المتفرقة » المقالات » الأخلاق »

أسباب هزيمتنا الثقافية

مع تطور الزمن والثورة المعلوماتية الهائلة في العالم وتلاقح المفاهيم والثقافات بين الشرق والغرب تخرج الثقافة العربية نتيجة هذه الغربلة بثوب مرقع وملامح مشوهة، وقد نلقي باللائمة على العولمة وتداعياتها السلبية على الشعوب وكأن إرادتنا مسلوبة وقدراتنا عقيمة دون الاعتراف بحقيقة الأمر وهو أن الآخر استطاع أن يخترقك لأن لك استعداد داخلي لاستقباله، لو كنت محصناً واثقاً من نفسك تحمل تقديراً عالياً لقواك الذاتية لقاومت بكل عناد وصلابة وفرضت ثقافتك وصنت هويتك دون أن تتذرع بهذه الأعذار.

قرأت نصاً في كتاب “بروتوكلات حكماء صهيون” يقول “لكي تسيطر على هذه الشعوب ويطلق علينا “الرعاع” ما عليك سوى إشغال شبابها بفكرة الجنس والسيطرة على منابع الثقافة والإعلام ودور النشر والصحف كي تترجم أحلامنا وأهدافنا في بعث روح الانهزامية والبطالة في صفوف الناس”. استوقفتني هذه العبارة وتأملت حقيقة الواقع البائس الذي يترجم حالة الإخفاق والتردي الثقافي بكل صوره، فالثقافة الجادة الرصينة التي تنهض بالأمم وتستحث العقول على الابتكار والإبداع قد تهمشت وضاعت هيبتها بفعل زحف ثقافة جديدة أخرى أسهل للهضم وأثرى للمادة وأسرع في الانتشار ألا هي ثقافة الجنس والجسد. فما سبب خواءنا الثقافي؟

أولاً: غياب قيمة العزة:

اندثار قيمة العزة كقوة ديناميكية وطاقة حرارية تدفع بالشعوب إلى الحراك الحضاري، فالعزة في الفرد والجماعة تدفع دائماً باتجاه تصاعدي نحو الكمال المطلق.. أي تبقى دائماً في حركة دءوب “صراع، عمل، كفاح، ابتكار، اكتشاف، تجديد، إنتاج” كما يقول الله سبحانه “يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحاً فملاقيه”، هو ذلك التألق الجميل الذي يجعلك مختالاً بإنجازاتك تناطح الآخرين بما صنعته يداك من ثقافة وفكر وعلوم.. وعلى العكس تماماً إذا استحوذت الأمة حياة الذل شلت الطاقات وتعطلت الحياة وتوقف التطوير.. تبقى تابعاً، مطأطأ الرأس.. مهزوز الثقة، لأنك مستهلك، متلقي، تقبل بالفتات، الآخرون هم العمالقة وأنت القزم، التابع، الخانع، الذليل.

كل المفكرين على مر التاريخ دعوا إلى هذا المبدأ وناضلوا من أجل أن تبقى الشعوب طليقة الفكر واليدين كي تنتج وتشق لها طريقاً في العالم الكبير.

ثانياً: الثقافة الجنسية وأهم مظاهرها

نحن اليوم نستهلك نفايات الآخرين لا إبداعاتهم وثراءهم العلمي، فجاءت ثقافتنا استهلاكية ذات نمط غربي مادي من أهم مظاهرها الذل والخنوع، تتلقى القذارات من على قارعة الطريق تاركين أعظم ثقافة وأقدس شريعة ولدت العباقرة والأدباء والمفكرين كانوا فيما مضى منارات مضيئة للعالم.

فأولى مظاهر هذه الثقافة الهزيلة:

۱- على مستوى الأدباء والكتاب، حينما يكتب الأديب نصوصاً رخيصة من أجل الشهرة والمال فإنه يقلل من احترامه لذاته ويطعن في كرامته الأدبية، تجارة رخيصة تقذفه في التيار الذي يرفد من بحر آسن، إحدى الأدبيات العربيات للأسف تتخذ العناوين الجنسية لرواياتها سبيلاً للانتشار فحاجة السوق تقتضي العزف على هذا الوتر، نهم الشباب إلى الإثارة والوهم كي ينسى هم البطالة والفقر والفراغ، إطعامه هذه النوعية من القصص تحت مظلة الإبداع أشبه بالأفيون السام يخدره ويهدم قيمه وأخلاقه.

