أم أبيها

فضلها

ورد في صحيح البخاري: فاطمة بَضعة مني، فمن أغضبها أغضبني (النبي الاعظم{ص}) في صحيح مسلم: قال رسول الله (ص): فإنما ابنتي بَضْعة مني يريبني ما رابها ويؤذيني ما آذاها. وبلفظ آخر: انما فاطمة بضعة مني يؤذيني ما آذاها.

واستقبل عمر بن عبد العزيز في يوم من ايام خلافته (صفر ۹۹هـ ـ رجب ۱۰۱هـ) عبد الله بن الحسن المثنى فاحسن استقباله وبالغ في ملاطفته وهو شاب حدث السن وبعد انصرافه ظهر الامتعاض جلياً على من كان حاضراً من آل مروان فقال لهم عمر: الثقة حدثني حتى كأني اسمعه من في رسول الله(ص) قال: انما فاطمة بضعة مني يسرني ما يسرّها.

ثم اضاف، إنه ليس احد من بني هاشم الاّ وله شفاعة فرجوت ان اكون في شفاعة هذا (رواه ابو الفرج الاصفهاني في الاغاني) ورواها جمع آخر من محدثي العامة اضافة الى اتفاق الشيعة فيها عن الائمة المعصومين وكما في صحيح الترمذي وسنن النسائي وابن حجر العسقلاني في الاصابة في تمييز الصحابة وآخرون غيرهم ـ نصا أو مضمونا ـ ولكثرتها عدت من الروايات المتواترة ولو بالمعنى، اي ان رسول الله(ص) قد نَوّهَ بقدر فاطمة واشاد بعلو شأنها وسمو منزلتها، فقد رووا عن عائشة انها قالت: ان فاطمة(ع) كانت اذا دخلت على رسول الله(ص) قام لها من مجلسه وقبّل رأسها واجلسها مجلسه.

ورووا عن عبد الرحمن بن عوف قال: سمعت رسول الله يقول: انا الشجرة وفاطمة فرعها وعليٌّ لقاحها والحسن والحسين ثمرها ـ الحديث ـ ورووا عن الامام الصادق(ع) كما في تفسير علي بن ابراهيم قال ابو عبد الله(ع): بلغنا عن آبائنا انهم قالوا: كان رسول الله(ص) يكثر تقبيل فم فاطمة الى ان قالت عائشة: ـ اراك كثيرا ما تقبل فم فاطمة وتدخل لسانك في فيها؟ قال نعم يا عائشة! انه لما اُسري بي الى السماء ادخلني جبرئيل الجنة فادناني من شجرة طوبى وناولني من ثمارها تفاحة.. فلما هبطت واقعت خديجة فحملت بفاطمة فكلما اشتقت الى الجنة قبّلتها.. فاجد ريح الجنة.. الحديث.

كما روت العامة عن عائشة قالت:ـ ما رأيت رجلاً احبَّ الى رسول الله من علي ولا امرأةً احبَّ الى رسول الله من فاطمة.

ومما روي من الآيات الدالة على محلها من الله عز وجل ما رواه الخاص والعام عن ميمونة (زوجة النبي) انها قالت: وجدت فاطمة نائمة والرّحى مدوَّرة فاخبرت رسول الله بذلك، فقال: ان الله عَلِمَ ضعفَ أمتةِ فأوحى الى الرحى أن تدور فدارت ورورى ابو عمر بن ثعلبة قال: كان رسول الله(ص) اذا قدم من غزاة او سفر بدأ بالمسجد فصلى فيه ركعتين ثم اتى فاطمة رضي الله تعالى عنها ثم اتى ازواجه. وروى احمد والبيهقي عن ثوبان (مولى رسول الله) قال: كان رسول الله(ص) اذا سافر آخر عهده اتيان فاطمة واول من يدخل له(ص) اذا قدم، فاطمة.

وما هذا الاّ غيضٌ من فيض من فضل الزهراء عليها صلوات ربي وسلامه.

