ya-saheb-az-zman2

أسباب غيبة الإمام المهدي(ع)

إنّ ظهوره(عليه السلام) بين الناس يترتّب عليه من الفائدة ما لا يترتّب عليه في زمن الغيبة، فلماذا غاب(عليه السلام) عن الناس حتى حُرموا من الاستفادة من وجوده؟ وما هي المصلحة التي أخفته عن أعين الناس؟

إنّ أسباب غيبته(عليه السلام) واضحة لمن أمعن في ما ورد حولها من الروايات.

فالإمام المهدي(عليه السلام) هو آخر الأئمّة الإثني عشر(عليهم السلام) الذين أناط رسول الله(صلى الله عليه وآله) عزّة الإسلام بهم.

ومن المعلوم أنّ الحكومات الإسلامية لم تُقدّرهم حقّ قدرهم، بل كانت لهم بالمرصاد، تُلقيهم في السجون، وتُريق دماءهم الطاهرة بالسيف أو السم.

فلو كان ظاهراً لأقدموا على قتله إطفاءً لنوره(عليه السلام)، فلأجل ذلك اقتضت المصلحة الإلهية أن يكون مستوراً عن أعين الناس، يراهم ويرونه ولكن لا يعرفونه، إلى أن تقتضي مشيئة الله عزّ وجل ظهوره، بعد حصول استعداد خاص في العالم لقبوله، والانطواء تحت لواء طاعته، حتّى يحقّق الله تعالى به ما وعد به الأُمم جمعاء، من توريث الأرض للمستضعفين.

وقد ذكر الأعلام بعض الأسباب التي حتّمت غيابه(عليه السلام):

۱ـ الخوف عليه(عليه السلام) من حكّام العباسيين:

لقد أمعن العباسيون منذ حكمهم وتولّيهم لزمام السلطة في ظلم العلويين وإرهاقهم، فصبّوا عليهم وابلاً من العذاب الأليم، وقتلوهم تحت كلّ حجرٍ ومدرٍ، ولم يرعوا أيّة حرمة لرسول الله(صلى الله عليه وآله) في عترته وبنيه، ففرض الإقامة الجبرية على الإمام علي الهادي، ونجله الإمام الحسن العسكري(عليهما السلام) في سامراء، وإحاطتهما بقوى مكثّفة من الأمن ـ رجالاً ونساءً ـ هي لأجل التعرّف على ولادة الإمام المهدي(عليه السلام) لإلقاء القبض عليه، وتصفيته جسدياً، فقد أرعبتهم وملأت قلوبهم فزعاً ما تواترت به الأخبار عن النبي(صلى الله عليه وآله)، وعن أوصيائه الأئمّة الطاهرين: أنّ الإمام المهدي هو آخر خلفاء رسول الله(صلى الله عليه وآله)، وأنّه هو الذي يُقيم العدل، وينشر الحق، ويشيع الأمن والرخاء بين الناس، وهو الذي يقضي على جميع أنواع الظلم، ويزيل حكم الظالمين، فلذا فرضوا الرقابة على أبيه وجدّه، وبعد وفاة أبيه الحسن العسكري أحاطوا بدار الإمام(عليه السلام)، وألقوا القبض على بعض نساء الإمام اللاتي يُظنّ أو يشتبه في حملهن.

فقد يكون هذا هو السبب الرئيسي في اختفاء الإمام(عليه السلام)، وعدم ظهوره للناس، فعن زرارة قال: «سمعت أبا جعفر(عليه السلام) يقول: إنّ للقائم غيبة قبل ظهوره، قلت: ولم؟ فقال(عليه السلام): يخاف، وأومئ بيده إلى بطنه، قال رزارة: يعني القتل»(۱).

وقال الشيخ الطوسي(قدس سره): «لا علّة تمنع من ظهوره(عليه السلام) إلّا خوفه على نفسه من القتل؛ لأنّه لو كان غير ذلك لما ساغ له الاستتار»(۲).

