المذهب الشیعي » حول الشیعة »

أصل التشيع

قبض رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سنة 11 ه‍ فاجتمعت الأنصار في سقيفة بني ساعدة وكان للمهاجرين والأنصار يوم السقيفة خطب طويل ومجاذبة في الإمامة ( 1 ) .

فالظاهر أن أول اختلاف حصل بين المسلمين بعد وفاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان حول مسألة الإمامة ومن يتولاها بعد الرسول .

وكان في المدينة في تلك الفترة ثلاث جماعات ، فالأنصار قد أعدوا أنفسهم لها وفكروا بترشيح سعد بن عبادة ، وهم ممن آووا ونصروا وغيرهم حاربوا وخذلوا ، يدل على ذلك قول الحباب بن المنذر في اجتماع السقيفة :

يا معشر الأنصار املكوا عليكم أمركم فإن الناس في فيئكم وفي ظلكم . . . فأنتم أحق بهذا الأمر منهم فإنه بأسيافكم دان لهذا الدين من دان ( 2 ) .

أما المهاجرون فادعوا أن الخلافة لا تصلح إلا في قريش لأنهم عشيرة النبي ويمثلهم أبو بكر وعمر بن الخطاب وأبو عبيدة بن الجراح ، واحتجوا على الأنصار بأن قريشا أولى بمحمد منهم ( 3 ) .

وجماعة بني هاشم وفيهم العباس عم النبي وعلي بن أبي طالب ابن عمه والفضل بن العباس ومعهم الزبير بن العوام فقد ظهرت آراؤهم بعد السقيفة ورأوا أن عليا أحق بالخلافة من غيره وفي ذلك يقول الفضل بن العباس : يا معشر قريش ما حقت لكم الخلافة بالتمويه ونحن أهلها وصاحبنا أولى بها منكم ( 4 ) كما أن عليا يؤكد أن له في هذا الأمر نصيبا لكنه لم يستشر ( 5 ) .

 وتذكر بعض المصادر التاريخية أنه بعد بيعة أبي بكر ، اتفق أبو بكر وعمر بن الخطاب على أن يجعلا للعباس بن عبد المطلب نصيبا في الخلافة ليأمنا جانبه وليتركا عليا بمفرده فكلما العباس في ذلك فرفض لأن هذا الأمر حق لآل الرسول ، وقال لعمر : إن الله بعث محمدا كما وصفت نبيا وللمؤمنين وليا فمن على أمته به حتى قبضه الله إليه واختار له ما عنده فخلى على المسلمين أمورهم ليختاروا لأنفسهم مصيبين الحق لا مائلين بزيغ الهوى فإن كنت برسول الله فحقا أخذت وإن كنت بالمؤمنين فنحن منهم فما تقدمنا في أمرك فرطا ولا حللنا وسطا ولا برحنا سخطا وإن كان هذا الأمر إنما وجب لك بالمؤمنين فما وجب إذ كنا كارهين . . . فأما قلت إنك تجعله لي فإن كان حقا للمؤمنين فليس لك أن تحكم فيه وإن كان لنا فلم نرض ببعضه دون بعض وعلى رسلك فإن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من شجرة نحن أغصانها وأنتم جيرانها ( 6 ) .

ويذكر اليعقوبي إن من تخلف عن البيعة قوم من المهاجرين والأنصار ومالوا مع علي بن أبي طالب منهم العباس بن عبد المطلب والفضل بن العباس والزبير بن العوام وخالد بن سعيد والمقداد بن عمرو وسلمان الفارسي وأبو ذر الغفاري وعمار بن ياسر والبراء بن عازب وأبي بن كعب ( 7 ) .

أما الطبري فيذكر : فقالت الأنصار أو بعض الأنصار لا نبايع إلا عليا ( 8 ) .

 وبضوء الروايات السابقة يتبين أن بعض من امتنع عن البيعة هم أقرباء لعلي ، أما القسم الآخر فقد وقفوا بجانب علي وفضلوه وأهلوه للخلافة يدل على ذلك قول خالد بن سعيد وقد كان غائبا وقت السقيفة فأتى عليا فقال : هلم أبايعك فوالله ما في الناس أحد أولى بمقام محمد منك ( 9 ) .

وقول سلمان حين بويع أبو بكر لو بايعوا عليا لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم ( 10 ) .