ولادتها:

اختلفت روايات مولد سيدة النساء فاغلب الروايات السنية تؤكد انها ولدت قبل البعثة بخمس سنوات إبّان حادثة السيل الكبير الذي جرف عامة بيوت مكة المكرمة واضرَّ كثيرا بالكعبة المشرفة فاعادت قريش بناءها وكان الذي وضع الحجر الاسود في مكانه هو (الصادق الأمين) فاستبشر والد البتول كثيرا بمولدها وكما تقول السيدة بنت الشاطئ متحدثةً عن بنات النبي: انهما (محمد وخديجة) احتفلا بمولدها احتفالاً لم تألفه مكة (ولم تعهد) مثله لا سيما وانها (اي الزهراء) بنتٌ سبقتها ثلاث اخوات ليس معهنّ ذكر.

اما الروايات الشيعية فتختلف عن الروايات السنية بل وحتى فيما بينها، فرواية الشيخ الطوسي تجعلها بعد البعثة بسنتين وله رواية اخرى تجعلها بعد البعثة بخمس سنين، وهي قريبة من رواية الكافي للكليني. وصاحب كشف الغمة يقول: ولدت بعد النبوة بخمس سنين وقريش تبنى الكعبة. وهناك من يجعل ولادتها بعد البعثة بسنة.
وفي كتاب ((اهل البيت)) للاستاذ توفيق ابو علم: ان للسيدة فاطمة تسعة اسماء، منها فاطمة والصدّيقة والمباركة والطاهرة والزكية والمحدّثة والزهراء (والراضية والمرضية) وقد كان يطلق عليها “أم النبي”، لانها كانت وحدها في بيته بعد موت امها تتولى رعايته والسهر عليه. فنشأت الزكية في كَنَفِ ابوين عظيمين وترى على صغر سنها ـ تحمُّل ابويها لامر الرسالة وتجشمها ما تنوء به الجبال.

وكانت البضعة مع امها المجاهدة البطلة تخفّفان كثيرا عن كاهله(ص). وبعد فقدها امها قامت بالمهمة الشاقة لوحدها لفترة ناهزت اربعاً من السنين العجاف الطوال وصارت تتجرع الأمَّرين في مكة فالاول هو الاذى الذي تتلوّى منه نتيجة ما يلاقيه ابوها، من وعيد واضطهاد واستخفاف بلغ حدَّ القاء القاذورات عليه وهو يصلي في المسجد الحرام. والثاني هو مشاركتها المسلمين الاوائل والمستضعفين منهم بخاصة ما يقاسونه من لسع السياط وثقل الصخور مطروحين على الرمضاء في قيظِ ام القرى. اضف اليه ايام الحصار وسنينه.

ومرة لم يسعفها جَلَدُها ولا تصبُّرها وهي تشاهد ما ينزل بابيها العظيم فانفجرت باكية وهي تزيل التراب والاوساخ عن وجهه ورأسه وثيابه فرفع(ص) رأسه اليها قائلا: ان الله مانعٌ اباك وناصره على اعداء دينه ورسالته.

هجرتها

كان رسول الله قد اوصى علياً بوصايا قبل ان يغادر مهاجرا.

اولاً: ان يبيت تلك الليلة بفراشه(ص) ويفتديه بنفسه.

ثانيا: يتولى اعادة اماناته(ص) الى اصحابها ـ ان ابقاه الله حياً ـ

وثالثا: ان يلتحق به بما بقي من النسوة (والغريب عدم ورود ذكر لام كلثوم بنت النبي مع تلكم النساء المتخلفات مما حدا بالكثير الى التشكيك بوجودها اصلا).

وبعد اتمام علي الوصيتين الاوليين بنجاح هيأ الرواحل وخرج من مكة نهاراً جهاراً لا خائفا ولا وَجلا ومعه من الرجال، ابو واقد الليثي وايمن بن ام ايمن (حاضنة النبي ـ ص ـ) (هنا سقط) ليسَ إلاَّ الله فارفَعْ ظَنّكا يكفيك ربُّ الخلْقِ ما أهمَّكا

وادركهم طلب قريش عند جبل (مَنَجْنان) القريب من مكة وهم ثمانية من الطلاب الفرسان فانزل علي النسوة وعقل الابل واستقبلهم فنادوه: ارجع بنسوة محمد فلا يمكن لك اخذهن! وهل تظن ان ستنجو بهنّ؟ فارجع بهنّ طائعا قبل ان يرجعن وانتم راغمون. وتوجهوا نحو الركب فشدّ عليهم وأبعدهم وظلوا يراودونه للنيل منه منهنّ واخافتهنّ.

