المتفرقة » المقالات » السيرة »

أمُّ المؤمنين خديجة

مقدمة:

في بيت من البيوت العريقة وذات السمعة الطيبة والمكانة العالية في الحجاز، ولدت سيدتنا خديجة لأبوين قرشيين: فأبوها خويلد بن أسد بن عبد العزّى بن قصي بن كلاب بن مرّة ابن كعب بن لؤي ابن غالب بن فهر بن مالك بن النضر من كنانة… من قريش، فهو من بني أسد. وقدمات في حرب الفِجار، التي قامت في الجاهلية في الأشهر الحرم بين قريش وقيس عيلان، ويومذاك كان عمر خديجة ـ إذا ما أخذنا برواية أن عمرها حين زواجها من الرسول (ص) أربعون سنة ـ ثلاثين سنة.

وأما أمُّها فهي فاطمة بنت زائدة بن الأصم بن فهر بن لؤي بن غالب. فهي تجتمع مع زوجها خويلد في لؤي بن غالب… من كنانة من قريش.

خديجة القرشيّة الأسدية تلتقي نسباً مع النسب الكريم لرسول الله (ص) في جدّه الرابع آ«قصيآ»، فهو محمد بن عبدالله بن عبدالمطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي… وهي بالتالي أقرب نسائه إليه (ص).

كانت تدعى في الجاهلية بالطاهرة، وسيدة نساء قريش، وسيدة قريش.

وهي يومئذ أوسط نساء قريش نسباً، وأعظمهنّ شرفاً، وأكثرهنّ مالا وأحسنهنّ جمالا… وفي لفظ كان يقال لها سيدة قريش; لأن الوسط في ذكر النسب من أوصاف المدح والتفضيل، يقال: فلان أوسط القبيلة أعرقها في نفسها…

الزواج المبارك:

استجمعت أحاسيسها وراحت تستمع فرحةً مسرورةً لحديث غلامها ميسرة، الذي صحب النبيّ (ص) وهو يضارب في تجارة لخديجة في الشام، وراح يحدثها عن سيرة محمد معه وعن أخلاقه وطباعه وصفاته الجميلة، وعمّا كان يراه من كراماته التي لم ير ميسرة مثيلا لها من قبل على كثرة سفراته مع آخرين، فأعجبت به، وقد أسر كلَّ مشاعرها، وامتلك كلَّ عواطفها، وتحرّكت في قلبها أسراره، وكأنها تريد لهذا الحديث ألاّ يتوقف أو ينتهي، ثم راحت تحدّق في مستقبل فتى بني هاشم الصادق الأمين، الذي غدا صدقه يملأ الآفاق، وأمانته يلهج بها كلّ لسان، ماذا يخبئ المستقبل لهذا اليتيم الهاشمي، وما هو ذاك الشأن العظيم الذي ينتظره؟!

لقد تمثلت أمام عينيها شخصيته بكلّ ما فيها من نبل صفاته ورقة شمائله، وعظيم وكرم أخلاقه، وجمال روحه وشرفه وفضله على الجميع.

لاحت من ميسرة نظرة إلى سيدته، فردّت طرفها وعلتها العفة وهي أنبل نساء عصرها حياءً وأعظمهنّ خُلقاً… فانقلبت غبطتها تلك وفرحتها إلى حبٍّ لم تحسّ به من قبل، والى ودٍّ ما لامس مثله أحاسيسها أبداً، وإلى إكبار وتكريم ولجا قلبها ملأ كلّ منهما عليها حياتها… وهي التي تمرّدت على واقع نساء قومها، وامتنعت أمام أعظم قريش شرفاً ونسباً وثراء ومكانة… فالتفتت بعد حين إلى أختها على قول وإلى صديقتها نفيسة بنت منبه على قول آخر; لتسرّها بأن ما قاله ميسرة عن محمد قد نفذ إلى روحها، وأنها وجدت فيه ما كانت تتمناه ولم تجده فيمن تقدم لخطبتها، فما كان من نفيسة ـ وقد سرّت بما سمعته ـ إلاّ أن بادرت إليه ـ على رواية ـ فقالت له: ما يمنعك أن تتزوج؟

قال: ما بيدي ما أتزوج به.

