أزمة الحبّ والإيمان نظرة أوليّة في الموقف من العلاقات العاطفيّة

تمهيد

واحدة من المسائل المدروسة والجديرة بالدراسة أكثر هي نوع العلاقة بين الدين ومفاهيمه وقوانينه وأحكامه وأخلاقيّاته و… من جهة وبين الواقع والطبيعة والتكوين والفطرة و… من جهةٍ أخرى، فقد قرأ بعض الباحثين الدينيّين في القرن الأخير هذا الموضوع بصورةٍ يمكن التعبير عنها بأنها إثباتية؛ أي أنّهم عالجوا موضوع الرابطة بين الدين والعلم أو بين الفهم الديني والمعطيات العلمية، فمثلاً أخذوا يفكّرون في إمكانية أن يقدّم العلم معطى معين فيما يرفض النص الديني هذا المعطى العلمي فهل هذا الأمر ممكن؟ وإذا ما واجهنا أنموذجاً من هذا القبيل فما هي الطريقة التي ينبغي علينا اتباعها حتى لا يبدو هذا التناقض أو هذا الاختلاف بين العلم والدين؟ هل نقوم بتأويل النصّ الديني وما معنى التأويل؟ أم أنّنا نرفض المعطيات العلميّة التي نجد أنّ النصوص الدينية من الكتاب والسنّة تعارضها وتنافيها؟ لقد حاز هذا الموضوع على اهتمام العلماء منذ القرون الإسلامية الأولى ولو ضمن أشكال مختلفة، ففي البداية كان السؤال يطرح على أساس العلاقة بين العقل والنقل، وهو ما بلور فيما بعد قصةً طويلةً من الخلاف الذي أحاط موضوع علم الفلسفة، حيث اختلف العلماء في الموقف من هذا العلم، سيما وأنّ بعض نتائجه كانوا يرونها معارضةً لنصوص القرآن الكريم. ولكن للموضوع بعدٌ آخر أعمق وأسبق مرحلةً من هذه المرحلة، ألا وهو البعد الثبوتي والواقعي، فنحن نسأل: هل أنّ واقع الدين يعارض أو يعاكس واقع العالم والتكوين بما في ذلك التكوين البشري بقطع النظر عما استطاع العلم أو البحث الديني التوصّل إليه؟ لقد طرح العلامة السيد محمد حسين الطباطبائي فكرةً في غاية الأهمية في مواضع عديدة من كتاباته، وتتلخّص هذه الفكرة في أن الشريعة الإسلامية وكذلك الأخلاق وغيرها ليست سوى استجابة للتكوين الذي أودعه الله في الإنسان والطبيعة، فعندما نقول بأن على الإنسان أن يتّسم بصفات معينة فإننا نعني بذلك أن الوضع الطبيعي الوجودي له يستدعي ذلك، تماماً كما نقول بأن على الإنسان أن يمارس الحركة في حياته اليومية، لأن ممارسة الحركة وعدم الخمول يعنيان ضرورةً واستدعاءً تكوينيّاً، فلو لم يمارس الإنسان الحركة فهذا يعني أنه يخالف مقتضى الطبيعة التي خُلق جسده عليها، وهذا معناه ـ بشكل أكثر دقةً ـ أنّ التعاليم الدينية ليست أمراً إضافيّاً على المسار الوجودي والطبيعي للكون والعالم، بل هي كشفٌ عن هذا المسار حتّى لا يتصرّف الإنسان تصرّفاً يعارض فيه مقتضى الطبيعة والخلقة، ونتيجة هذا الكلام أنّ التشريعات الإسلامية لا تعارض التكوين البشري ببعديه المادي والمعنوي، ولا تتناغم وتنسجم معه فحسب، بل إنّها تكمل هذا التكوين وتتداخل معه، فعندما نقول بأنّ شرب الخمرة