وكرّ عليهم الكرار حتى فرقهم ولحق باحدهم وكان مولىً لحرب بن امية واسمه جناح فهوى عليه عليُّ بسيغه فقدّه نصفين حتى لامس سيفه كتفَ فرس جناح فانهزم الباقون من لائذ من لائذ بالجبل ومن متجهٍ صوب مكة لا يلوي على شيء.

يذكر الطبرسي في (مجمع البيان) ان النبي امر يوم فتح مكة بقتل اربعة رجال (وسماهم) مع قينتين كانتا تغنيان بهجائه وأحد الاربعة هو الحويرث بن نقيذ (نفيل) بن عبد قصي (ابن كعب) فقتله الامام علي وقتل معه احدى القينتين. وجاء في بعض المرويات ان الحويرث هذا كان شديد الاذى لرسول الله وأكبرُ أذاه وجرائمه يوم عمد الى بعير رأى عليه فاطمة ومعها فاطمة اخرى من الفواطم) فرمى الزهراء الى الارض من فوق البعير فاضرَّ بها اشد الضرر وهي الفتاة الصغيرة النحيلة الجسم ولازمها الوجع أشهراً.

زواجها بعلي

في السنة الثانية للهجرة وبعد ان نصر الله المسلمين ببدر وهم اذلة. فحوّل سبحانه ذلَّهم عِزّاً وانكسرت قريش وتوفرت لدى المسلمين بعض الاموال ببركة الرسول النازل بين ظَهْرانيهم ونماءِ زراعتهم مع توفر السيولة النقدية من مُفاداة اسارى بدر ومن غزوات رسول الله وسراياه التي بدأت تتلاحق لنشر كلمة التوحيد وتتوالى فيها انتصاراتهم كغزوة بني سليم وغزوة السويق وغزوة ذي أمَرّ وغزوة القَرَدة التي اصابوا فيها عِيراً لقريش وفيها فضة كثيرة ثم كانت غزوة بني قينقاع من اليهود فتنازلوا عن ارضهم بالمدينة، ونزحوا الى أذرِعاتٍ بالشام.

فتوطدت هيبة المسلمين في نواحي الجزيرة العربية. فتنفس المسلمون الصعداء ولاحت أَمارات الاستقرار وانهال الخُطّاب طالبين يد الصدّيقة والنبي يردّهم برفق وعليٌ يقطر حياءً ولا يتحرّى جوابا كلما اقترح عليه احد ان يتقدم لخِطبتها.

وسعد بن معاذ كان الوحيد الذي ظل يلحّ عليه للتقدم الى رسول الله لطلب يد (المباركة) حتى افلح في دفعه فتهلل به رسول الله بشراً وسروراً وحصلت الموافقة فباع درعه من عثمان بن عفّان باربع مائةٍ وسبعين درهما (وافياً) وكانت زنتها اثنتي عشرة اوقيةً ونصفا وجاء بها الى النبي(ص) مَهراً للطاهرة. فقبض منها قبضة دفعها لبلال قائلا له: ابتعْ لفاطمة طيبا.

ودفع مبلغا آخر لأم ايمن تشتري ما تراه هي من امتعة لفاطمة. ثم قبض منها بكلتا يديه ودفعها لابي بكر قائلا: اشترِ لها ما يصلح من ثيابٍ وآثاث بيتٍ وأرسل معه جماعة فخرجوا تِلقاء السوقِ فكانوا يأتون بالشيء فيعرضونه على ابي بكر فاذا استصلحه دفع ثمنه فاشتراه.

ولما تم الجهاز وعُرض على رسول الله جعل يقلبّه بيده ثم بكى وقال: بارك الله لقوم جُلُّ آنيتهم الخزفُ. وتم الزواج وبه اتحدت العفة والفضيلة واحتفل المهاجرون واحتفل به الانصار. ولِمَ لا يحتفلون وهذا الزواج قد وقع استجابة لامر السماء، وكيف لا تحتفلُ المدينة وقد زُوِّج النور بالنور. وأنّى للمدينة ان لا تحتفل والنبي يقول لصهره: يا عليُّ! انا وانت من شجرة واحدة وساير الناس من شجر شتّى. ومهما حاول بلغاء الناس واقدرهم على تجميع الالفاظ وصوغها ان يجمعوا الحق الى الشفافية والى العفة والطهارة والعدل، والايثار والاخلاص وكل مفردات الخير والبِر في صياغةٍ واحدة لما عثروا على غير هذين الاسمين الكريمين (علي وفاطمة) كمفهوم واحد لكل هذا.