ويذكر سليم أن جماعة من المهاجرين والأنصار وعددهم أربعون رجلا أتوا إلى علي بن أبي طالب فبايعوه فطلب منهم أن يصبحوا عند بابه محلقين رؤوسهم عليهم السلاح فما أجاب منهم غير أربعة نفر سلمان وأبو ذر والمقداد والزبير بن العوام ( 11 ) . ويؤكد ذلك اليعقوبي ولا يذكر عدد من اجتمع إلى علي إلا أنه يقول أنه لم يأته منهم غير ثلاثة نفر ( 12 ) .

وهذا دليل على قلة أنصار علي في هذه الفترة .

إلا أن جميع من امتنع عن بيعة أبي بكر بايعه بعد أن بايع علي . وقد كان علي بن أبي طالب في هذه الفترة يشكو قلة الأنصار قال : فسدلت دونها ثوبا وطويت عنها كشحا وطفقت أرتئي بين أن أصول بيد جذاء أو أصبر على طخية عمياء فرأيت أن الصبر على هاتا أحجى . . . ( 13 ) . فهذا رأي علي بن أبي طالب بالخلافة في تلك الفترة .

وفي الفترة التي تلت السقيفة لم نسمع صوتا لعلي بن أبي طالب ولا للذين وقفوا بجانبه لأنهم آثروا العزلة والسكوت كما آثرها علي بن أبي طالب .

ولما طعن عمر بن الخطاب صير الأمر شورى بين ستة نفر من أصحاب الرسول صلى الله عليه وآله وسلم علي بن أبي طالب وعثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف والزبير بن العوام وطلحة بن عبيد الله وسعد بن أبي وقاص ( 14 ) .

ثم طلب عمر منهم إن اجتمع رأي ثلاثة وثلاثة كانوا مع الثلاثة الذين فيهم عبد الرحمن بن عوف إذ كان الثقة في دينه ورأيه المأمون على الاختيار للمسلمين ( 15 ) .

ولما سمع علي بن أبي طالب بهذا الشرط أيقن بضياع الأمر منه لأن سعدا لا يخالف ابن عمه عبد الرحمن نظير عثمان وصهره فأحدهما لا يخالف الآخر ، وأن عليا بن أبي طالب لا ينتفع بكون طلحة والزبير معه ( 16 ) .

ثم طلب عبد الرحمن من علي إذا ولي الخلافة أن يسير بسيرة أبي بكر وعمر وأن لا يحمل بني عبد المطلب على رقاب الناس فامتنع علي وقال علي الاجتهاد .

وبويع عثمان وخرج علي مغضبا فلم يتركوه حتى أخذوا بيعته ( 17 ) .

وقد أيد علي نفس الجماعة التي أيدته وقت السقيفة ومالوا معه وتحاملوا في القول على عثمان .

فروى بعضهم أنه دخل مسجد رسول الله صلى عليه وآله وسلم بعد تولية عثمان فرأى رجلا يقول : واعجبا لقريش ودفعهم هذا الأمر عن أهل بيت نبيهم وفيهم أول المؤمنين وابن عم رسول الله أعلم الناس وأفقههم . . . والله لقد زووها عن الهادي المهتدي الطاهر النقي . . . فقلت من أنت ومن هذا الرجل فقال أنا المقداد وهذا الرجل علي بن أبي طالب فقال فقلت ألا تقوم بهذا الأمر فأعينك عليه فقال يا ابن أخي إن هذا الأمر لا يجزي فيه الرجل والرجلان .

وكان أبو ذر وعبد الله بن مسعود على رأي المقداد أيضا ( 18 ) .

وأستمر أنصار علي على السكوت أيضا في هذه الفترة ثم حدثت في أواخر أيام عثمان أمر كثيرة أنكرها الناس عليه ومنها قضية التصرف ببيت المال فانتقد لذلك من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ( 19 ) .

وكان ممن انتقد عثمان أبو ذر حيث كان يعقد المجالس ويجمع إليه الناس ويحدثهم بفضل علي بن أبي طالب ويقول : وعلي بن أبي طالب وصي محمد ووارث علمه أيتها الأمة المتحيرة بعد نبيها أما لو قدمتم من قدم الله وأخرتم من أخر الله وأقررتم الولاية والوراثة في أهل بيت نبيكم لأكلتم من فوق رؤوسكم ومن تحت أقدامكم (20).

ولما اشتد انتقاد أبي ذر لعثمان وسياسته ، سيره إلى الشام ( 21 ) .

إلا أن أبا ذر استمر في نقد سياسة عثمان وتصرفاته ، فكتب معاوية إلى عثمان إنك قد

أفسدت الشام على نفسك بأبي ذر فاستقدمه إلى المدينة ثم سيره إلى الربذة ( 22 ).

