والتحليل ، ويتغنّى تغنّي الشاعر المتيَّم بمفاتنها ومآثرها وبطولاتها ؟ وبطولات الإمام ما اقتصرت يوماً على ميادين الحرب ، فقد كان بطلاً في صفاء بصيرته ، وطهارة وجدانه ، وسحر بيانه ، وعمق إنسانيّته ، وحرارة إيمانه، وسموّ دعته ، ونصرته للمظلوم والمحروم من الظالم والحارم ، وتعبّده للحقّ أينما تجلّى لـه الحقّ .

وهذه البطولات ، ومهما تقادم بها العهد ، لا تزال مقلعاً غنيّاً تعود إليه اليوم وفي كلّ يوم كلّما اشتدّ بنا الوجد إلى بناء حياة صالحة فاضلة .

إنّه ليستحيل على أيّ مؤرّخ أو كاتب ، مهما بلغ من الفطنة والعبقريّة ، أن يأتيك حتى في ألف صفحة بصورة كاملة لعظيم من عيار الإمام عليّ ، فالذي فكّره وتأمّله وقاله وعمله ذلك العملاق العربي بينه وبين نفسه وربّه لمِمّا لم تسمعه اُذن ولم تبصره عين ، وهو أكثر بكثير ممّا عمله بيده أو أذاعه بلسانه وقلمه .

وإذ ذاك ، فكلّ صورة نرسمها لـه هي صورة ناقصة لا محالة وقصارى ما نرجوه منها أن تنبض بالحياة .

وقد نجح المؤلِّف إلى حدٍّ بعيد في رسم صورة لإبن أبي طالب لا تستطيع أمامها إلاّ أن تشهد بأنّها الصورة الحيّة لأعظم رجل عربي بعد النبي (9) .

قال الاُستاذ رئيف خوري :

الإمام علي (ع) عظيم لا كالعظماء ، لإن كان جميع العظماء يرتبطون بمناسبات تاريخية معيّنة ، فترسم فيهم ملامح من أحداث عصر خاص ، وتتجلّى فيهم سمات من أحوال بيئة معلومة ، فإنّ العظيم حقّاً هو الذي يشمخ بشخصيّته وتفكيره ليشتمل على آفاق وأبعاد تتخطّى عصره وبيئته إلى منفسح الزمان الأرحب ذلك هو الخلود بأتمّ معانيه، وسيّدنا الإمام علي (ع) من أفذاذ العظماء الذين تجاوزت عظمتهم حدّ الارتباط بمناسبات تأريخية معيّنة، فأرسلوا أضواء جلبت آفاقاً وأبعاداً رائعة في معارج الشوق الإنساني، فإذا هم حاضرون أبداً لا يغيب لهم حضور … فالإمام علي (ع) وإن أصبح عَلمَ دين وطائفة ، فلا لدين هو ولا طائفة ، بل للناس أجمعين … ورأيي أن سرّ عظمة الإمام علي(ع) أنّه كان من الحكّام القلائل المعدودين الذين تولّوا السلطة ، وجمعوا إليها علماً وشجاعةً واستقامةً دائمة ، وحكموا بموجب مبادئ وأخلاق لم يتزحزحوا عنها وإن تنكَّر لها ولهم العصر ومن حواه.

فهو مثال الحاكم الذي كان همّه تطبيق المبادئ والأخلاق الواجب تطبيقها تطبيقاً صحيحاً ، ولم تكن غايته مجرَّد النجاح ، وإنّما هي ممارسة رسالة . ومذ كان الحكم عنده ممارسة رسالة ، فإنّ رأس الصفات التي تحلّى بها الزهد .

راض عليه نفسه حتى أصبح طبيعة لـه ، ولم يتّخذه زهد تفرّج على الدنيا ، بل زهد المسيح ابن مريم (ع) (10) .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

  1. ملحمة الغدير: ص 20 – 22 .

  2. الإمام علي صوت العدالة الإنسانية: ج5 ص235 ـ 236 .

  3. الإمام علي أسد الإسلام وقدّيسه: ص71.

  4. الإمام علي صوت العدالة الإنسانية: ج5 ص238.

  5. المصدر السابق: ص236.

  6. الإمام علي صوت العدالة الإنسانية: ج5 ص226 ـ 227 .

  7. المصدر السابق: ج1 ص35.

  8. الإمام علي صوت العدالة الإنسانية: ج5 ص228 ـ 229.

  9. الإمام علي صوت العدالة الإنسانية: ج1 ص19 ـ 22 .

  10. مجلة العرفان: ج 4 مجلد 54 .