قال الشيخ الطبرسي في (إعلام الورى): صحّ عن انس بن مالك قال: (هنا سقط) هذا جبرئيل يخبرني ان الله تعالى زوجك فاطمة واشهد على تزويجها الفَ الفَ مَلَكٍ وأوحى الله الى شجرة طوبى ا ن انثري عليهم الدر والياقوت فابتدرت الحور العين وهنّ يتهادينه الى يوم الدين.

وبدأت الزكية مرحلة جديدة يحسب فيها ذو النظرة السطحية ان ايام التضحيات قد ولّت الى غير رجعة لا سيما مع ما يتراءى من التفاف اهل المدينة المنورة حول نبيّهم وقائدهم ومحافظتهم على مراسيم شريعته الوليدة. كذلك دعاء ابيها لهما (عليهما السلام): بارك الله فيكما وجعل منكما الكثير الطيب وقبل دعاء ابيها فهذا القرآن يقرر “إنا اعطيناك الكوثر” ولكن.. وهناك مع الاسف لكن، فمهما عمّت الراحة المدينة فلن تعُمّ آل النبي! (هنا سقط) تجتمع لديه آناً مّا ليباشر تفريقها على اهل الصُّفَّة وعلى المستحقين من غيرهم.

ويعطي(ص) فاطمة تسبيحها اذا اشتكت اليه مَجَلَ يديها من الطحن وقد وقف القرآن الكريم بكل صرامة لمن تفكر من ازواجه بالاستئثار بالمال العام (الآيات ۲۸ـ ۳۴ من سورة الاحزاب) واخذ النبي يخاطب علياً على مسمعٍ من المرضيّة(ع) “إن ربي عز وجل عرض عليَّ ان يجعل لي بطحاءَ مكة ذهبا فقلت: لا يا ربِّ ولكن اجوع يوماً وأشبع يوما فأما اليوم الذي اجوع فيه فاتضرع اليك وادعوك واما اليوم الذي اشبع فيه فأحمدُك وأثني عليك” فكان من ابرز صفات الزكية الصبر والشكر والرضا بعد ما سمعت اباها وابا اولادها في تضحياتهما وفي رِفقهما بهذه الامة فاذا ما مرض الحسنان نذر ابواهما صيام ثلاثة ايام لوجهه سبحانه وشفيا(ع) وصام الجميع بما فيهم بوّابة الزهراء “فضة” وتوجه الامام لجاره اليهودي شمعون الذي كان يشتغل بالصوف فقال له: هل لك أن تعطيني جِزةً من الصوف تغزلها لك بنت محمد بثلاثة أصوعٍ من شعير.

وغزلت سيدة النساء ثلث الجِزّةِ وطحنت صاعاً وعرض لهم مسكين وقت الافطار فتبرع كل منهم بإفطاره للمسكين وافطروا على الماء وغزلت الزهراء في اليوم الثاني ثلث الجزةِ الثاني وطحنت بعدها صاعاً آخر وجاءهم اليتيم وقت افطارهم وفي اليوم الثالث قدّموا ما لديهم للاسير وباتوا طاوين لثلاثٍ.

فلما اصبحوا ورأى النبي الحسنين يرتعشان رق لهما وجاء معهما نحو ابنته فرآها في محرابها، وقد غارت عيناها وتغير حالها فاحتضنها وقال: واغوثاه وللحال هبط الامين جبرئيل وقال: يا محمد! خذ ضيافة اهل بيتك، وتحولت قصتهم هذه الى قرآن يُتلى الى يوم عَودِهِ الى ربه، مرة في سورة الدهر ومرة في الحشر واخرى في آل عمران ورابعة في الاحزاب وخامسة في المائدة وسادسة وسابعة و.. و.. وكثير من الآيات قد نزلت في شأنهم، والبتول تزداد هزالاً مع ازدياد مسؤولياتها نحو مجتمعها المدني ونحو اسرتها الصغيرة، وربما تدخلت العناية الالهية احيانا لتخفّف عنها كما مر في خبر ميمونة.