حرام، فهذا معناه أنّ الجسد والروح الإنسانيّين يتطلّبان في نمط وجودهما عدم تناول هذا النوع من المشروب، لا أن الطبيعة الإنسانية لا مانع لديها من هذا المشروب، فيما الإسلام ـ وزيادةً على الحالة الطبيعيّة ـ أراد أن ينظّم حياة الإنسان، إنّ الأمر ليس كذلك بنظر العلامة الطباطبائي، وهذا معناه ان الإسلام يتوافق والفطرة كما يتوافق والطبيعة والخلقة ويحترم هذا الواقع كلّه، ومن هنا يمكن عدّ ما ذكره العلامة الطباطبائي بمثابة فلسفة لما يتعارف في الوسط الديني من فطريّة الدين والتديّن، وكذلك تعميقاً لـه وتوسيعاً لدائرته. ومن موقع تأثير العلامة الطباطبائي، جاءت الفكرة التي أثارها الشهيد مرتضى مطهّري (۱۹۷۹م) في دراسته لموضوعة المرأة في الاسلام، والتي أصّل على أساسها ـ كما وفسّر ـ العديد من المفاهيم الدينية المرتبطة بالمرأة، وهي فكرة التناسب بين القانون والقيمة من جهة والطبيعة والتكوين من جهةٍ أخرى، أي أنّ القانون الناجح والقابل للإجراء والتنفيذ هو ذاك القانون الذي يمكنه مماهاة الواقع التكويني وإقامة جسورٍ من التناغم والاتّساق والانسجام والمحاكاة معه، والا فإنّ ما سينجم عن هذا القانون ـ على أقلّ تقدير ـ هو فشله وإخفاقه في حركة الممارسة اليوميّة.

الحبّ وسيكولوجيا المراهَقة

يس البحث السيكولوجي من اختصاص الكاتب، لكن ـ ومن باب الإشارة إلى كلام المختصّين في هذا المجال، كما والاشارة إلى واقعٍ يوميٍّ إنسانيٍّ ـ يمكننا القول بأن الفطرة الانسانية أو دعونا نعبّر التركيبة النفسية الإنسانية تنـزع دائماً نحو الحبّ والعشق، أي أنّ الحب بالنسبة للذات الإنسانية يعبّر عن ظاهرةٍ استدعائيّةٍ للنفس البشريّة، فعندما نقول: «نفس بشرية» فإنّ هذا المفهوم يرشدنا ـ في وعينا وإدراكنا له ــ إلى ظاهرةٍ نسمّيها نحن الحب، وليست هذه الظاهرة خصيصة إنسانيّة، بمعنى أنها لا تختصّ بالإنسان فقط، بل هي ضاربةٌ بجذورها في البعد الحيواني أيضاً، فهي تلاحظ في الحيوانات أيضاً في علاقة الأم بأطفالها وهكذا… أي نحن فعلاً ـ وبلغةٍ مبسّطةٍ ـ نعترف بأن واقعيّة الحب بالنسبة للإنسان بوسفه كائناً حيّاً هي واقعيةٌ لصيقة، وبالتالي ـ وفق شهادات التجربة اليومية والإحساسات الذاتية والدراسات النفسية والقراءات التاريخية ـ لا يمكننا فصل هذه الظاهرة عن الإنسان نفسه. هذا الكلام هو من الوضوح بمكانٍ فيما يُظن؛ فالتجربة الدينية نفسها في العلاقة مع الله وأئمة الدين، والنـزعات العرفانيّة في شرق الأرض وغربها، وكذلك الثورات العاشقة للأوطان والقيم.. كلّها تحكي عن ذلك وتؤيّده. بيد أن المشكلة في عملية ترشيد الظاهرة، فالكثير من القيم غير مطلق، ولذا فهو قابلٌ للترشيد والإنضاج السليمين، ولعلّ النقطة التي تعني الدين بشكلٍ أساسيّ في جدليّة الحبّ والإيمان في عصرنا الراهن تكمن في تثوير