المتفرقة » المقالات » العقائد »

آية المباهلة

قال الله تعالى:

(فَمَنْ حَآجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْاْ نَدْعُ أَبْنَاءنَا وَأَبْنَاءكُمْ وَنِسَاءنَا وَنِسَاءكُمْ وَأَنفُسَنَا وأَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَةُ اللهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ).

معنى المباهلة:

قال ابن منظور: ومعنى المباهلة أن يجتمع القوم إذا اختلفوا في شيء فيقولوا: لعنة الله على الظالم منّا.

صفة المباهلة:

وصفة المباهلة: أن تشبك أصابعك في أصابع من تباهله وتقول: اللهم رب السماوات السبع ، والأرضين السبع ، ورب العرش العظيم ، إن كان فلان جحد الحق وكفر به فأنزل عليه حسباناً من السماء وعذاباً أليماً .

دعوة النبي (صلى الله عليه وآله) لأساقفة نجران:

كتب رسول الله (صلى الله عليه وآله) كتاباً إلى أساقفة نجران يدعوهم إلى الإسلام ، جاء فيه: (أمّا بعد ، فإنّي أدعوكم إلى عبادة الله من عبادة العباد ، أدعوكم إلى ولاية الله من ولاية العباد ، فإن أبيتُم فقد أذنتم بحرب ، والسلام) .

فلمّا قرأ الأسقف الكتاب ذُعِر ذُعراً شديداً ، فبعث إلى رجل من أهل نجران يقال له: شَرحبيل بن وداعة ـ كان ذا لب ورأي بنجران ـ فدفع إليه كتاب رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقرأه ، فقال له الأسقف: ما رأيك ؟

فقال شرحبيل: قد علمت ما وعد الله إبراهيم في ذرّية إسماعيل من النبوَّة ، فما يؤمنك أن يكون هذا الرجل ، وليس لي في النبوَّة رأي ، لو كان أمر من أُمور الدنيا أشرت عليك فيه وجهدت لك.

فبعث الأسقف إلى واحد بعد واحد من أهل نجران فكلَّمهم ، فأجابوا مثل ما أجاب شرحبيل ، فاجتمع رأيهم على أن يبعثوا شرحبيل ، وعبد الله ابنه ، وحبار بن قنص ، فيأتوهم بخبر رسول الله (صلى الله عليه وآله) .

فانطلق الوفد حتّى أتوا رسول الله (صلى الله عليه وآله) فسألهم وسألوه ، فلم تزل به وبهم المسألة حتّى قالوا : ما تقول في عيسى ابن مريم ؟ فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): (إنَّهُ عَبدُ الله) .

فنزلت آية المباهلة الكريمة ، حاملة إجابة وافية ، قاطعة لأعذار مُؤلِّهِي المسيح ومُتبنِّيه ، وهي بنفس الوقت دعوة صارخة لمباهلة الكاذبين المصرِّين على كذبهم ، فيما يخص عيسى (عليه السلام) .

فدعاهم (صلى الله عليه وآله) إلى اجتماع حاشد ، من أعزِّ الملاصقين من الجانبين ، ليبتهل الجميع إلى الله تعالى ، في دعاء قاطع ، أن ينزل لعنته على الكاذبين .

قال أحد الشعراء:

تعالوا ندع أنفسنا جميعاً ** وأهلينا الأقارب و البنينا
فنجعل لعنة الله ابتهالاً ** على أهل العناد الكاذبينا

الخروج للمباهلة:

خرج رسول الله (صلى الله عليه وآله) وقد احتضن الحسين ، وأخذ بيد الحسن ، وفاطمة (عليها السلام) تمشي خلفه ، والإمام علي (عليه السلام) خلفها ، وهو (صلى الله عليه وآله) يقول: (إذا دَعوتُ فأمِّنوا) .

موقف النصارى:

قال أسقف نجران: يا معشر النصارى !! إنّي لأرى وجوهاً لو شاء الله أن يزيل جبلاً عن مكانه لأزاله بها ، فلا تباهلوا فتهلكوا ، ولم يبق على وجه الأرض نصراني إلى يوم القيامة ، فقالوا: يا أبا القاسم ، رأينا أن لا نُباهلك ، وأن نقرّك على دينك ، ونثبت على ديننا .

قال (صلى الله عليه وآله): (فإِذَا أبَيْتُم المباهلة فأسلِموا ، يَكُن لكم ما للمسلمين ، وعليكم ما عليهم) ، فأبوا ، فقال (صلى الله عليه وآله): (فإنِّي أناجزكم) ، فقالوا: ما لنا بحرب العرب طاقة ، ولكن نصالحك ، فصالحنا على أن لا تغزونا ولا تخفينا ، ولا تردّنا عن ديننا ، على أن نؤدّي إليك في كل عام ألفي حلّة ، ألف في صفر وألف في رجب ، وثلاثين درعاً عادية من حديد .

فصالحهم على ذلك وقال : (والذي نَفسِي بِيَده ، إنّ الهلاك قد تَدَلَّى على أهل نجران ، ولو لاعنوا لَمُسِخوا قِرَدة وخنازير ، ولاضطَرَم عليهم الوادي ناراً ، ولاستأْصَلَ الله نجران وأهله حتّى الطير على رؤوس الشجر ، ولما حال الحول على النصارى كلُّهم حتّى يهلكوا).

دلالة آية المباهلة على عصمة وأفضلية أمير المؤمنين علي (عليه السلام):

استدل علماؤنا بكلمة : (وأنفسنا) ، تبعاً لأئمّتنا (عليهم السلام) على عصمة وأفضلية أمير المؤمنين (عليه السلام) ، ولعل أوّل من استدل بهذه الآية المباركة هو نفس أمير المؤمنين (عليه السلام) ، عندما احتج في الشورى على الحاضرين بجملة من فضائله ومناقبه ، فكان من ذلك احتجاجه بآية المباهلة ، وكلّهم أقرّوا بما قال ، وصدّقوه في ما قال .

وسأل المأمون العباسي الإمام الرضا (عليه السلام): هل لك من دليل من القرآن الكريم على أفضلية علي ؟ فذكر له الإمام (عليه السلام) آية المباهلة ، واستدل بكلمة: (وأنفسنا) ، لأنّ النبي (صلى الله عليه وآله) عندما أُمر أن يُخرج معه نساءه ، فأخرج فاطمة فقط ، وأبناءه فأخرج الحسن والحسين فقط ، وأمر بأن يخرج معه نفسه ، ولم يخرج إلاّ علي (عليه السلام) ، فكان علي نفس رسول الله ، إلاّ أنّ كون علي نفس رسول الله بالمعنى الحقيقي غير ممكن ، فيكون المعنى المجازي هو المراد ، وهو أن يكون علي مساوياً لرسول الله (صلى الله عليه وآله) في جميع الخصائص والمزايا إلاّ النبوّة لخروجها بالإجماع .

ومن خصوصيات رسول الله (صلى الله عليه وآله): العصمة ، فآية المباهلة تدل على عصمة علي (عليه السلام) أيضاً.

ومن خصوصياته:

أنّه أولى بالمؤمنين من أنفسهم ، فعلي أولى بالمؤمنين من أنفسهم أيضاً ، وأنّه أفضل جميع الخلائق وأشرفهم فكذلك علي (عليه السلام) ، وإذا ثبت أنّه (عليه السلام) أفضل البشر ، وجب أن يليه بالأمر من بعده .

المصدر: موقع الامام الهادي(ع)