ومنع الناس من تشييعه فلم يشيعه أحد غير علي والحسن والحسين وعبد الله بن جعفر وعمار بن ياسر ( 23 ) .

ولكن الطبري يذكر عن ابن سيرين أن أبا ذر خرج إلى الزبدة من قبل نفسه لما رأى عثمان لا ينزع له وأخرج معاوية أهله من بعده ( 24 ) .

أما عمار بن ياسر فقد تولى الصدقات أيام عثمان ثم حدث خلاف بينه وبين عثمان وأجهر بانتقاد عثمان ، فضرب حتى غشي عليه وكان شيخا كبيرا ، وقيل أن سبب ذلك لأنه أخفى عنه قبر عبد الله بن مسعود إذ كان المتولي عليه والقائم بشأنه ( 25 ) .

وكذلك فعل عمار عندما مات المقداد فقد صلى عليه ودفنه ولم يؤذن عثمان به ، فاشتد غضب عثمان على عمار وقال : ويلي على ابن السوداء أما لقد كنت به عليما ( 26 ) . والمقداد من أنصار علي أيام السقيفة والشورى كما مر .

وقد بلغ عمار حين بويع عثمان قول أبي سفيان في دار عثمان عقيب الوقت الذي بويع فيه عثمان وقد دخل داره ومعه بنو أمية ، قال أبو سفيان : أفيكم أحد من غيركم ؟ – وقد كان عمي – قالوا : لا ، فقال : يا بني أمية تلقفوها تلقف الكرة فوالذي يحلف به أبو سفيان ما زلت أرجوها لكم ولتصيرن إلى صبيانكم وراثة .

ونما هذا القول بين المهاجرين والأنصار فقام عمار في المسجد فقال : يا معشر قريش ، أما إذا صرفتم هذا الأمر عن أهل بيت نبيكم ههنا مرة وههنا مرة فما أنا بآمن من أن ينتزعه الله منكم فيضعه في غيركم كما نزعتموه من أهله ووضعتوه في غير أهله ( 27 ) .

ثم قتل عثمان وبقي الناس ثلاثة أيام بلا امام حتى بويع علي ( 28 ) .

ويذكر الطبري عن جعفر بن عبد الله المحمدي . . . عن محمد بن الحنفية قال :

 كنت مع أبي حين قتل عثمان . . . فأتاه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقالوا ان هذا الرجل قد قتل ولا بد للناس من إمام ولا نجد اليوم أحق بهذا الأمر منك ولا أقدم سابقة ولا أقرب من رسول الله فقال لا تفعلوا فإني أكون وزيرا خيرا من أكون أميرا ، فقالوا لا والله ما نحن بفاعلين حتى نبايعك قال ففي المسجد فإن بيعتي لا تكون خفيا ولا تكون إلا عن رضا المسلمين . . . فلما دخل المسجد دخل المهاجرون والأنصار فبايعوه ، ثم بايعه الناس ( 29 ) .

وقد واجه علي في فترة توليه الخلافة مشاكل عديدة فأول هذه المشاكل ظهور جماعة تطالب بدم عثمان وقتل قتلته ، ويسمي الطبري طائفة منهم مثل حسان بن ثابت وكعب بن مالك ومسلمة بن مخلد . . . ويذكر أنهم كانوا عثمانية ( 30 ) .

وخرج طلحة والزبير على علي مطالبين بدم عثمان ومالت معهم عائشة وكانت من أشد المنكرين على عثمان كما كان طلحة والزبير ، إلا أنها بعد أن سمعت بتولية علي قالت : والله ما أبالي أن تقع هذه على هذه ( 31 ) .

والزبير كان من أنصار علي في الفترة التي سبقت توليه الخلافة لكنه خرج مع طلحة وعائشة أم المؤمنين وقالوا أنهم إنما خرجوا غضبا لعثمان وتوبة مما صنعوا من خذلانه ( 32 ) .

واتفق أمرهم على قتال علي واجتمعوا عند عائشة وقالوا : نسير إلى المدينة ونقاتل عليا فقال بعضهم ليست لكم بأهل المدينة طاقة ، قالوا نسير إلى الشام شيعة لعثمان فنطلب بدمه فقال قائل : هناك معاوية وهو والي الشام والمطاع به ولن تنالوا ما تريدون وهو أولى منكم بما تحاولون ابن عم الرجل ، فقال بعضهم : نسير إلى العراق فلطلحة بالكوفة شيعة وللزبير بالبصرة من يهواه فأجمعوا على المسير إلى البصرة ( 33 ) . فكلمة شيعة هنا يرى بها الأنصار فأطلقت على أنصار عثمان كما أطلقت على أنصار طلحة .