۲- هناك من يسعى للعالمية مؤمناً “بالغاية تبرر الوسيلة” فمن أجل الهدف يضطر إلى مغازلة الناشرين عبر نوعية رديئة من المؤلفات غنية بالإيحاءات الغريزية والتي تتماشى وثقافة الغرب، الاشتهار، المال، عوامل متداخلة تدل على أن الأدمغة المفكرة تحولت إلى أرقام في المصارف يتحكم فيها ذوق ومزاج السوق. ۳- اللغة العربية الهزيلة، تفككت تراكيبها بحجة عجزها عن ملاحقة التطور وتعقيد مصطلحاتها، حتى أن البعض أدخل اللهجة المحلية في القصص واستهان آخرون بقواعد النحو، وشيوع الأخطاء الإملائية عند أساتذة على مستوى عالٍ من العلم، لإحساسنا أنها جدباء، عقيمة، لا تتناسب ومتطلبات العصر الحديث، فاللغة الإنجليزية هي الأقدر على التعامل اليومي والحضاري فهي مفخرة لكل من يلهج بعباراتها.. والسبب النزف الفكري والنزوع إلى الحالة الاستهلاكية. ۴- الثقافة الجنسية لعبت دوراً كبيراً في تحويل المرأة إلى “رمز للإثارة” على الفضائيات واستغلالها كسلعة متاحة للجميع، جارية معروضة في سوق النخاسة، فقد سوّق الإعلام هذه الصورة الرخيصة بين الفتيات والشباب وجعل الملذات الحسية والهموم الجسدية هي الشغل الشاغل للجميع “عروض الأزياء، الفيديو كليب، المذيعات الخليعات، عمليات التجميل” دخلت علينا مفاهيم جديدة عيبت العقل والفكر والوعي وحولت الأنثى إلى دمية مصطنعة، كيان معطل الدماغ، رافض كل شيء جاد، رافض حتى أن يقرأ سطراً واحداً، تحول الإنسان العربي بشكل عام إلى كائن بصري صارت مجرد صور لأجساد، المجلات كلها عرض لأجساد والحديث عن الأجساد.. كلها مخبأة في علبة الجنس التي يمكن أن يشتريها الإنسان بأبخس الأثمان، حتى المثقفين والكتاب وجهوا أقلامهم في سياق هذه الثقافة، الرجل لم يسلم من هذا الفخ إنه المعني أيضاً شغلوه بجسده ليكون جذاباً للمرأة تظهر كل يوم صيحات الفياغرا والعقاقير التي تبيع لهم وهم الشباب والفحولة.. وما شاكل ذلك، الكُتَّاب الجادون حتى اتجهوا إلى هذا الإسفاف، فبدلاً أن يكونوا المشرط الذي يستأصل الآفة، ألقوا بالمشرط في حاوية النفايات وسلموا قيادهم التيار. ۵- مقاهي الانترنت واستقطابها للشباب هم أمل الأمم، وتحول هذه الوسيلة العظيمة على طريقة لترويج ثقافة الجنس من خلال العلاقات والصور الإباحية والمواقع المحرمة، كل الرسائل والأساليب التي تغذي غريزة الإنسان وتشل تفكيره صارت هي المشاعة، هي المتاحة. ۶- هناك أيضاً “النكات الجنسية” التي للأسف تنتشر عبر المسجات وتفشيها بشكل غير لائق في المجتمع وهذا بحد ذاته مؤشر سلبي على انتشار ثقافة الجنس. ۷- أزياء النساء الحديثة تحمل في تصاميمها إيحاءات جنسية مغرية. ۸- البرامج والمهرجانات التي تستقطب مذيعات شابات مائعات والبرامج الترفيهية كلها نصب في هذا الاتجاه أيضاً. إذن هي ثقافة ترفية ومتعة وعزف على وتر الغريزة بإعبتارها أقوى غرائز الإنسان وعندما تستفذ قواك وطاقتك في هذا الساق ستشل كل قواك الفكرية وتتعطل مواهبك ويخبو إبداعك وبالتالي تصبح ذليلاً لشهواتك وعندما تصبح ضعيفاً يستطيع عدوك أن يخترقك بكل سهولة.

والآن نتحدث على بعض الحلول والمقترحات لتفادي هذه السلبيات:

كيف يمكننا مواجهة هذه التحديات؟

بداية يجب أن نقتنع بضرورة تغيير معتقداتنا وأفكارنا الراسخة في عقلنا الباطن من أننا لا نملك أدوات التطور وعوامل التحسين الذاتية، كل شيء يمكن خلقه في أعماقنا عبر الإرادة الصلبة والقناعة الداخلية والتي يفترض أن نزرعها فينا يومياً من أننا “خير أمةٍ أخرجت للناس” تملك كل مقومات القوة والثقافة والتطور والتحضر.

