أبشـر فمعشوقك دائمٌ أزلي

إن عشق الكمال من الأمور الفطرية التي جبلت عليها سلسلة بني البشر بأكملها, بحيث إنك لن تجد فرداً واحداً في كل المجموعة البشرية يخالفها. ولن تستطيع العادات والأخلاق والمذاهب والمسالك وغيرها أن تبدلها ولا أن تحدث فيها خللاً.‏

فأنت إن تجولت في جميع الأدوار التي مرّ بها الإنسان, واستنطقت كل فرد من الأفراد وكل طائفة من الطوائف, وكل ملّة من الملل, تجد هذا العشق والحب قد جبل في طينته, فقلبه متوجهٌ نحو الكمال, بل إن ما يحدّد الإنسان ويدفعه في كل سكناته وتحركاته, وكل العناء والجهود المضنية التي يبذلها كل فرد في مجال عمله وتخصصه, إنما هو نابع من حب الكمال, على الرغم من وجود منتهى الخلاف بين الناس فيما يرونه من الكمال، وبأي شيء يتحقق الكمال ويشاهد الحبيب والمعشوق.‏

كمالات موهومة‏

فكلٌّ يجد معشوقه في شيء, ظاناً ذلك هو الكمال وكعبة الآمال, يتخيله في أمر معين فيتوجه إليه, ويتفانى في سبيله تفاني العاشق. إنّ أهل الدنيا وزخارفها يحسبون الكمال في الثروة, ويجدون معشوقهم فيها, فيبذلون الجهد في سبيل تحصيلها. فكل شخص, مهما يكن نوع عمله, ومهما يكن موضع حبه وعشقه, فإنه لاعتقاده بأن ذلك هو الكمال يتوجه نحوه, وهكذا حال أهل العلوم والصنايع, كلٌّ يرى الكمال في شيء ويعتقد أنه معشوقه, بينما يرى أهل الآخرة والذكر والفكر غير ذلك…‏

وعليه, فجميعهم يسعون نحو الكمال, فإذا ما تصوّروه في شيء موجود أو موهوم تعلّقوا به وعشقوه.‏

القلب يطير إلى بلد الحبيب‏

على كل حال لا بدّ أن نعرف أنّه على الرغم من هذا الذي قيل, فإن حب هؤلاء وعشقهم ليس في الحقيقة لهذا الذي ظنّوه معشوقهم, وإنّ ما توهّموه وتخيلوه ويبحثون عنه ليس هو كعبة آمالهم. إذ لو أن كل واحد منهم رجع إلى فطرته لوجد أن قلبه في الوقت الذي يظهر فيه العشق لشيء ما فإنه يتحوّل عن هذا المعشوق إلى غيره إذا وجد الثاني أكمل من الأول. ثم إذا عثر على أكمل من الثاني ترك الثاني وانتقل بحبه إلى الأكمل منه, بل إن نيران عشقه لتزداد اشتعالاً حتى لا يعود قلبه يلقي برحاله في أية درجة من الدرجات ولا يرضى بأي من الحدود.‏

مثلاً, إذا كنت تحب جمال القدود ونضارة الوجوه, وعثرت على ذلك عند من تراها كذلك, توجّه قلبك نحوها, فإذا لاح جمال أجمل, لا شك في أنك سوف تتوجه إلى الجميل الأجمل, أو أنك على الأقل تطلب الاثنين معاً, ومع ذلك لا تخمد نار الاشتياق عندك, ولسان حال فطرتك يقول: كيف السبيل إليهما معاً؟ ولكن الواقع هو أنك تطلب كل جميل تراه أجمل, بل قد تزداد اشتياقاً بالتخيّل, فقد تتخيّل أن هناك جميلاً أجمل من كل ما تراه بعينك, في مكان ما, فيحلق قلبك طائراً إلى بلد الحبيب, ولسان حالك يقول: أنا بين الجمع وقلبي في مكان آخر, وقد تعشق ما تتمنى, فأنت إن سمعت بأوصاف الجنة وما فيها من الوجوه الساحرة ـ حتى ولو لم تكن تؤمن بالجنة لا سمح الله ـ قالت فطرتك: ليت هذه الجنة موجودة وليتهن كنّ من نصيبي.‏ وهكذا الذين يرون الكمال في السلطان والنفوذ واتساع الملك, يتجه حبهم واشتياقهم إلى ذلك. فهم إذا بسطوا سلطانهم على دولة واحدة توجّهت أنظارهم إلى دولة أخرى. فإذا دخلت تلك الدولة أيضاً تحت سيطرتهم, تطلعت أعينهم إلى أكثر من ذلك. فهم كلما استولوا على قطر, اتجه حبهم إلى الاستيلاء على أقطار أخرى, بل تزداد نار تطلعاتهم لهيباً. وإذا بسطوا سلطانهم على الأرض كلها, وتخيلوا إمكان بسط سلطتهم على الكواكب الأخرى, تمنّت قلوبهم لو كان بالإمكان أن يطيروا إلى تلك العوالم كي يخضعوها لسيطرتهم.‏ وقس على ذلك أصحاب الصناعات ورجال العلم, وغيرهم وكل أفراد الجنس البشري, مهما تكن مهنتهم وحِرَفهم, فهم كلّما تقدموا فيها مرحلة متقدمة, رغبوا في بلوغ مرحلة أكمل من سابقتها, ولهذا يشتدّ شوقهم وتطلّعهم.‏

