المتفرقة » المقالات » السيرة »

أنين العاشقين

تنازعنا معاشر المسلمين على مسائل الخلاف في الداخل ففرق اعداء الاسلام في الخارج كلمتنا من حيث لا نشعر، وضعفنا عن الدفاع عن بلادنا، وسيطر الاعداء علينا، وقد قال سبحانه وتعالى: [واطيعوا الله ورسوله ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم] (الانفال/۴۶)
وينبغي لنا اليوم وفي كل يوم ان نرجع الى الكتاب والسنة في ما اختلفنا فيه ونوحد كلمتنا حولهما، كما قال تعالى [فان تنازعتم في شيء فردوه الى الله والرسول] (النساء/۵۹).
وفي هذه السلسلة من البحوث نرجع الى الكتاب والسنة ونستنبط منها ما ينير لنا السبيل في مسائل الخلاف، فتكون بإذنه تعالى وسيلة لتوحيد كلمتنا.
كـان الناس في مكة ضحوة الثامن من ذي الحجة عام (۶۰هـ) بين غاد ورائح، وصامت وصائح، وكانت النياق تحمل الماء من مكة إلى عرفة، استعداداً ليوم الموقف في عرفات، كان الناس ـ يا سيدي ـ تلك الايام في شغل شاغل عندما عزمت الرحيل طالبا اصلاح ماتصدع في دين جدك رسول الله (ص) لتفارق مكة في يوم التروية المشهود.

ولعمري انك كنت تعلم ان يوم تروية آخر سيكون لك .. لكن غير ما عهده الحجيج، عندما تروي تراب كربلاء بدم القلب والنحر وجراحات الجسد الشريف. ولتقبض بيدك تلك الدماء الغالية وتقذفها نحو السماء ولسان حالك يقول يارب ان كان هذا يرضيك فخذ حتى ترضى..
وعزمت ـ يا سيدي ـ على نحر أضحيتك، ليس في منى في اليوم العاشر من ذي الحجة، بل ستقدّم نفسك اضحية، قتلت في العاشر من المحرم عام (۶۱هـ) آلافاً من المرّات. سيكون لك ـ يا سيدي ـ حج آخر ، ما استطاع أحد غيرك إليه سبيلاً. وكان الشوق إلى الأسلاف الذين سبقوا إلى لقاء الله شوقاً طافحاً، وكان للعشق ـ يا سيدي ـ سلطان لا يقاوم.. وسمع الناس صوتك المحمدي، وهو يلهج بالأشواق الموارة الفوارة، ما أولهني إلى اسلافي، اشتياق يعقوب إلى يوسف لقد كنت ـ يا سيدي ـ تحث الخطى ، وتندفع إلى الأمام، وكل يوم كان يمر كانت المسافة الزمنية تقصر بينك وبين مذبح العشق العظيم. حتى غرست هذا العشق في نفوس الأجيال يتوارثوها وجعلت نفسك الباب الذي يفتح بوجه العشاق إلى الله المعشوق الأزلي فصرت صرخة تدوي على أزمنة التأريخ بوجه الظلمة والسلطة السياسية التي أخذت التاريخ تحت تصرفها وصار محبوك سلوكهم وذوبانهم فيك سراً لا يمكن احاطة تفسيره الا من جرب عشق مبادئك الإلهية.
فانتم سيدي يابا عبد الله العاشق الأكبر المتفرد حيث انتم الذين اختزلتهم الأزمنة كلها في ليلة واختصرتم الأمكنة كلها في بقعة لتعرج من العوالم كلها نحو الله. كنت سيدي تختبر رجالك الذين اختاروا ان يرافقوك وتنظر الأجيال المحبة لك إلى هذا الاختبار وإذ قلت لهم في أكثر من موقف اني ذاهب إلى القتل وكلهم آذان صاغية لما تروم له.. وقلت لهم لن تعودوا إلا جثثاً مقطوعة الرؤوس وعندهم علم عن نطق المعصوم ماذا يعني؟ وقلت لهم من اراد الانصراف إلى هذه الدنيا العريضة فليذهب غير آثم فإني عازم على ملاقاة المصير، حيث خط الموت على ولد آدم مخط القلادة على جيد الفتاة إلى ان قلت لهم خير لي مصرع انا لاقيه. فانتفضوا بعراضةٍ ثابتين مدركين ما قلت لهم فعبروا بجنونهم فيك وفضلوا لو قتلوا الف مرة وذروا لما تركوك.
إذ ان هؤلاء الرجال كانوا ذوي بصائر اوفياء … حتى قلت عنهم إني قد بلوتهم فوجدتهم يستأنسون بالمنية دوني كأستئناس الرضيع بثدي أمه فعشقهم علامة لنقاء التوحيد. سيدي ماذا اقول في بقعة معصوم اختارها وجاده الوصول لها ما اقدسها فما اسعدك من جادة انطبعت عليها خطوات شفيفة رقيقة رشيقة دونها مطامح القديسين وغاية اولياء الله، وما اوفر نصيبك من النور يا طريق كربلاء فان دم القلب كان يمتزج بالحب السماوي ويمتزج بالألم المقدس ويقطر … يقطر … يقطر في طريق عشقك العظيم محراب عباده وإذا كل قطرة عطّرت الرمل هي باب للأبدية والخلود وما مسير السبايا فيك اياها الطريق في كل خطوة لهم ارجوزة وهتاف تردد عبر الأجيال ليذكر التاريخ بان هاهنا قتلت العبرات ونزفت القلوب والتحقت الأرواح ببارئها، وبهذا الطريق قد خط الله لأقدام السبايا في اللوح المحفوظ بان لكل موضع قدم سوف يتحول إلى اسفين لمأتم او عزاء او أحياء لشعائر الله فإن جذوتك التي أوقدتها في قلوب المؤمنين متقدة إلى يومنا هذا وان ساحة حربك لم يسكن غبارها فالسيوف مكسرة وبقايا اجساد منثورة وصبغة على كل الأرض حمراء ورائحة دم تغمر اعماق الملكوت وان ناراً ما تزال تتلذذ بالتهام الخيام وان اصواتاً مفزوعة مفجوعة ما يزال شررها يتطاير من حناجر اراملكم والأيتام من محبيكم.
فهذا الزحف الحسيني السنوي الخالد باتجاه بقعتك في اربعينيتك يعبر عن ذلك السر الذي احييت الأمة باستشهادك لبقاء اصالة هذا الدين وخلوده اذ بسيرتكم (سيدي) ومآثركم تفيض النفوس بالخير والهدى ففيها الدروس الحية والعظات البالغة التي تبعث على الاستقامة والتوازن في السلوك وهي من اثمن ما يطلبه الزاحفون لك لهذا عبرو عن اصرارهم بالأرجوزة الباقية:ـ
لو قطعوا أرجلنا واليدين
نأتيك زحفاً سيدي يا حسين
فنظرةً سيدي منك لهم فانهم أيتامك وفاقديك وقاصديك لنيل شفاعتك لمالك منزلة عند الله فقد اعطيت ما عندك لله، فحقاً على الله ان يعطيك ما اردت.

الکاتب: محمد أبو الريحة