والنهوض يبدأ بالآتي:

۱- الإيحاء النفسي، استفراغ كامل للمشاعر الانسحابية التي أطرتنا بإطار الذل والخنوع والتبعية وتعزيز صور القوة والثقة بالنفس، فما الذي ينقصنا كي نكون الأوائل والأحرار والقمة، والسؤدد، والصدارة، إن الله سبحانه أنعم علينا بالثروات الطبيعية والفكر والحضارة العريقة وقوة بشرية هائلة كفيلة بأن نعيد ترتيب أوراقنا من جديد ورسم خارطتنا الواقعية.

۲- يجب أن نفهم أننا نواجه هجمة شرسة على الصعيد الثقافي والسياسي والعسكري والاقتصادي وأعداءنا كي يسيطرون علينا يميعون ثقافتنا الأصيلة التي تعزز من قيمتنا وكرامتنا فهم يشنون علينا حرباً نفسية عبر وسائل سلمية لا يفطن لها إلا اللبيب الواعي من أجل أن نظل دوماًَ في حاجة ماسة إليهم راضخين ذليلين، يشككون في قدراتنا وعقولنا وأننا لا نستطيع أن نلحق بركب التقدم فنبقى تابعين بروح انهزامية نعيش مشاعر سلبية اتجاه ثقافتنا وأنها عاجزة لغة وفكراً عن تطويرنا فيمارس علينا سياسة الإملاء النفسي كل يوم وعبر الإعلام من أجل أن تتخدر قوانا ونضعف فيظل يسلب هذه الثروات والخيرات ونحن متبلدون كالخشب المسندة. ۳- فسح المجال للعلماء والمفكرين والموهوبين لاستثمار طاقاتهم وتوفير الإمكانات اللازمة لهم في داخل بلدانهم والحيلولة دون هجرة الكفاءات والأدمغة المفكرة. ۴- التركيز على مناهجنا التعليمية وبرامجنا الثقافية والإعلامية في أن تدعو إلى الوحدة الحضارية بعيداً عن فكرة الذاتيات والعنصرية والعرقية والطائفية والتناحرات التي تحدث في واقعنا للأسف في الصحف بين التيار الليبرالي والإسلامي في وقت ينخر فيه أعداءنا وحدتنا ويثبت جذور ثقافة هزيلة تهمشنا وتحولنا إلى عناصر مستهلكة فقط. ۵- تعميق فكرة السلام لأن كل الأديان الإلهية تدعو إلى “الدخول في السلم كافة” والتركيز على نظرة الإسلام للإنسان باعتباره الموجود الذي كرمه الله وصان عزته وجعله خليفة على الأرض. ۶- الكشف عن الأساليب الملتوية التي يريد أعداء الأمة فرضها علينا عبر أذنابه من سماسرة الفن الرخيص والأدب الماجن، فالبرامج والإعلام الذي يسوق هذه النوعية من الثقافة المنحطة إنما ليحول الناس إلى التفكير في شهواتهم وملذاتهم بعيداً عن التفكير الجاد والتقدمي واستبدال القوة الفكرية الإبداعية بلذة حسية طارئة تسلب الشباب طاقتهم الإيجابية وتفتر قواهم فترى في الواقع شبابنا وهو يعاني من الخمول والخمود والإحباط. ۷- الاهتمام بوضع مشروع ثقافي على مستوى الدولة يدعو إلى تفعيل فكرة القراءة كما هو الدول المتقدمة، فمازالت القراءة عند الغرب خبزهم اليومي وهذا المشروع يتصدى له الأساتذة والأدباء والمفكرين الحاديين أصحاب القلم الرصين الذين يستهدفون دوماً رقي البلد. ۸- الالتزام الشديد بثوابتنا الدينية ولغتنا العربية الأصيلة وهويتنا وتراثنا فأمة بلا تاريخ، بلا هوية عرضه لرياح الغرب والشرق تتقاذفها من كل جانب، منزوعة الكرامة تطأها أقدام العابرين من كل حدب وصوب، فالعدو يحترم من يحترم نفسه وذاته، وعندما نتنازل عن هذه القيم يعني عدم احترامنا لذاتنا وتدني تقديرنا لقيمنا كأمة. إذن، عندما نعمق كل هذه المفاهيم تتكون لدينا إرادة صلبة وقوة نفسية وطاقة متجددة لن تستطيع ثقافة الجسد وكل تبعاتها أن تستهلكنا بالكامل أو أن تنتهك كرامتنا، سيتكون لنا ردعاً واقياً يقينا كل محاولات الهجوم وسنعزز موقفنا كقوة عُظمى في العالم. قال الله تعالى: “ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين”. صدق الله العلي العظيم- المنافقون آية

الكاتبة: خولة القزويني