وتلاقى الطرفان وكانت وقعة الجمل . وتذكر المصادر أن عليا أرسل الحسن وعمار إلى أهل الكوفة لدعوتهم إلى أنجاده والنهوض إليه فتداعى إليه عشرة آلاف على راياتهم ويقال اثنا عشر ألفا . ومن القبائل التي وقفت إلى جانب علي ، همدان ، وقضاعة ومذحج وطي وكندة وحضرموت وعليها حجر بن عدي ( 34 ) .

ويذكر البلاذري أن الحسن حينما سار إلى البصرة لدعوة الناس إلى القتال في الجمل خرج إليه شيعته من أهل البصرة من ربيعة وهم ثلاثة آلاف ( 35 ) .

فربيعة شيعة لعلي بن أبي طالب وتعني الشيعة هنا الأنصار . ثم يذكر المسعودي أن همدان من شيعة علي ويقول وشيعته من همدان ( 36 ) .

فالشيعة هنا تعني الأنصار أيضا .

وكان من أنصار علي أيضا حجر بن عدي الكندي وحجر معه كنده وقضاعة وحضرموت ، وهو ممن دعا إلى نصرة علي فيمكن عده من شيعة علي وأنصاره ، وحجر شيخ قبيلته فلا بد ان يتبعه جميع أفراد القبيلة أو قسم منهم .

ويذكر المسعودي الأشراط الخمسين وهم الذين بايعوا عليا على الموت ويدخل عمار بن ياسر ضمنهم ( 37 ) .

وقد شاع في هذه الفترة إطلاق كلمة الوصي على علي وقد جمع ابن أبي الحديد عددا من الأشعار والأراجيز التي تتضمن هذه اللفظة نقلا عن كتاب وقعة الجمل لأبي مخنف منها قول أبي الهيثم بن التيهان :

ان الوصي امامنا وولينا * برح الخفاء وباحت الأسرار

وقول رجل من الأزد :

هذا علي وهو الوصي * آخاه يوم النجوة النبي

وقول غلام من بني ضبة وهو من معسكر عائشة :

نحن بني ضبة أعداء علي * ذاك الذي يعرف قدما بالوصي

وكثير غيرها من الأشعار والأراجيز ( 38 ) ، والتي تدل على أن التسمية كانت تطلق

عليه من قبل أنصاره وأعدائه وسنرى أهمية هذه اللفظة في مدلولها على الإمامة .

وانتهت وقعة الجمل بانتصار علي ومقتل طلحة والزبير وإرجاع عائشة إلى المدينة ( 39 ) .

ونزل علي بن أبي طالب بعد ذلك في الكوفة وكان في الكوفة يومئذ شيعة لعلي .

والظاهر أنهم كانوا قلة يدل لوم علي لهم وعتابه إياهم ، ومن ذلك عتابه لسليمان بن صرد الخزاعي قال : راتبت وتربصت وراوغت وقد كنت من أوثق الناس في نفسي ( 40 ) .

وكذلك عاتب علي أهل الكوفة قال : ما بطأ بكم عني وأنتم أشراف قومكم والله لئن كان من ضعف النية وتقصير البصيرة انكم لبور والله لئن كان من شك في فضلي ومظاهرة علي أنكم لعدو ( 41 ) .

وكثرت المراسلات بين علي ومعاوية واتهام معاوية عليا بقتل عثمان وطلب معاوية بثأره ( 42 ) .

وكانت وقعة صفين وابتدأ الحرب واشتد القتال وقتل عدد من أنصار علي منهم هاشم بن عتبة ، وعمار بن ياسر من أخلص أنصاره وقد كان لمقتل عمار عند الشيعة تأثير كبير لبيان أصحاب الحق من الفريقين المقاتلين لأن النبي قد تنبأ لعمار بقوله : تقتلك الفئة الباغية ( 43 ) .

وكاد النصر يتم لعلي لولا أن دبر أصحاب معاوية مكيدة فرفعوا المصاحف واختلف جيش علي وامتنعوا عن القتال وطلب أصحاب معاوية التحكيم ( 44 ) .

وأصبحت لفظة شيعة علي مقابلة لشيعة معاوية وقد ورد ذلك في صحيفة التحكيم فقد ورد في الصحيفة هذا ما تقاضى عليه علي بن أبي طالب ومعاوية بن أبي سفيان وشيعتهما فيما تراضيا من الحكم بكتاب الله وسنة نبيه قضية علي على أهل العراق ومن كان من شيعته من شاهد أو غائب ، وقضية معاوية على أهل الشام ومن كان من شيعته من شاهد أو غائب ( 45 ) .