قالت: فإن كفيت ذلك، ودُعيت إلى الجمال والمال والشرف والكفاءة، ألا تجيب؟

قال: فَمن هي؟!

قالت: خديجة.

قال: كيف لي بذلك؟!

فقالت نفيسة، وقد علت ملامح وجهها الفرحةُ: عليّ ذلك، وسارعت لتبلغ خديجة بما سمعته من محمد.

وفي رواية:… وكانت لبيبةً حازمةً، فبعثت إليه تقول: يا ابن عمِّ، إني قد رغبتُ فيك لقرابتك وأمانتك وحسن خلقك وصدق حديثك.

لقد خصّها الله بكرامة ادّخرها لها، وكانت له من الشاكرين، واختارها لمكانتها وصفاتها لتكون امرأة خاتم رسله، وسيد الأولين والآخرين محمد ابن عبدالله.

لم يتأخر محمد في إبلاغ عمّه (أبو طالب) وعشيرته بذلك، كما لم تتأخر خديجة فقد أبلغت عمّها عمرو بن أسد، الذي حضر، ودخل رسول الله (ص) عليه في عمومته، ومعه بنو هاشم وسائر رُؤساء مُضَر، فخطب أبو طالب فقال: الحمد لله الذي جعلنا من ذرية إبراهيم، وزرع إسماعيل، وضئضئ مَعَدّ، وعُنصر مُضر، وجعلنا حَضَنَة بيته، وسُوّاس حَرمِه، وجعل لنا بيتاً محجوباً، وحرماً آمناً، وجعلنا الحكام على الناس، ثم إنّ ابن أخي هذا محمد بن عبد الله لا يُوزن به رجل من قريش إلاّ رجح به شرفاً ونُبلا وفضلا وعقلا، فإن كان في المال فلا، فإن المال ظلّ زائل، وأمر حائل، وعارية مسترجعة. ومحمد مَن قد عرفتم قرابته، وقد خطب خديجة، وبذل لها من الصداق ما آجله وعاجله من مالي هذا، وهو مع هذا ـ والله ـ له نبأ عظيم، وخطر جليل أو آ«له والله خطب عظيم ونبأ شائعآ». فتزوجها وأصدقها عشرين بكرة، وقيل اثنتي عشرة (اثنتين وعشرين) أوقيه ذهباً ونشا (نصف اوقية)، والأوقية أربعون درهماً، والنش عشرون درهماً; فذلك خمسمائة درهم.

وفي رواية ـ فقال لأعمامه..، فجاء معه حمزة عمّه حتى دخل على خويلد خويلد بن أسد، وقيل: بل عمرو بن خويلد بن أسد، وقيل بل عمرو بن أمية عمّها، وكان شيخاً كبيراً وهو الصحيح، على ما في نهاية الأرب ۱۶/۹۸، وعند ابن سعد في الطبقات ۱/۱۳۲ وعن جمهرة النسب للكلبي ص۷۴ وهو عمرو بن أسد ابن عبد العزّى، وهو يومئذ شيخ كبير لم يبق لأسد لصُلبه يومئذ غيره، ولم يلد عمرو ابن أسد شيئاً.

إذن فقد اشتهر أن عمّها عمرو بن أسد، هو الذي زوّجها، وإن قيل: إن الذي زوجها أخوها عمرو بن خويلد; لأن أباها مات قبل حرب الفِجار، وهذا كلّه يكذب المزاعم، التي رويت من أن أباها زوّجها بعد أن سقته خمراً… لتحصل بذلك على موافقته; لأنه لا يوافق من تزويجها من فقير يتيم…

إسلامها:

من بركات الله تعالى الخاصة بهذه المرأة أن مَنّ عليها بأن اختارها لتكون أول نساء العالمين إسلاماً وأسبقهن تصديقاً برسول الله ودعوته، وأخلص نسائه (ص) جهاداً، وأعظمهن وفاءً وطاعة له، وأصبرهن تحملا لما لاقاه رسول الله من ضروب الأذى والتضييق، وأكثرهن بذلا وعطاءً في سبيل الله ورسوله، فعن عبدالله بن مسعود: إن أول شيء علمت من أمر رسول الله (ص) قدمتُ مكة مع عمومة لي أو ناس من قومي نبتاع منها متاعاً، فكان في بغيتنا شراء عطر، فأرشدنا إلى العباس بن عبدالمطلب، فانتهينا إليه وهو جالس إلى زمزم، فجلسنا إليه، فبينا نحن عنده إذ أقبل رجل من باب الصفا أبيض،… كأنه القمر ليلة البدر، يمشي على يمينه غلام، حسن الوجه… تقفوهم امرأة، قد سترت محاسنها، حتى قصد نحو الحجر فاستلمه ثم استلمه الغلام، واستلمته المرأة، ثم طاف بالبيت سبعاً والغلام والمرأة يطوفان معه، ثم استقبل الركن، فرفع يديه وكبّر، وقامت المرأة خلفهما، فرفعت يديها وكبرت، ثم ركع فأطال الركوع، ثم رفع رأسه من الركوع، فقنت مليّاً، ثم سجد وسجد الغلام معه والمرأة، يتبعونه، يصنعون مثلما يصنع، فرأينا شيئاً أنكرناه، لم نكن نعرفه بمكة، فأقبلنا على العباس فقلنا: يا أبا الفضل، إن هذا الدين حدث فيكم، أو أمر لم نكن نعرفه فيكم. قال: أجل، والله، ما تعرفون هذا؟ قال: قلنا: لا، والله ما نعرفه، قال: هذا ابن أخي محمد بن عبدالله، والغلام علي بن أبي طالب، والمرأة خديجة بنت خويلد امرأته أما، والله، ما على وجه الأرض أحد نعلمه يعبد الله بهذا الدين إلاّ هؤلاء الثلاثة.

لقد آمنت برسول الله، ولم يسبقها إلى ذلك إلاّ الإمام علي(عليه السلام) كيف لا يكون كذلك، وقد قرأت ـ بما ألهمها الله تعالى، وبما منحها من قدرة وحكمة وبصيرة ونظرة ثاقبة لمستقبل الصادق الأمين ـ مستقبله وأنه ذو شأن كبير ومقام كريم ومنزلة محمودة؟!

لقد واكبت مسيرته المباركة وهو في غار حراء، بخدمتها الصادقة وكلماتها الطيبة، التي تدل على مدى اخلاصها ونباهتها وصفائها: آ«وهيأت خديجة لزوجها ما يناسبه من حياة، فلما لجأ للتحنث في غار حراء، كانت تعدُّ له ما يحتاجه من طعام وشراب خلال الفترة، التي اعتكف فيها بالغار، فلما جاءه الوحي كانت أول من صدقه، وعانت معه صراع قريش ضده، وكانت البلسم الشافي لجراحه من هؤلاء المعتدين، ودخلت معه الشعب عندما قرر سادة قريش أن يقاطعوا المسلمين…آ».

كانت تسمعه كلمات رقيقة هادئة كلما دخل بيتها عائداً من غار حراء، كلمات ملؤها الحنان والحب. تدعوه أن يطمئن، وتدعوه أحياناً أن يهدأ وينام، فكان يقول لها: مضى عهد النوم يا خديجة. لقد كانت كلماتها تلاحقه وهو في بيته، وهو خارج منه، وهو في الغار، وهو يدعو عشيرته للإيمان، وهو في دار الارقم يدعو الناس سراً، وهو في كل مكان في مكة يقارع قريشاً وشركها جهراً، وهو يرى أعداءه والمتربصين به، والمبغضين له، فكانت تخفّف عنه كلّ معاناته وكلّ ما يلقاه من أذى وتكذيب وعنت من قومه.

