ألا تتنافی قصة السیدة زینب التي ضربت رأسها بخشبة المحمل مع کلمتها: ما رأیت إلا جمیلاً

السؤال

کیف توجّهون هذه القصة و هی أن السیدة زینب(ع) ضربت رأسها بخشبة المحمل؟ ألا تتنافی هذه القصة مع کلمتها “ما رأیت الا جمیلاً”؟

الجواب الإجمالي

أولاً: لم تثبت قضیة ضرب رأسها بشکل قطعی، و ثانیاً: لا تنافی بین هاتین القضیّتین لأن واقعة کربلاء کان لها جهتان إحداهما جهة الألم و المصیبة و هی الجریمة التی حصلت من قبل الفاسقین و کانت نتیجتها حرمان البشریة من القیادة الإلهیة، و الجهة الاخری تضحیة أولیاء الله فی طریق دین الله و محبة الله، و الالطاف و العنایة الإلهیة الخاصة بهم و من ناحیة اخری الآثار العظیمة الخالدة لتلك الثورة فی إحیاء الدین الإلهی و ایقاظ الامة من الغفلة و عرض النموذج الثوری فی مواجهة ظلم و الحاد الجائرین و کل ذلک جمیل یستحق الافتخار به و لذلک قالت “ما رأیت الا جمیلاً”.

الجواب التفصيلي

أولاً نقل أنه “حینما أدخلوا رؤوس الشهداء و فی مقدمها رأس أبی عبد الله (ع) الکوفة فالتفتت زینب (ع) فرأت رأس أخیها فضربت جبینها بمقدم المحمل حتی رأینا الدم یخرج من تحت قناعها” یقول الشیخ المرحوم عباس القمی فی هذا الشأن “و هذا الخبر و إن نقله العلامة المجلسی لکن مستنده هو کتاب منتخب الطریحی و کتاب نور العین و لا یخفی علی أهل الخبرة و الفن فی علم الحدیث حال الکتابین المذکورین”.[1]

و بناء علی هذا فنلاحظ أن أصل هذه الروایة قابل للمناقشة و لم یثبت بشکل قطعی و لکن بغضّ النظر عن هذه الروایة فإن مجرد إظهار الحزن بأشکال اخری مثل البکاء و العزاء فی مأتم أبی عبد الله(ع) له توجیه معقول فی قبال عبارة السیدة زینب(ع) “ما رأیت الّا جمیلاً”، و هو أن کربلاء عملة لها وجهان أحدهما الألم و المصیبة من قبل البشر الجاهل و الوجه الآخر الرحمة من قبل الحکیم الرحیم، أحدهما کان هو الدم و السیف و النار و القتل و السلب و هذا کان هو الظاهر المرئی و الذی حصل من قبل یزید و الیزیدییّن، و اما الوجه الآخر الذی یلزم لإدراکه البصیرة و دقة النظر فهو التقرّب الی الذات الإلهیة القدسیّة و عرض الدروس و جمالیات المدرسة الإلهیة و المتخرّجین من مدرسة الإسلام و التضحیة فی سبیل إحیاء هذا الدین، و العنایة الإلهیة الخاصة بسبب هذه التضحیة و الإیثار فی طریق الهدف الإلهی المقدّس هو الهدف الذی أراده الله من خلق الإنسان و هدایته، و أن هذا الهدف و هذه الهدایة یجب أن تبقی الی یوم القیامة، لکي تنشأ البشریة فی ظلّها نشأة سماویة، ذلك الوجه المستند الی الله و هو العنایة الإلهیة و کل ما فیها جمیل، و السیدة زینب(ع) حینما تحدّثت عن الجمال فإنما رأت هذا الوجه و نظرت الی هذه الجهة، و لهذا السبب فإنه کان کلّما اشتدّت ضراوة الحرب کان الإمام الحسین(ع) و بعض أنصاره وجوههم أکثر تلألؤاً و إشراقاً و قلوبهم أشد سکینة و طمأنینة.[2]

نعم المصیبة هی أن تجهل البشریة قدر مثل هؤلاء الهداة الإلهیین و الشخصیات الإنسانیة العظیمة و تتعاملهم بمنتهی الخسة و الدناءة و تحرم الإنسانیة من وجوههم.