المراهَقة لهذه الظاهرة في أعماق النفس البشريّة، أي أنّ الإنسان المراهق ـ شابّاً كان أو فتاةً ـ ينـزع بفعل ثورة المراهقة للتعبير عن الحبّ في إطارٍ ثنائيٍّ إنسانيٍّ؛ أي في إطار رابطةٍ بين شاب وفتاة عادةً، فهو ـ أي المراهق ـ يعيش باستمرارٍ حالةً من الحراك العاطفي الثائر، أمّا العشق الإلهي أو العشق المعرفي أو عشق القيم فهي أمورٌ قد تتأخّر قليلاً، أو قد لا تكون بنفس العمق أو بنفس الحضور على السطح، دون أن نتجاهل الظروف البيئيّة المحيطة التي قد تضاعف أو تقلّص من هذا أو ذاك. وليس هذا الحراك العاطفي بين الشاب والفتاة ظاهرةً اصطنعتها الحضارة الغربيّة الجديدة، فالنصوص الأدبية (وغير الأدبية) القديمة لمختلف الديانات والحضارات والثقافات كلّها تحكي عن نزوعٍ عميقٍ جدّاً لطرفي المكوّن البشري هذا، وبالتالي ليس من الصحيح ربط هذا النوع من العلاقات ـ وبصورةٍ متسرّعةٍ ـ بالظاهرة الغربية المحدثة، بل أساس هذه الروابط إنساني وبشري، بمعنى أنه ليس محصوراً بواقعٍ معيّن أو في ظلّ مؤثّرات خاصّة، حتى لو ابتعدنا به عن التفسير الفرويدي للأمور كما سنلاحظ.

تساؤلاتٌ مشروعة

في الحقيقة، نحن نواجه هنا مظاهر وتساؤلات على صعيد موقف الدين من هذه الظاهرة، وسوف نحاول أن نمرّ عليها باختصارٍ شديدٍ يتناسب ومجال الكلام، أهمّها: ۱ـ هل يعترف الدين من حيث المبدأ بهذا الحب «المراهقي» إن صحّ التعبير؟ وهل يقدّم له تفسيراً معيّناً؟ ۲ـ كيف يمكن التوفيق بين اعتراف الدين بهذا الحبّ وبين سلسلة القوانين والأحكام الصارمة التي يتّخذها الدين من موضوعة العلاقة بين الرجل والمرأة كالاختلاط، والزنا، واللمس، والقبلة، والمصافحة، والمزاح، والستر والنظر…؟ وبعبارةٍ أخرى هل نواجه عند اعتراف الدين بهذا الحبّ نوعاً من الإفراغ له، أي أنّ الدين يعترف بالحبّ هذا لكنه يصيغه بشكلٍ قد يسلخه عن طبيعته، قناعةً منه بأنه ـ بذلك ـ يربأ به عن الانحراف؟ أما فيما يخصّ التساؤل الأوّل فلا يوجد بأيدينا ما يمنحنا القناعة برفض الدين لهذه الظاهرة ـ بقطع النظر عن تصوّره المفهومي لها وتقنينه الأخلاقي ـ فليس ثمّة نصٌّ من كتابٍ أو سنّةٍ ينهى عن ذلك، ولا نهدف من ذلك الدخول في دراسةٍ فقهيةٍ قانونيةٍ تشريعيةٍ مما لا مجال له فعلاً، لكنّنا نسعى إلى تلمّس الإجابات من خلال المرور عليها انطلاقاً ـ على الأقل ـ من فتاوى الفقهاء المسلمين أنفسهم. لكن القضيّة الأهم تكمن في التصوّر الديني للحبّ ـ ما دمنا لا نحكي عن علاقةٍ زوجيّةٍ ـ فعلى سبيل المثال إذا قرأنا ـ بالتحليل اللغوي ـ التعبير الغربي لظاهرة الجنس، سنلاحظ أنّ واحداً من هذه التعابير هي كلمة Love making وأمثالها؛ أي أن ممارسة الحب تعبيرٌ يراد به العملية الجنسية، وهذا معناه أنّ هناك نوعاً من الإسقاط للجنس على الحبّ، أي أنني أسقط مفهوم الجنس على