فالشيعة هنا تعني الأنصار ، أنصار معاوية وأنصار علي أو جماعة معاوية وجماعة علي .

ويبدو مما مر من الروايات التاريخية ان هناك أشخاصا عرفوا بميلهم إلى علي بن أبي طالب والوقوف معه مثل عمار بن ياسر وأبي ذر والمقداد وسلمان وكان تصرف هؤلاء الأشخاص وسيرتهم دليلا على تفضيلهم عليا على سائر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم .

فقد وقفوا إلى جانبه يوم السقيفة واعتزلوا البيعة ولم يبايعوا حتى بايع علي ( 46 ) .

وكذلك كان حالهم يوم الشورى ( 47 ) .

 ثم نلاحظ أنه في الفترة من وفاة الرسول حتى تولي علي الخلافة ظهور مؤيدين آخرين لعلي مثل ثابت بن قيس الأنصاري ، وخزيمة بن ثابت وصعصعة بن صوحان وعقبة بن عمرو ومالك بن الحارث الأشتر ( 48 ) .

ولكن المصادر التاريخية لا تشير إلى كلمة شيعة إلا في وقعة الجمل شيعته من همدان ( 49 ) .

ثم ترد كلمة شيعة في وقعة صفين في صحيفة التحكيم ( 50 ) .

وترد الشيعة هنا بمعنى الأنصار .

فيمكن بعد هذا أن نعد هؤلاء الأشخاص البدايات أو البذرة الأولى للتشيع وأن هؤلاء الأشخاص قد أيدوا عليا في إثبات حقه بالإمامة ، ففكرة التشيع إذن أول ما بدأت بأشخاص اعتقدوا إمامة علي بن أبي طالب بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم .

ولننظر الآن إلى آراء بعض المؤرخين والباحثين حول بداية التشيع ، فالمقدسي يقول : اعلم أن الشيعة أتوا في حياة علي ثلاث فرق ، فرقة على جملة أمرها في الاختصاص به والموالاة له مثل عمار وسلمان والمقداد وجابر وأبي ذر وعبد الله بن عباس وعبد الله بن عمر وجرير بن عبد الله البجلي ودحية بن خليفة ( 51 ) .

والفرقة الثانية تغلو في عثمان وتميل إلى الشيخين مثل عمرو بن الحمق ومحمد بن أبي بكر ومالك الأشتر ( 52 ) .

والفرقة الثالثة السبأية أتباع عبد الله بن سبأ ( 53 ) .

فالمقدسي يذكر وجود فئات مختلفة من الشيعة زمن علي كما يذكر النوبختي ( 54 ) . ويبدو من كلام المقدسي أن التعبير استعمل بوضوح في خلافة الإمام علي .

أما ابن النديم فيرى أن الشيعة تكونت لما خالف طلحة والزبير عليا وأبيا إلا الطلب بدم عثمان وقصدهما علي ليقاتلهما حتى يفيا إلى أمر الله تسمى من اتبعه على ذلك الشيعة فكان يقول شيعتي وسماهم طبقة الأصفياء ، طبقة الأولياء ، طبقة شرطة الخميس ، طبقة الأصحاب ، ويفسر معنى شرطة الخميس ، أن عليا قال لهذه الطائفة تشرطوا فإنما أشارطكم على الجنة ولست أشارطكم على ذهب ولا فضة ( 55 ) .

فابن النديم لا يذكر البداية وإنما يذكر ظهور الشيعة كجماعة أو كتلة على مسرح الأحداث السياسة .

أما ابن حزم فيذكر أن التشيع لعلي بدأ بمقتل عثمان حيث يقول : ثم ولي عثمان وبقي اثنا عشر عاما حتى مات وبموته حصل الاختلاف وابتدأ أمر الروافض ( 56 ) .

ويلاحظ أن ابن حزم يستعمل كلمة رافضة عموما على الشيعة كما يستعملها في فترة سابقة لأوانها كما سنرى بعد ذلك .

وممن ذهب مذهب ابن حزم في ذلك الحنفي قال : إن افتراق الأمة لم يكن في أيام أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وإنما بعد مقتل عثمان ظهرت الرافضة ( 57 ) .