واخرى يوردها توفيق ابو علم في (اهل البيت)، ان علياً دخل بيته فلم يجد شيئا وخرج واقترض دينارا ليبتاع به لاهله ما يصلحهم فلقيه المقداد وشكى له فقد الطعام وبكاء اهله من الجوع فآثره عليّ بالدينار وصلى المغرب مع النبي ثم اخذه النبي الى بيت فاطمة قائلا: اشتهي ان اتعشّى عندكم الليلة!! ودخلا على فاطمة فوجداها تصلي وخلفها جَفْنةٌ تفور ولما ابدت الزهراء اندهاشها وعدم معرفتها بها فاجاب رسول الله وهو يرمق عليا: هذا بذاك الدينار يا علي! ثم اضاف: الحمد لله الذي جعل لكما ما جعله لزكريا ولمريم.

وولدت الزهراء بِكرها (الحسن) فهبّ من يبشر بولادته رسول الله الذي كان في اعمق حالات الشوق لرؤيته فخف بأبي هو وامي متلهفاً وقد وجد فيه(ع) وفي اخيه (الحسين ع) من بعده سلوةً وتعويضا عن ولديه القاسم وابراهيم الذين اختطفهما المنون والتأمت بولادتهما جروحه، وقرت بها عيناه فصار يرفع من قدرهما لدى صحابته وينوّه بهما وبأبيهما فمرةً يقول في حشد من المهاجرين والانصار “انهما ابنائي وابناء ابنتي اللهم اني احبهما فاحبَّ (واحِبُّ) من يحبُّهما وكرر اكثر من مرة “الحسن والحسين سيدا شباب اهل الجنة” وذكر في غير مناسبة واحدة “الحسن والحسين امامان ان قاما وان قعدا” وفي ذخائر العقبى “كل بني انثى فان عَصَبَتَهم لابيهم الاّ ولد فاطمة فانا ابوهم وانا عَصَبَتهم”

هل اراد علي الزواج بجويرية بنت ابي جهل؟

برع القصاصون في اختراع الغرائب وتسطير العجائب يريدون بها رواج بضاعاتهم ويجذبون العامة اليهم لانهم عرفوا انبهارهم لكل ما هو جديد ولو كان مكذوبا وهم يحسبون كلَّ ورمٍ شحما فواحدُ يخبرّ العامة باسم الذئب الذي اكل يوسف(ع)! وآخر قد اطّلع على اسم الكلب الذي رافق الفتية من اصحاب الكهف وآخر قد وقف على علوم الاوّلين حتى عرف نوع النثار على رأس حواء يوم زفت الى ابينا آدم(ع) ثم يضيف: كأني انظر اليها وهي تلتقطه من الارض وآدم يرمقها بابتسام خفي!

وهو منصب اخترعه الامويون لكل مسجد جامع في كل مدينة وحاضرة اعني منصب (قصاص المسجد) وكان لهم مساعدون يغرون كثيراً من المحدثين ويدلسون عليهم ما يرغبون في اختلاقه. يروي السيوطي في تاريخ الخلفاء ان هارون (الرشيد) اخذ زنديقاً فامر بضرب عنقه وبعد حديث بينهما قال المقبوض عليه: اين انت من الف حديث وضعتها على رسول الله(ص) كلها ما فيها حرفٌ نطق به! وكان هذا بعد اربعين سنة على سقوط دولة بني امية بالشام، ولا ريب ان هذا هو واحد من بقاياهم وغيره بالمئات.

ومن افتراءاتهم التي خالوا انهم قد احكموا حياكتها فرية خِطبةِ علي(ع) ابنة ابي جهل عَمْرو بن هشام المخزومي وان آل هشام جاءوا النبي يستأذنونه للموافقة وأن سيدة النساء جاءت اباها باكيةً مهتضمةً وهي غضبى تحس بالريبة والاذى، فقالت له: ان الناس يزعمون بانك لا تغضب لبناتك فلم يحتمل(ص) هذا وقام من فوره فدخل المسجد والناس مجتمعون فيه فرأوه وقد احمرت عيناه غضبا فارتقى المنبر وقال: الا وان بني هشام بن المغيرة استأذنوني في ان يُنكحوا ابنتهم علياً!! ألا واني لا آذن ثم لا آذن ثم لا آذن ان فاطمة بضعةٌ مني، يريبني ما رابها، ويؤذيني ما يؤذيها.