مفهوم الحبّ فيتمازج المفهومان، بيد أن هذا الأمر غير موجودٍ في اللغة العربية؛ فكلمة حبّ في هذه اللغة المنصهرة ــ لاحقاً ــ بالدين الإسلامي لا تحكي عن أيّ مدلولٍ جنسيٍّ مشبع، وبالتالي فهي خالية وعارية عن هذا الإسقاط بحسب تراثها، وإن كان هذا التعبير قد بدأ بالرواج في اللغة العربية الحديثة ربما نتيجة تأثّرٍ خاطئٍ بالغرب. إنّ هذا الفصل الحاصل بين الجنس والحبّ يرشدنا إلى نوعيّة ما يسمّى بالحب العذري، إن وافقنا على هذا التعبير بلحاظ تقسيمه الحبّ إلى عذري وغير عذري، فالحبّ البعيد عن الجنس هو ذاك الحب الذي لا يختزن أيّ ضغطٍ جنسيٍّ غرائزيٍّ بعيداً عن ادعاء بعض علماء النفس وعلى رأسهم سيغموند فرويد بأنّ كل مظاهر الحب بكل أنواعه فضلاً عن مظاهر سلوكية أخرى إنما تحكي عن الغريزة الجنسية، كما وبعيداً عن التوجّس ـ المبرّر إلى حدٍّ بعيد ـ من تغطية الدافع الجنسي بعناوين بريئة لدى بعض الشباب المراهق. إنّ ـ الحب بمفهومه المشروع دينياً ــ هو ذاك الحب الذي لا يستبطن نزعةً غرائزيةً، أو دعونا نقول ـ تسهيلاً للأمر ـ هو ذاك الحب الذي لا تبدو في الوعي علامات جنسيّة فيه، بعيداً عما يرسخ في أعماق اللاوعي البعيد. وأمّا بالنسبة للتساؤل الثاني ـ وهو التساؤل الأكثر جدّيةً ـ فيمكننا سريعاً إبراز تصورات عاجلة وأوّلية حوله أهمّها: ۱ـ من الضروري التفريق ما بين الموروث الاجتماعي والموروث الديني، فالموروثات الاجتماعية ـ سيما في الوسط العربي الحسّاس جداً إزاء المرأة ـ عادةً ما تكون أكثر تحديداً وتشدّداً من الدين والموروثات الدينية إلى درجة أن الاجتماع الاسلامي لم يتقبل حتّى اليوم ظواهر دينية واضحة الثبوت ومتأكّد منها جداً من قبيل الزواج المؤقت، وخروج الفتاة البالغة من بيت أهلها من غير إذن والدها حتى لو كان ذهابها إلى المسجد، أو حتى بعض أنواع الاختلاط الجائز شرعاً لكنه لدى بعض الشرائح منبوذٌ جداً و… إن وظيفة الجيل المؤمن الصاعد هي إخضاع مظاهرنا الاجتماعية للدين دون العكس سواء كانت مظاهرنا الاجتماعية مغطّاةً بستار الاحتياط أو مكشوفةً على التحليل والتفلّت لا فرق في هذا المستوى ومن هذا الجانب، بيد أن هذه الوظيفة ليست راديكاليةً ثورويةً تربك مسار التحوّل الطبيعي للأمور وتحرق المراحل بدافع العجلة والحماس كما يحصل كثيراً، بل هي ـ ويجب أن تكون ـ توفيقيّة تدرّجية مرحلية لا تعيق باهتزازاتها حركة النمو والتنمية الاجتماعية السليمين، كما ولا تفسح المجال لإفراطيات قاتلة… ومن هنا يلاحظ أن عوائق الموروث الاجتماعي على صعيد مسألة العلاقة العاطفيّة بين الشاب والفتاة، هي أكبر من العائق الديني، وإصلاح هذه التقاليد بطريقةٍ سليمةٍ تأخذ الدين وقيَمَه عنواناً لها يمكنه أنّ يُساهم في إصلاح حيّزٍ كبيرٍ من نشاطاتنا العاطفية، وهي نشاطاتٌ إذا ما صحّت تترك