أما ابن خلدون فيرى أن الشيعة ظهرت لما توفي الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وكان أهل البيت يرون أنفسهم أحق بالأمر وأن الخلافة لرجالهم دون سواهم من قريش ( 58 ) .

فابن خلدون يرى أن البداية كانت بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ، ثم يرى

أن الشيعة وضح أمرها في أيام الشورى حيث يقول كان جماعة من الصحابة يتشيعون لعلي ويرون استحقاقه على غيره ولما عدل به إلى سواه تأففوا من ذلك وأسفوا له مثل الزبير وعمار بن ياسر والمقداد بت الأسود وغيرهم ، إلا أن القوم لرسوخ قدمهم في الدين وحرصهم على الإلفة لم يزيدوا في ذلك على النجوى بالتأفف والأسف ( 59 ) .

ويرى فإن فوتن : إن الشيعة تفرعت من ذلك الحزب السياسي الذي قضى عليه الأمويون بحروراء ، ثم انتشرت وقامت بحركة دينية واسعة النطاق ضمت إليها جميع العناصر الإسلامية المعادية للأمويين وللعرب جميعا (60).

ومن ملاحظة هذا الرأي يبدو لنا أن الجماعة التي خرجت بحروراء لم تكن من الشيعة وإنما من الخوارج بعد ان فارقوا عليا وذهبوا إلى قرية يقال لها حروراء ( 61) .

ثم أنهم خرجوا أيام علي بن أبي طالب وقاتلهم في وقعة النهروان سنة 39 ه‍ ( 62) .

كما أن ظهور الشيعة كان سابقا لهذه الفترة إذا رجعنا إلى التطورات السابقة كما تدل على ذلك الروايات التاريخية .

وأن الشيعة حينما ظهرت كانت حزبا عربيا قام حول إمامة علي بن أبي طالب ومخالفة ومعاداة من أنكر خلافته لأنه الخليفة بأمر الرسول كما ترى الشيعة .

ولكن يبدو أن فان فلوتن يخلط بين الشيعة العلوية وبين الغلاة الذين استظلوا بالراية .

أما فلهاوزن فيذكر ظهور الشيعة كحزب فيرى أنه كان ظهر بمقتل عثمان وانقسام الإسلام إلى حزبين حزب علي وحزب معاوية ، والحزب يطلق عليه في العربية أيضا اسم الشيعة ، فكانت شيعة علي مقابل شيعة معاوية ( 63 ) .

أما الدوري فيرى أن تكون الحزب العلوي أو الشيعة العلوية كان بعد مقتل عثمان ، فالانقسام بين المسلمين أدى إلى ظهور شيعة عثمان مقابل شيعة علي ، كما أن مقتل علي أعطى مؤيديه وشيعته أول رابطة قوية وبلور اتجاههم وكون الحزب العلوي ( 64 ) .

وفي هذه الفترة أصبح العراق يدين بالولاء لعلي ، وكان أكثر أهله أنصارا له ، ولكن يبدو أنهم لم يكونوا شيعة حقا ويظهر هذا من كلام علي وكثرة لومه وعتابه لأهل الكوفة والعراق ( 65 ) .

ويعلل الدوري سبب هذا فيقول : إن ذكرى حكمه ربطت قضية العراق بالقضية العلوية فقد جعلت الكثيرين من أهل العراق يؤيدون بيته دون أن يكونوا شيعة حقا لأنه يمثل بنظرهم زعامة العراق بين الأمصار ( 66 ) .

أما المصادر الإمامية فتذكر ان ظهور الشيعة كان على عهد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ، ويوضح سعد القمي بداية الشيعة فيقول : فأول الفرق الشيعة وهي فرقة علي بن أبي طالب المسمون شيعة علي في زمان النبي وبعده ، معروفون بانقطاعهم إليه والقول بإمامته ( 67 ) .

ويرى أن أول الشيعة هم المقداد بن الأسود وعمار بن ياسر وأبو ذر وسلمان وهم أول من سموا باسم التشيع من هذه الأمة ( 68 ) .

أما الرازي فيوضح مفهوم كلمة شيعة حيث يقول إن اللفظة اختصت بجماعة ألفوا علي في حياة الرسول وعرفوا به مثل سلمان الفارسي وأبي ذر والمقداد بن الأسود وعمار بن ياسر . . . ( 69 ) .

وكان يقال لهم شيعة علي وأنصار علي ، وفيهم قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم اشتاقت الجنة إلى أربعة سلمان وأبي ذر والمقداد وعمار ( 70 ) .