الكمال المطلق هو المعشوق‏

إذاً فنور الفطرة قد هدانا إلى أن نعرف أن قلوب جميع البشر, من أهالي أقصى المعمورة وسكان البوادي والغابات إلى شعوب الدول المتحضرة في العالم, ابتداءً بالطبيعيين والماديين وانتهاءً بأهل الملل والنحل, تتوجه قلوبهم بالفطرة إلى الكمال الذي لا نقص فيه, فيعشقون الكمال الذي لا عيب فيه ولا كمال بعده, والعلم الذي لا جهل فيه, والقدرة التي لا تعجز عن شيء والحياة التي لا موت فيها, أي إن الكمال المطلق هو معشوق الجميع. إنّ جميع الكائنات والعائلة البشرية, يقولون بلسان فصيح واحد وبقلب واحد: إنّنا نعشق الكمال المطلق, إننا نحب الجمال والجلال المطلق, إننا نطلب القدرة المطلقة, والعلم المطلق, فهل هناك في جميع سلسلة الكائنات, أو في عالم التصور والخيال, وفي كل التجويزات العقلية والاعتبارية, كائن مطلق الكمال ومطلق الجمال, سوى الله تقدست أسماؤه, مبدأ العالم جلّت عظمته؟ وهل الجميل على الإطلاق الذي لا نقص فيه إلاّ ذلك المحبوب المطلق؟‏

فيا أيها الهائمون في وادي الحسرات والضائعون في صحاري الضلالات, بل أيتها الفراشات الهائمة حول شمعة جمال الجميل المطلق, ويا عشّاق الحبيب الخالي من العيوب والدائم الأزلي, عودوا قليلاً إلى كتاب الفطرة وتصفحوا كتاب ذاتكم لتروا أن قلم قدرة الفطرة الإلهية قد كتب فيه: {إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ} (الأنعام: ۷۹). فهل أن {فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا} هي فطرة التوجه نحو المحبوب المطلق؟ وهل أن الفطرة التي لا تتبدل {لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ} هي فطرة المعرفة؟ فإلى متى توجه هذه الفطرة التي وهبك الله إياها نحو الخيالات الباطلة, نحو هذا وذاك من المخلوقات؟ إذا كان محبوبك هو هذا الكمال الناقص والكمال المحدود, فلماذا عندما تصل إليه يبقى اشتياقك ملتهباً لا يخمد, بل يزداد ويشتد؟‏

الله نور السموات والأرض‏

تيقّظ من نوم الغفلة واستبشر فرحاً بأن لك محبوباً لا يزول, ومعشوقاً لا نقص فيه, ومطلوباً من دون عيب, وأن لك مقصوداً يكون نور طلعته هو النور {اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} (النور:۳۵), وأن محبوبك ذو إحاطة واسعة لو دُلّيتم بحبلٍ إلى الأرضين السّفلى لَهَبَطتم على الله. إذاً، يستوجب عشقك الحقيقي معشوقاً حقيقياً, ولا يمكن أن يكون شيئاً متوهماً متخيلاً, إذ إن كل موهوم ناقص, والفطرة إنما تتوجه إلى الكمال, فالعاشق الحقيقي والعشق الحقيقي لا يكون من دون معشوق, ولا يكون غير الله الكامل معشوقاً تتجه إليه الفطرة. فلازم عشق الكمال المطلق، وجود الكمال المطلق. وقد سبق أن عرفنا أن أحكام الفطرة ولوازمها أوضح من جميع البديهيات ﴿أَفِي اللهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ (إبراهيم:۱۰).

المصدر: دار الولاية للثقافة والاعلام