آثاراً كبيرةً على كافّة مرافق حياتنا وعلى مختلف نشاطاتنا وفعالياتنا وإنتاجياتنا. ۲ـ لكي ينسجم الدين وذاتَه في حذره من الانحراف الأخلاقي الجنسي الذي يتسبّب في مفاسد اجتماعية عديدة ليس مجال بحثها هنا، يُصبح مضطراً لقوننة العلاقات العاطفية للمراهقين حتى لا تتحوّل الجوانب العاطفية إلى جوانب جنسية كما حصل في الغرب، فبدلاً من تقزيم وتحجيم العاطفة في الإطار الغرائزي وسعياً لتهذيبها وتشذيبها من الانحرافات الأخلاقية يضع الدين مجموعة محدّداتٍ تربويةٍ وأخلاقيةٍ وعلاقاتيةٍ؛ فيحرّم الزنا وينهي عن تغليب الطابع الجنسي على ظاهرة الحبّ من خلال فسح المجال لعناصر مثيرة تحرف العاطفة عن مسارها، من قبيل لحن المرأة بالكلام لإمالة قلب الرجل، أو التزيّن والسفور الموجبين لطفو الطابع الجنسي على الفتاة، أو طريقة الكلام والمزاح والتفاعل التي تجمّد من فعاليات الصدق العاطفي لتتجه بالطرفين إلى تفكيرٍ حيوانيٍّ غريزيٍّ لا نحتقره وإنما ننبذ فوضاه. إنّ وضع هذه الحدود ـ دون الدخول في تفاصيلها، ودون الدخول في الآليات الميدانية لبناء هذا النوع من العاطفة ــ يمكنه أن يصنع في كياناتنا خلاّقيات عاطفية بعيدة نسبيّاً عن حضور الجنس وممارساته، كما هو الحاصل غربياً، ويدفع نشاطاتنا الذوقية ورومانسيّتنا الدينية نحو أحاسيس سامية تنمو في ظلّها حركة الفن والأدب والشعر والرسم والصورة والقصّة والحكاية والرواية و… بعيداً عن تمثّلات غرائزية، فالشرقي يملك في فنّه ورسمه صورةً مؤدّبةً للمرأة وهي تعمل في القرى والأرياف تختلف عن بعض الصور التي يُسقط عليها الغربي جنسيّاته وغرائزيّته لتبدو على شكل المرأة العارية أو ما هو أفحش من ذلك. ويمكن القول: إنّ هذه هي الصورة التي تحقّق انسجام العاطفة الصادقة القابعة في أعماق النفس الإنسانية ـ بوصفها تكويناً في الطبيعة ـ مع المصالح والمفاسد الاجتماعية والفـردية فيأتي الدين ليضع قوانينها متناغمةً مع فطريّتها وحذرةً من فوضويّتها وعدم هادفيّتها. إنّ مشكلة جيلنا المعاصر ـ ومنه جيلنا الشابّ المتديّن ـ هي مشكلة عدم الإفراغ السليم للطاقة العاطفية التكوينية، واذا لم نفكّر بجدٍّ ونشاطٍ في وضع صورةٍ متكاملةٍ لروابط عاطفية دينية يمكنها أن تحل وتنفّس ضغط النفس واحتقان الشعور فإننا سوف نواجه عما قريب انفجاراً قاتلاً تعزّزه عولمة الثقافة والعيش القادمة من غرب الأرض غير راحمةٍ أو مباليةٍ. ليس الحراك الشبابي العاطفي أمراً عابراً في مسيرة الشاب أو الفتاة حتى يمكن التغلّب عليه لا أقل من ناحية المراهنة على زواله يوماً ما، بل على العكس من ذلك تماماً هو مطلبٌ وضرورةٌ ينبغي التفتيش على ما يرشّدها لتكون منطلقاً لفعاليات عاطفيّة في المجتمع على غرار الفعاليات العاطفية الأخرى، ولهذا من الخطأ التعاطي مع هذا الموضوع من منطلق الخيار أو