وكان (ص) يصرّح ويفضي لها بكلّ شيء يقول ابن هشام في سيرته: وآمنت به خديجة بنت خويلد، وصدقت بما جاءه من الله، ووازرته على أمره،… فخفف الله بذلك عن نبيه (ص)، لا يسمع شيئاً ممّا يكرهه من ردّ عليه وتكذيب له، فيحزنه ذلك، إلاّ فرّج الله عنه بها إذا رجع إليها، تثبته وتخفف عليه، وتصدقه وتهوّن عليه أمر الله، رحمها الله تعالى.

ومن كلماتها له (ص) أيضاً: أبشر، فوالله، لا يخزيك الله أبداً، والله، إنك لتصل الرحم، وتصدق الحديث، وتؤدي الأمانة، وتحمل الكلَّ، وتقري الضيفَ، وتعين على نوائب الدهر.

في شعب أبي طالب:

ما انفكت قريش تصعد عداءها لرسول الله (ص) ودعوته الجديدة، ولم يتوقف عملها في تجذير ذلك العداء في نفوس أبنائها قولا وعملا. وكلما ازداد رسول الله (ص) وصحبه التزاماً بموقفهم وثباتاً على مبادئهم ازداد عداءُ قريش لهم وأذاها. وقد رأت أن أهله وعشريته قد وفروا له الرعاية والحماية، فعزمت على شنّ حملتها على هذه الاسرة، وارتأت أن تتخذ وسيلة غير الحرب في أول أمرها فلعلّها تصل إلى أهدافها دون قتال وما يجرّه هذا القتال من ويلات وانقسامات بين قبائلها. فاجتمع زعماؤها وكتبوا الصحيفة، التي قرروا فيها:

مقاطعة بني هاشم على المستويات الاجتماعية والاقتصادية فلا يتزوجون منهم، ولا يزوجونهم، ولا يبيعون لهم ولا يشترون منهم، ولا يكلمونهم، ولا يزورون مرضاهم، ولا يشيعون موتاهم، وأكرهوهم أن يلزموا الشِّعب وهو طريق بين جبلين.

أما نتائج هذه المقاطعة ـ التي استمرت حوالى ثلاث سنوات ـ فقد كانت قاسية جدّاً على بني هاشم، ومسّهم بسببها الضرّ بل الجوع والحرمان… ولم تنقض إلاّ بعد أن أشفق بعض القرشيين على بني هاشم بسبب ما نالهم من أذى وعذاب، فخرقوا هذه الوثيقة، وعادوا إلى الاتصال بهم(۱) وهناك رواية: أن الأرضة أتت على كلّ شيء في الصحيفة، ولم تدع إلاّ اسم الله جلّ وعلا وقد أوصى الله لمحمد بذلك، فنقل ذلك إلى عمّه أبي طالب، فتحدى أبو طالب جماعة المشركين، وأحضروا الصحيفة فظهر صدق محمد.

هذه خلاصة المقاطعة، التي كانت خديجة ضحيةً من ضحاياها، فقد أصابها الضر أيما إصابة، وعانت معاناة عظيمة من آثار هذه المحاصرة الظالمة، ولكنها لاذت بالصبر، ووقفت إلى جانب رسول الله (ص) موقفاً، يندر أن تقف مثله امرأة، وكان لشخصيتها ومكانتها وهيبتها في النفوس الأثر الكبير، إلى درجة أنها صارت من أسباب قيام خلاف ونزاع أدّى إلى انهيار موقف قريش، وترك العمل بالصحيفة وفشل المقاطعة.

ففي السيرة النبوية(۲): أن أبا جهل لقى حكيم بن حزام بن خويلد، ومعه غلام يحمل قمحاً إلى خديجة بنت خويلد زوجة الرسول وعمّة حكيم، فتعلق به أبو جهل، وقال: أتذهب بالطعام إلى بني هاشم، والله، لا تبرح أنت وطعامك حتى أفضحك بمكة، فجاءه أبو البختري، وقال له: مالك وله؟ إنه طعام كان لعمته رغبتْ إليه فيه، فكيف تمنعه؟ فأبى أبو جهل، وقام نزاع كان من أسباب إغفال الصحيفة ونهاية المقاطعة.