۲ـ الامتحان والاختبار:

وثمّة سبب آخر علّل به غيبة الإمام(عليه السلام)، هو امتحان العباد واختبارهم وتمحيصهم، فقد ورد عن الإمام الصادق(عليه السلام) أنّه قال: «أما والله ليغيبن إمامكم سنيناً من دهركم، ولتُمحصنّ حتّى يُقال: مات، قُتل، هلك، بأيّ واد سلك؟ ولتدمعن عليه عيون المؤمنين، ولتكفأن كما تكفأ السفن في أمواج البحر، فلا ينجو إلّا من أخذ الله ميثاقه، وكتب في قلبه الإيمان، وأيّده بروح منه»(۳).

ولقد جرت سنّة الله تعالى في عباده امتحانهم وابتلاءهم ليجزيهم بأحسن ما كانوا يعملون، قال تعالى: (الَّذِي خَلَقَ المَوْتَ وَالحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً)(۴)، وقال تعالى: (أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ)(۵).

وغيبة الإمام(عليه السلام) من موارد الامتحان، فلا يؤمن بها إلّا مَن خلص إيمانه، وصفت نفسه، وصدّق بما جاء عن رسول الله(صلى الله عليه وآله) والأئمّة الهداة المهديين من حجبه عن الناس، وغيبته مدّة غير محدّدة، أو أنّ ظهوره بيد الله تعالى، وليس لأحدٍ من الخلق رأي في ذلك، وإنّ مثله كمثل الساعة فإنّها آتية لا ريب فيها.

۳ـ الغيبة من أسرار الله تعالى:

وعُلّلت غيبة الإمام(عليه السلام) بأنّها من أسرار الله تعالى، التي لم يطّلع عليها أحد من الخلق، فقد ورد عن النبي(صلى الله عليه وآله) أنّه قال: «إنّما مثله كمثل الساعة، ثقلت في السماوات والأرض، لا تأتيكم إلّا بغتة»(۶).

۴ـ عدم بيعته لظالم:

من الأسباب التي ذُكرت لاختفاء الإمام(عليه السلام) أن لا تكون في عنقه بيعة لظالم، فعن علي بن الحسن بن علي بن فضّال عن أبيه، عن الإمام الرضا(عليه السلام) أنّه قال: «كأنّي بالشيعة عند فقدهم الثالث من ولدي كالنعم يطلبون المرعى فلا يجدونه، قلت له: ولم ذلك يا ابن رسول الله؟ قال(عليه السلام): لأنّ إمامهم يغيب عنهم، فقلت: ولِم ؟ قال: لئلّا يكون في عنقه لأحد بيعة إذا قام بالسيف»(۷).

وقال الإمام المهدي(عليه السلام): «إنّه لم يكن لأحد من آبائي(عليهم السلام) إلّا وقعت في عنقه بيعة لطاغية زمانه، وإنّي أخرج حين أخرج ولا بيعة لأحد من الطواغيت في عنقي»(۸).

هذه بعض الأسباب التي علّلت بها غيبة الإمام المهدي(عليه السلام)، وأكبر الظنّ أنّ الله تعالى قد أخفى ظهور وليّه المصلح العظيم لأسباب أُخرى أيضاً لا نعلمها إلّا بعد ظهوره(عليه السلام).

بالإضافة إلى أنّ عقولنا وأفهامنا قاصرة عن إدراك أسباب غيبته(عليه السلام).

—————————————————–

۱- كمال الدين وتمام النعمة: ۴۸۱ ح۹٫

۲- الغيبة للطوسي: ۳۲۹٫

۳- الكافي ۱/ ۳۳۶ ح۳٫

۴- الملك: ۲٫

۵- العنكبوت: ۲٫

۶- كفاية الأثر: ۱۶۸ و۲۵۰٫

۷- عيون أخبار الرضا ۲/ ۲۴۷ ح۶٫

۸- كمال الدين وتمام النعمة: ۴۸۵ ح۴٫