من منطلق الرؤية التي يكوّنها الأشخاص الذين نضجوا وعبروا مرحلة المراهقة، إن أنماط تفكير هذا الجيل ستجعل الوضع قاسياً جداً على الجيل الشاب نظراً للتباعد الأفقي الثقافي والاجتماعي، إن تحريكنا لهذه العواطف في إطارها السليم سوف يؤمّن لنا أشخاصاً أكثر توازناً في غالب الحالات دون ان ننعت الأنموذج الآخر بعدم التوازن، تماماً كما هو الحال في الإنسان الذي لم يعش بشكلٍ جيدٍ مراحل الطفولة حيث تأخذ الطفولة حيزاً هاماً من تصرّفاته حتى بعد مضي عشرات السنين كما هو المعروف، فإشباع الطفولة في مرحلتها الزمنية وهكذا إشباع العاطفة المراهقة في مرحلتها الزمنية هو أمرٌ يمكنه أن يسدّ فراغاً وثغرةً في النفس الإنسانية ما دام منسجماً مع السلوك الاجتماعي الحسن ومع القيم الدينيّة السامية. إنّ القلق من نتائج هذا الطرح، والخوف من تداعيات سلبيّة حادّة لــه، وغموض الآثار التي سوف تنجم عنه هو السبب الرئيس ـ من وجهة نظري ـ في التوجّس من أطروحات كهذه، إلى جانب أنّ الأجيال الناضجة من المجتمع الديني لا تملك ثقافة احترام مشاعر الشباب بل تتعاطى معها بسخريةٍ عاليةٍ، لكن هذا الخوف نابعٌ إلى حدّ بعيد من عدم التجربة، فإنّ الكثير من أمثال هذا الخوف قد تبدّد إزاء ظواهر أخر سرعان ما وجدنا المجتمع الديني يتقبّلها رغم اشتمالها على سلبيات من زوايا أخلاقية، مثل ظاهرة عمل المرأة، أو الاختلاط العام، أو حتى خروج المرأة من بيتها، أو كشفها الوجه والكفّين، أو .. ولكي تتّضح صورة الأمر ما علينا سوى عرض هذه المفاهيم التي اعتادت عليها بعض مجتمعاتنا الدينية رغم الإقرار ببعض السلبيّات الناجمة عنها عرضها على بعض المجتمعات التي ما زالت جدّ محافظة إزاء هذه الظواهر الاجتماعية والسلوكية، إنّ الإحساس الخائف عند متشرّعة تلك المجتمعات المحافظة سرعان ما يرفضه أولئك الذين خاضوا التجربة فلمسوا سلبيات مكّنتهم من تكوين قناعة من جهة أخرى بأنّ الأمور يمكن ضبطها إلى حدّ كبير، ولو أننا فعّلنا تجربة هذا الطرح المثار في هذه الوريقات لربما نجم أمرٌ آخر أيضاً مهما بدا لنا هذا الطرح ليبراليّاً متفلّتاً، فقد وجّهت نفس هذه التهمة إلى الشهيد مطهري لمّا ذهب الأخذ ببعض الآراء الفقهيّة المعروفة. وإذا كان الغرب يضفي على الجنس لباساً عاطفياً فيسمّيه حباً، فمن الضروري أن لا نقع نحن في نفس الاشتباه بشكلٍ عكسيٍّ عندما نضفي على الحب والعاطفة تسميةً جنسيةً فندّعي أنّ كل علاقةٍ عاطفيّةٍ غير صادقة ونعدم ثقتنا بكل هذه العواطف ونتّهمها بالغرائزية، فبدلاً من محاربة هذه الظاهرة الإنسانية يجب السعي لترشيدها؛ لأن محاربتها ـ على ما يبدو ـ لن تكلّل بالنجاح، وبدلاً من السقوط في أحابيل الشيطان فيما يسوّله للإنسان أحياناً ويزيّن له ما هو قبيح علينا الحذر من دخول عوامل أخرى على خطّ هذه العلاقة