إن الشعور بهذه المصیبة یحزن القلوب و یبکي العیون و یثیر العواطف الإنسانیة و یقیم العزاء و کما یقول الاستاذ الشهید المطهری “النبی هو الإنسان الکامل، الحسین هو الإنسان الکامل، الزهراء هی الإنسان الکامل أی أن فیهم الصفات الإنسانیة بکمال رفیع فوق مستوی الملك، أي إنهم یجوعون کما یجوع الناس و یأکلون الطعام، و یعطشون و یشربون الماء و یحتاجون الی النوم و یحبّون أطفالهم و لهم غریزة جنسیة، و لهذا یمکن أن یکونوا قدوة، و لو لا ذلك لم یکونوا ائمة و اسوة، و هم فی عواطفهم و جنباتهم البشریة أقوی منّا و فی الوقت نفسه هم أرفع من الملائکة و من جبرئیل الأمین فی الجنبات الإنسانیة و لهذا یمکن الإمام الحسین أن یکون اسوة، لأن فیه جمیع الصفات البشریة، فهو حینما یتقدّم إلیه ولده الشاب الرشید و یطلب منه الإذن فی البراز فإنه یتألّم و یعتصر قلبه … فالعاطفة هی من الکمالات البشریة، و لکنه یتجاوز کل ذلک فی قبال رضا الله.[3]

أی أنه مع وجود کل هذه العواطف لا یصدر منه فی هذه المصائب و الآلام کلام أو سلوک علی خلاف الرضا الإلهی و ما یوجب غضب الله و سخطه أبداً.

و بناء علی هذا فاختلاف هؤلاء عن الآخرین هو فی أن آلامهم و أحزانهم تکون لأجل الله و فی سبیل الله و لا یترکون طریق الله بسبب الآلام بل یستقیمون علی هذا الطریق الی آخر نفس، و من هنا یستحقّون العنایة الإلهیة و ترتوی بها نفوسهم و تلتذ بها فطرتهم التوحیدیة و یسعدون و هذه هی جنبة الجمال فی الواقعة.

و لکن ابن زیاد بخطبته الجهلاء نسب جریمته و عمله الذمیم الی الله و کان هدفه أن یظهر جرائمه بمظهر الحق و یهین مقام الإمام(ع) و أنصاره، حیث أفهمته السیدة زینب الکبری(ع) بأن الله لا یصدر منه القبیح و أن کل ما یصدر عن الله فهو جمیل و نحن لم نر الا الجمیل، و أن ما کان قبیحاً فهو قد صدر منك و من أمثالك و لیس من الله، فأنت أردت أن تؤذیننا و تؤلمنا و تهیننا و تقضی علینا، و نحن قد تألّمنا و أصبنا، و لکنا و بوسیلة الصبر و الإستقامة فی مقابل ذلک قد نلنا العنایة الإلهیة و حصلنا علی الشهادة و العزّة و العظمة و حفظ دین النبی و أهل بیته، و بقی حیاً، و فی مقابل ذلک سیکون نصیبک الذل و الخسران.[4]

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1- القمي، الشیخ عباس، منتهی الآمال، ج1، ص 753، الطبعة السابعة، مؤسسة منشورات الهجرة، قم 1372 ش.

2- لاحظ: المجلسی، بحارالانوار، ج 44، ص 297، باب 35؛ ج 6، ص154، باب 6، مؤسسة الوفاء، بیروت، لبنان، 1404 ق.

3- المطهري، مرتضي، المقتل المطّهر، المقالة 36، ص180، الطبعة الرابعة، منشورات الزمان، تدوین و تحقیق: جعفرصالحان، طهران، 1382 ش.

4- (کیف رأیت صنع الله بأخیک …) المجلسی، محمد باقر، بحارالانوار، ج 45، ص 115، باب 39، مؤسسة الوفاء، بیروت، لبنان، 1404 ق.