كما كان لهشام بن عمرو بن الحارث العاملي الذي كان من أقرباء خديجة دور آخر في بذر الخلاف بين زعماء المقاطعة، فقد كان أكثر الناس إقداماً على مساعدة المحصورين المقاطعين، فكان يدخل أحمال الطعام إلى بني هاشم في الشعب… وأرادت قريش معاقبته.

فانبرى أبو سفيان وقال: دعوه، رجل وصل رحمه، أما والله إني أحلف بالله لو فعلنا مثل ما فعل كان أحسن.

مكانتها في قلب الرسول (ص):

لم تتحمل أمّ المؤمنين عائشة وهي ترى رسولَ الله (ص) يذكر خديجة، فقالت: ما زلتَ تذكر بحسرة وألم عجوزاً من عجائز قريش حمراء الشدقين، هلكت من عدة سنين، وقد أبدلك اللهُ خيراً منها!

فما كان من رسول الله (ص) بعد أن تغير وجهه الكريم، إلاّ وزجرها غاضباً، وقال: آ«واللهِ ما أبدلني الله خيراً منهاآ» ولم يكتف (ص) بهذا بل راح يذكر مناقبها ـ التي ما فتئ يعيشها (ص) في حياته المباركة ـ: آ«آمنت بي حين كفر الناس، وصدقتني إذ كذبني الناس، وواستني بمالِها إذ حرمني الناس، ورزقني منها اللهُ الولدَ دون غيرها من النساء…

فقالت عائشة في نفسها: والله لا أذكرها بعدها أبداً.

وقبل ذلك لم تتوقف غيرة أمّ المؤمنين عائشة من أمّ المؤمنين خديجة، التي احتلت تلك المكانة العظيمة من قلب رسول الله (ص) وظهر ذلك كلّه في مواقف عملية للرسول الكريم، حتى بعد وفاتها سلام الله عليها.

رأته عائشة يوماً وقد ذبح شاةً يقول: أرسلوا إلى أصدقاء خديجة منها، وهنا أيضاً، لم تتوقف عائشة عن أن تسمعه شيئاً، فقال: آ«إني لأحبّ حبيبهاآ».

وظلت الغيرة لا تنفك عن قلبها من سيدتنا خديجة، لا لشيء ـ فالأمر كلّه بعد موتها ـ إلاّ لأنها سبقتها إلى نفس رسول الله (ص) وإلى قلبه فاحتلته بما امتلكته من خلق عال وشرف رفيع وايمان صادق وجهاد خالص وذكر طيب، وبما قدمته من حياتها التي استرخصتها وثروتها وأموالها، كلّ ذلك وضعته بين يديه المباركتين; لنيل مرضاة الله ولتُعينه (ص) وهو يحمل أعظم رسالة وأخطر مسؤولية تبليغية تغييرية عرضتها السماء وعرفتها الإنسانية.

وحينما نصره الله تعالى وفتحت أبواب مكة له ـ وكان وقتها قد مرّ على وفاتها أكثر من عشر سنوات، وكانت كلّ تلك السنين مليئةً بالأحداث والشؤون المريرة، ولكنها مع كلّ ذلك لم تشغله عن ذكره لخديجة ـ أقام في قبة ضربت له هناك إلى جوار قبرها ـ حيث روحها التي تخفق حوله فتريحه وتؤنسه وترافقه وهو يشرف على فتح مكة، ويطوف بالكعبة، ويحطم رموز الكفر والشرك، وهو بين لحظة وأخرى يرمق دارها حيث نبع الحب وحيث السكينة والمودة والحنان والتضحية.

وفيما قالته أمّ المؤمنين عائشة، كان رسول الله (ص) إذا ذكر خديجة لم يكد يسأم من ثناء عليها واستغفار. فذكرها ذات يوم فاحتملتني الغيرة، فقلتُ: لقد عوضك الله من كبيرة السن، قالت: فرأيت رسول الله (ص) غضب غضباً أُسقطتُ في جلدي، وقلتُ في نفسي: اللهم إنك إن أذهبت غضبَ رسول الله عني، لم أعد أذكرها بسوء ما بقيت. فلما راى النبي (ص) ما لقيت، قال: كيف قلت؟ والله، لقد آمنت بي إذا كفر بي الناس، وآوتني إذ رفضني الناس، وصدقتني إذ كذبني الناس، ورزقتْ مني الولد إذ حرمتُموه مني.