الصادقة وتجنيب النفس عواقب التورّط فيما يخالف رضا الباري عز وعلا، لأنّ بعض شبابنا يحاول أن يضفي ـ من حيث يشعر أو لا يشعر ـ طابع البراءة على تصرّفاته فيما تكون القضية سقوطاً في شراك الشيطان الذي يبدو أن مهمّته منحصرةٌ بحسب الشهادة القرآنية في عملية التزيين والتجميل لما هو قبيح وقذر كما قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ إِلَّا أَن دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُواْ أَنفُسَكُم﴾ (إبراهيم:۲۲)، ﴿وَلَكِن قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ (الأنعام:۴۳)… ومن هنا من الضروري للشاب أو الفتاة توخّي أعلى درجات الحذر على هذا الصعيد حتى لا يكونا مصداقاً للحديث القائل: «من حام حول الحمى أوشك أن يقع فيها». لكنّ القضية في هذه المسؤولية تقع على عاتق الوالدين والعائلة التي يلزمها من جهةٍ احترام المشاعر العاطفية للمراهقين وترشيدهم وتجنيبهم السقوط في المخاطر المخالفة للإسلام والفطرة من جهةٍ أخرى، وهو ما تختلف طريقة التعاطي فيه بين مجتمعٍ وآخر ولا يمكن اعطاء قانون عام وشامل فيما يخصّه. إن واحدةً من مظالم مجتمعاتنا وعاداتنا هو الافراط في التعاطي السلبي مع ظاهرة الزواج المؤقّت التي يمكنها ان تحلّ ـ لو تمّ تنظيمها تنظيماً منطقياً عقلائياً ـ الكثير من مشكلات شبابنا العاطفية فضلاً عن غيرها، والحجر على مثل هذا الحكم الشرعي الإلهي والعمل على منعه والحيلولة دون تحقّقه سيما في هذه الفترة العصيبة يمكن أن يشكّل محذوراً شرعياً في بعض الأحيان من حيث إفضائه إلى خلق اختناقات غير مقدور على تفادي تأثيراتها السلبية، ونحن وإن لم يكن مصبّ حديثنا هنا هو هذا الموضوع إلا أن الترويج لثقافة متوازنة لهذا النوع من الزواج يمكنه أن يقضي على الاضطرابات العاطفية التي يمرّ بها الشباب عادةً، ونشر ثقافةٍ متوازنةٍ لهذا الحكم الشرعي أمرٌ يبدو مقدوراً في المجتمعات الغربية بشكلٍ أكبر منه في داخل مجتمعاتنا الإسلامية، خصوصاً وأن المرحلة السابقة لمجتمعاتنا الإسلامية لم تكن تشهد هذا الفارق الكبير ما بين سنّ البلوغ والزواج، وهو فارقٌ تعمّق عقب أوضاع اقتصادية معيشية يعرفها الجميع، وهو ما يعني أن إعادة إنتاج متوازنة للزواج تأخذ بعين الاعتبار مشكلات الزواج المبكّر اليوم في بعض الحالات ولدى بعض الشرائح يمكنه أن يساعد على حلّ الكثير من المشكلات. هذه ورقة أوّليّة جدّاً أحببت طرحها علّها تأخذ مجال التفكير في مجتمعاتنا العلميّة الدينية، وربما فيها الكثير من النقص، إ لم تبنَ على الشمولية في المعالجة، لكنّه لا يتمّ إلا بتظافر الجهود وتحريك عجلات النقد البنّاء إن شاء الله تعالى. وأتمنّى من القارئ الكريم أن يأخذ هذه الورقة مادّة للنقد، لأنّنا ما زلنا فقراء في معالجة هذه الموضوعات.

الكاتب: حيدر حب الله