وإني اتخوَّف ان تُفتن في دينها!! ثم نزل وخرج من المسجد على الحالة التي دخله فيها. فدخل بيت فاطمة ثم لم يلبث ان خرج منه آخذا بيدها ثم قال: من عرف هذه فقد عرفها ومن لم يعرفها فهي فاطمة بنت محمد. وهي بضعةٌ مني وروحي. من آذاها فقد آذاني، ومن آذاني فقد آذى الله. فلاحظ بربك كيف دسّوا هذه القصة الخرافة وصاغوا (سيناريو) لهذا الحديث الذي قلنا بتواتره اعني (حديث البضعة) وكيف اخرجوه اخراجا فنياً متقناً وتغافلوا عما يلزم فيه من طعن صريح برسول الله وبفاطمة وبعلي. وما تجرأوا على هذا لولا ما لمسوه من ضحالةِ وقلة تدبُّر لدى المحدّثين ومثلها لدى المدوّنين ومن اهل السَّمْتِ الكاذب.

۱ـ هو طعن بالنبي من حيث اباحته للناس (ولنفسه) تعدد الزوجات ولا يطبقه على ابنته. فتظهره بمظهر الذي يتهاون بالشريعة التي يفترض ان يكون حامِيَها. وهو يخاف على فاطمة الفتنة!

۲ـ وهو طعنٌ بسيدة نساء العالمين لانها لا تطيق تطبيق شرع الله.

۳ـ ثم هو طعن بعلي وبأنه هو من اغضب فاطمة ولم يغضبها احد غيره.

ومع ما في هذا الكذب من براعة في حَبكِهِ لكنه تغلُبُ عليه العجلة في اختلاقه اذ هم جعلوا تاريخ هذه الواقعة السنة الثانية او الثالثة للهجرة! اي بعد مدة قصيرة من هلاك ابي جهل في بدر (رمضان السنة الثانية للهجرة) اي وآل المغيرة كلهم في اشد حالات الحنق والشنآن لمحمد ولكل المسلمين. ثم اننا لم نقف يوماً على هجرة بين هشام بن المغيرة الى المدينة المنورة!

فلاحظ الى اي درجة من الاستخفاف بعقول المسلمين. ومن اولي العلوم الدينية فليس لدى جويرية بنت ابي جهل ما تتفوق به من جمال على النساء العربيات وليس علي من ذوي الاطماع باموال الآخرين بَلْه الاخريات بلى خصوا بنت ابي جهل بالذات ليكون الطعن في علي ابلغ وانفذ فهو لم يختر من اجل ان يغيظ النبيَّ وابنته معه سوى بنت اشد الناس عداوةً للنبي وللاسلام قابلهم رسول الله(ص) في دعوته.

۴ـ ثم حفّوا هذه الدسيسة العارية عن الصحة المكشوفة الوضع بشيء آخر يظهر ندم الرسول(ص) لمصاهرته علياً عن طريق مدحه صهره الآخر (اي ابو العاص بن الربيع) زوج (هنا سقط) الذم بعلي لكن بصورة غير مباشرة ونسي حائك الرواية ان بني مخزوم ومعهم كل قريش في مكة كانوا يعدّون العدة لاجل الانتقام من محمد ومن كل اتباعه واعادة سمعتهم بين القبائل التي تدهورت في الحضيض بعد بدر الكبرى وفعلاً، جاءوا وقائدهم العمى في شوال من السنة الثالثة فحدثت موقعة احد.

فأنّى لبني هشام الاستئدان وانّى لعلي الخِطبة يا حماة سنةِ رسول الله!

نعم إنما هي: شِنشِنَةٌ اعرفها من اخزم

“ربِّ هَبْ لي حُكْما وألْحِقْني بالصالِحين واجْعَل لي لِسانَ صِدقٍ في الاخرين”

الكاتب: المهندس حنون عاتي الدراجي