قالت: فعدا وراح عليّ بها شهراً.

أما ما ورد فيها عن رسول الله (ص):

۱- فعن عبدالله بن جعفر بن أبي طالب رضوان الله تعالى عليهما: أن رسول الله (ص) قال: أمرتُ أن أُبشر خديجة ببيت من قصب، لا صخب فيه ولا نصب.

۲- وعن عائشة، قالت: ما غرتُ من أحد ما غرتُ على خديجة، ولقد هلكت قبل أن يتزوجني رسول الله (ص) بثلاث سنين، ولقد أمر أن يبشرها ببيت من قصب في الجنة.

۳- وقال ابن هشام: وحدثني من أثق به، أن جبريل(عليه السلام) أتى رسول الله (ص)، فقال: أقرئ خديجةَ السلام من ربِّها، فقال رسول الله (ص): يا خديجة، هذا جبريلُ يُقرئك السلام من ربك، فقالت خديجة: اللهُ السلامُ، ومنه السلامُ، وعلى جبريل السلامُ.

عام الحزن:

شاءت السماء أن تمتحن هذا القلب الكبير، وقد امتحنته مرات ومرات، ولكن هذه المرّة في زوجته التي أبت إلاّ أن تعيش كبيرة وتموت كبيرة، والتي كانت له وزيرَ صدق على الإسلام(۳)، وكانت شريكته في حياته كلّها، في دعوته، وفي تبليغه لها، وفي جهاده وتضحياته.

لقد رحلت عنه في السنة العاشرة من البعثة النبوية، ودفنت في مقبرة الحجون بمكّة بعد أن رحل قبلها ـ بشهور على قول وبأيام على قول آخر ـ عمّه أبو طالب الذي كان له عضداً وحرزاً في أمره، ومنعة وناصراً على قومه.

لقد رحلت هذه المرأة العظيمة، لتنتهي برحيلها ورحيل أبي طالب العم المدافع والمحامي القوي أولى مراحل رسالة السماء، التي شكلت الفترة المكّية الأولى بكلّ آلامها وأحداثها، كما كانت الفترة التأسيسية لهذه الرسالة المباركة، وكان لوجوديهما المباركين الأثر العظيم في تشكيل تلك المرحلة التي دامت قرابة عشر سنوات وفي بقائها واستمرارها وثباتها.

لقد رحلت هذه السيدة المباركة، بعد أن وصل نداء الإسلام الحبشة، وتجاوز صداه بقاع الحجاز، وبعد أن حملته قلوب صادقة ونفوس مضحية، وأياد قوية…

رحلت هذه السيدة الجليلة، وغابت عن دنياه، ولكنها لم ترحل عن قلبه النابض بمواقفها الصادقة.

رحلت هذه المرأة المباركة ولكنها ظلت ماثلة دائماً أمامه، ولم ينس ذكراها أو يتأس عنها، أو يدخل قلبه غيرها، أو يحتل مكانها منه، بل ولم تستطع أيّ واحدة من نسائه ـ مهما بذلت من جهد ـ أن تبعد طيفها عنه (ص)، وهو الذي ما فتئ يذكرها، وكان ذكره لها يثير غيرة بعض نسائه، وكانت أشدهن غيرة أمّ المؤمنين عائشة، فبذلت ما تستطيعه من أجل أن تنسيه ذلك الطيف الجميل وتلك الذكرى العطرة، أو أن تخمد أو على الأقل تخفّف ذلك من قلبه فما استطاعت، مع أنها كانت في مطلع صباها ونضارة شبابها..

فسلامٌ على خديجة في الخالدين

الكاتب: مجلة الميقات، محمد سليمان