وترد في بعض التفاسير الإمامية كلمة شيعة في زمن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم فيذكر فرات في تفسيره سورة الفاتحة قال ، قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين هم شيعة علي الذين أنعمت عليهم بولاية علي بن أبي طالب لم تغضب عليهم ولم يضلوا ( 71 ) .

كما يورد الشيخ الصدوق عدة أحاديث يذكر فيها أن الشيعة كانت على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حيث أن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم دعا لهم وبشرهم بالجنة ( 72 ) .

وبهذا تدلل المصادر الإمامية ان التشيع لعلي بدأ منذ زمن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وكان الرسول صلى الله عليه وآله وسلم من أول المنوهين بفكرة التشيع والمغذين إياها بأوامره المطاعة ( 73 ) .

وترى الشيعة ان الرسول حينما حج حجة الوداع دعا الناس إلى موالاة علي وقال : من كنت مولاه فهذا علي مولاه اللهم وال من والاه وعاد من عاداه . . . ( 74 ) .

وتفسر المصادر الإمامية حديث من كنت مولاه فكلمة مولى تعني أن يكون أولي بهم من أنفسهم لا أمر لهم معه ولما كان معنى الموالاة الطاعة والمتابعة فلذلك كل من حضر الغدير تعتبرهم الإمامية شيعة لعلي ( 75 ) .

وهكذا تستدل الإمامية على أن التشيع لعلي بدأ منذ زمن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم .

ـــــــــــــــــــــــــ

( 1 ) المسعودي : مروج الذهب ج 2 ص 425 .

( 2 ) المسعودي : مروج الذهب ج 2 ص 425 . وآية التطهير قوله تعالى : ( إنما يريد الله أن يذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا ) .

( 3 ) الدينوري : الأخبار الطوال ص 216 .

( 4 ) البلاذري : أنساب الأشراف ج 3 الورقة 3 آ .

( 5 ) اليعقوبي : التاريخ ج 2 ص 191 .

( 6 ) الدوري : العصر العباسي الأول ص 15 .

( 7 ) البلاذري : أنساب الأشراف ج 3 الورقة 3 ب .

( 8 ) الطبري ج 5 ص 569 .

( 9 ) الدينوري : الأخبار الطوال ص 217 .

( 10 ) اليعقوبي : التاريخ ج 2 ص 192 .

( 11 ) الدينوري : الأخبار الطوال ص 218 .

( 12 ) البلاذري : أنساب الأشراف ج 3 الورقة 4 آ .

( 13 ) الطبري : تاريخ الرسل والملوك ج 5 ص 160 .

( 14 ) المقدسي : البدء والتاريخ ج 5 ص 236 .

( 15 ) المسعودي : مروج الذهب ج 3 ص 9 .

( 16 ) الدينوري : الأخبار الطوال ص 220 .

( 17 ) ابن قتيبة : الإمامة والسياسة ج 1 ص 171 .

( 18 ) ن . م ج 1 ص 171 – 172 .

( 19 ) الدينوري : الأخبار الطوال ص 221 .

( 20 ) ن . م ص 221 ، ابن قتيبة : الإمامية والسياسة ج 1 ص 173 .

( 21 ) البلاذري : أنساب الأشراف ج 3 الورقة 5 آ وذكر ذلك أيضا اليعقوبي ج 2 ص 200 .

( 22 ) أبو مخنف ( ت 170 ه‍ ) : مقتل الحسين ص 6 ، الدينوري : الأخبار الطوال 203 ، اليعقوبي ج 2 ص 203 .

( 23 ) اليعقوبي : ج 2 ص 203 .

( 24 ) الطبري : تاريخ الرسل والملوك ج 5 ص 224 .

( 25 ) اليعقوبي : التاريخ ج 2 ص 205 .

( 26 ) ابن أبي الحديد : شرح النهج ج 3 ص 15 .

( 27 ) اخبار العباس : مؤلف مجهول الورقة 14 آ ويذكر ذلك نقلا عن سليم بن قيس .

( 28 ) اليعقوبي : التاريخ ج 2 ص 204 – 205 .

( 29 ) الطبري : تاريخ الرسل والملوك ج 5 ص 279 .

( 30 ) ابن عبد ربه : العقد الفريد ج 2 ص 108 .

( 31 ) اليعقوبي : التاريخ ج 2 ص 205 ، الطبري : ج 5 ص 253 – 270 .

( 32 ) الطبري : تاريخ الرسل والملوك ج 5 ص 272 .

( 33 ) البلاذري : أنساب الأشراف ج 2 الورقة 65 ب .

( 34 ) اليعقوبي : التاريخ ج 2 ص 205 .

( 35 ) اليعقوبي : ج 2 ص 206 .

( 36 ) ن . م ج 2 ص 215 .

( 37 ) اليعقوبي ج 2 ص 215 .

( 38 ) الدينوري : الأخبار الطوال ص 229 .

( 39 ) أبو مخنف : مقتل الحسين ص 14 .

( 40 ) اليعقوبي : التاريخ ج 2 ص 192 .

( 41 ) أبو مخنف : مقتل الحسين ص 14 .

( 42 ) أبو مخنف : مقتل الحسين ص 28 – 29 ، وانظر الخوارزمي : مقتل الحسين

ج 1 ص 200 .

( 43 ) البلاذري : أنساب الأشراف ج 3 الورقة 20 آ .

( 44) اليعقوبي : التاريخ ج 2 ص 216 .

( 46 ) أبو مخنف : مقتل الحسين ص 61 – 62 .

( 47 ) الدوري : مقدمة في صدر الإسلام ص 61 .

( 48 ) كتاب اللهوف في قتلى الطفوف : ابن طاووس ( ت 664 ه‍ ) ، كتاب مثير الأحزان : ابن نما الحلي ( ت 654 ه‍ ) وكتاب مقتل الحسين للخوارزمي ( ت 568 ه‍ ) وكتاب عين العبرة في غبن العترة : جمال آل طاووس .

( 49 ) الشيبي : الصلة بين التشيع والتصوف ج 1 ص 17 .

( 50 ) الشيخ المفيد : أوائل المقالات ص 3 .

( 51 ) البلاذري : أنساب الأشراف ج 5 ص 204 – 206 والرواية عن أبي مخنف

وذكر ذلك أيضا الطبري ج 5 ص 552 مع اختلاف بسيط في الألفاظ .

( 52 ) ن . م ج 5 ص 206 .

( 53 ) ن . م ج 5 ص 206 .

( 54 ) الطبري : تاريخ الرسل والملوك ج 5 ص 558 .

( 55 ) البلاذري : أنساب الأشراف ج 5 ص 207 – 208 ، الطبري ج 5 ص 560 .

( 56 ) ن . م ج 5 ص 210 .

( 57 ) الطبري : تاريخ الرسل والملوك ج 5 ص 558 .

( 58 ) البلاذري : أنساب الأشراف ج 5 ص 214 .

( 59 ) ن . م ج 5 ص 218 ، الطبري ج 5 ص 580 .

( 60 ) الدينوري : الأخبار الطوال ص 307 .

( 61 ) ن . م ص 288 .

( 62 ) البلاذري : أنساب الأشراف ج 5 ص 207 – 208 الطبري ج 5 ص 560 .

( 63 ) البلاذري : أنساب الأشراف ج 5 ص 218 .

( 64 ) الأشعري القمي : المقالات والفرق ص 25 ، النوبختي ص 23 .

( 65 ) الأشعري القمي : المقالات والفرق ص 24 .

( 66 ) المسعودي : مروج الذهب ج 3 ص 83 – 84 .

( 67 ) ابن سعد : الطبقات ج 5 ص 72 .

( 68 ) الدينوري : الأخبار الطوال ص 221 .

( 69 ) ن . م ص 293 .

( 70 ) ن . م ص 293 .

( 71 ) نسبة إلى المختار بن أبي عبيد الثقفي لأن اسمه كيسان ويكنى أبا عمره ويرى

الدينوري أن أبا عمره صاحب شرطة المختار الدينوري ، ص 289 ويذكر الأشعري القمي في المقالات والفرق : أن كيسان غير المختار وأنه مولى لعلي بن أبي طالب ، ( ص 21 ) وانظر : W . Montgomery watt . Shiism under the Umayyads . Journal of the Royal Asiatic Society Part . 1 London 2 1960 . P . 158 168

( 72 ) الأصبهاني : حلية الأولياء ج 3 ص 136 ، وانظر الصحيفة السجادية لعلي

بن الحسين فإنها أصدق دليل على زهده وورعه .

( 73 ) يروى أن رجلا يقال أنه جد الأصمعي وقف للحجاج فقال : أيها الأمير إن

أهلي عفوني فسموني عليا وإني فقير بائس وأنا إلى صلة الأمير محتاج فتضاحك له

الحجاج وولاه عملا .

( 74 ) اليعقوبي : التاريخ ج 2 ص 47 .

( 75 ) اليعقوبي ج 3 ص 48 .

المصدر: نشأة الشيعة الإمامية / نبيلة عبد المنعم داود