أهل البيت(ع) في الوجدان الشعبي السوداني

أهل البيت(عليهم السلام) في الوجدان الشعبي السوداني

انتشر حب آل البيت عليهم السّلام في الأوساط الأفريقية منذ ظهور الإسلام فيها، وزاده الحكم الفاطمي الذي امتد إلى أمكنة واسعة من افريقيا والمغرب العربي صلابة وقوة ما يزال أثرها حتى الوقت الحاضر. بالاضافة إلى ذلك عاشت وما برحت حتى الآن طرق صوفية متعددة، ينظر أتباعها إلى علي وأهل بيته عليهم السّلام نظرة خاصة من التقديس والولاء، بل تنتهي طرقهم كلها بعلي من خلال سلسلة معروفة من السند لرجالهم.

وعرف السودان ألواناً من أدب التصوف الإسلامي لا سيما قبل الثورة المهدية، فقد انتشرت الطرق الصوفية في جميع أنحاء السودان، وشاعت فنون المدائح النبوية الشعبية والمدائح التي كانت تمجد آل البيت ومن ينتسب إليهم من مشائخ الطرق. ولهؤلاء المشائخ أنفسهم قصائد يسمونها « لسان الحضرة »، يذكرون فيها الهبات التي أكرمهم الله بها. ولهذه القصائد ألحان تُوقّع على حركات الذكر، كما رافقت بعض آلات الموسيقى مثل ( الطار ) والطبل والصنج.

وكان شعراء المدائح الشعبية من المتصوفين ينظمون قصائدهم باللغة العامية، وقليل من مشائخ الطرق الصوفية من كان ينظم مدائحه باللغة العربية الفصحى.

ولكل قبيلة من قبائل السودان لغتها ولهجتها الخاصة؛ ففي شمال السودان تكاد تكون اللغة العامية متحدة إذا تجاوزنا بعض القبائل، وفي شرقه تتّحد اللغة وهي البجاوية، وفي الغرب تكاد تكون متقاربة ما عدا بعض قبائل دارفور وجبال النوبة. وكثيراً ما تختلف اللهجات في الجنوب. وهذه شواهد من الشعر الشعبي السوداني في الإمام علي عليه السّلام، فمنه قول محمد الحاج العاقب ( 1704 ـ 1779 م ):

يا حليـل البتـولْ                أم الحسين وحسنْ

محتسب الجميـعْ               فيكم بدور عشمان

وقول حاج الماحي ( 1794 ـ 1869 م ):

( الـكـرّار عـلي ) لـما بـيلفا           قَـزْ فـي الـريشة حـالِف حَلْفَا

الـطـير فــي وِلادْ الـغَّـلْفَـه             إلاّ مـــن الـكـبود يـتـكفـا

اسـمع يـا خُوي قول ابن طالبْ        رابـع الـخلافة الكان امره غالبْ

تـابـع نـبـيّه دايـماً مـراقبْ             بـالنسبه لِـيـه وُدْ عَـم أقـاربْ

قَـلُبو بِـيريد وحابو وبيه عاجبْ       فــارس الـمشارق والـمغاربْ

حينْ شدَّ قارَحُوُ في غيد وضارب    على شال محارب لينحو تو كاربْ

قَـبَّل ( مخارق ) فَزْ مِنُـو هارب      كم جاب عزيزاً بي حِيلتـو ساربْ

قـتلو وعـقا بـوخـلاه سـارب          انـصـتوا قـولي يـا مـسلمينا

بـردف كـلامو الـكرار عـلينا          بـاب الـمدينة الـيعجِبْ نـبينـا

أبــو الـحسين فـارس حُـنينا            اسـدَ الـكمينا الـكر فـي اليَمينا

شـايل الـسنينا لـلروس يـهينا       الـكـافـرين دقّــقْ طـحـينا

كـم جـاب لـعيناً مقبوضْ مَهينا  الـروم تـهاها وطـشش جـنينا

وقال المرحوم أحمد وُدْ سعد ( 1830 ـ 1919 م ):

هاك يا مادحو غَنْ             فـوق أبي الحسنْ

فوق أبو الحسيـنْ              فوق أبو الحسيـنْ

ذو القرض الحسنْ             سيدي أبي الحسنْ

قــوي الـنسبْ          سيدي أبو الحسنْ

قـلب أبو الحسنْ       ماغابْ في الوَسَنْ

شَـدُّو لُو ورِكِب        خِـيلُو عَز كسـنْ

شـامل الـسنيـن   مـا بـدور لوِسَنْ

ألـسـنَ الأعـدا          مِـنّـو كـسكسنْ

خـافَـنْ مِـلـنُّه           قـلُو بُـم سَوَّسنْ

لـي خـيبر فَتَح         كَـسَّـر الـوثنْ

جـابُن بـالشعب     جـابُنْ بـالرَّسَنْ

وله أيضاً:

يـا سـادة السبطينْ              الـحسن والـحسينْ

يـا بـدور الـدين                يـا الأتـقيا الكِسينْ

يـا سـليل هـذين                يـا زيـن العابدينْ

يـا سِتّي ( فاطمة )            يـا بـضعة الأمينْ

يـا سِتّي ( زينب )             يا نضرة المسكينْ (1)

ومن الأدباء المعاصرين من جمهورية السودان الدكتور عبدالله الطيب، عمل مدرساً في كلية الآداب جامعة بغداد. ونظم هذه القصيدة بمناسبة زيارته لكربلاء عام 1387 هـ ـ 1968 م. عنوان القصيدة « وقفة عند الحسين ».

وقفة عند الحسين (2)

وقـفت بـكربلاء فـسال دمعي         على السبط المُحَلأ في السَّمومِ (3)

وقـد دَلَـفتُ قَـنا مُـضَرٍ إليـهِ            صَواديَ وهو كالنُّسُكِ العظيـمِ (4)

حِــرارُ شِـفـارِهنَّ مُـرنَّقاتٌ            إلـى حَرّانَ من دمهِ العصميمِ (5)

إذا جـسـد الإلـه دنـا فـويلٌ             لـه مـن مـنطق البشرِ السّـؤو

فـمِن خُـلقِ الـبريَّةِ أن تَشهّـى          إحـالة ذي الـجمالِ إلـى دميمِ

وأكـثرُ حـبِّ هـذا الناس ثَوبٌ          مـن الـشهوات والشَّرَهِ الجحيمِ

ومـن يُـظلَمْ يُـضمُّ الصدرُ منه         عـلى غـيظٍ كـألسنةِ الـجحيمِ

وكـان الـزهدُ أفـضلَ ما حواهُ         كـتابُ أُولى التجاربِ من علومِ

وبـالنجفِ الـنبيل أبـو تـرابٍ           أخـو الـجُلَّى أبو الزُّهر النجومِ

عـزاءُ النفس في حَلَكِ المساعي          وصَـيْر الـمستجير إلـى ظلومِ

وورد في كتب الشريف يوسف الهندي ـ من شعراء السودان ـ ضمن مؤلفاته النثرية، مجموعة من قصائده، نذكر قصيدة منها:

وفي قصيدة ثانية له جاء:

هذا طريقي وذا سبيلي     وذا هُدايَ وهذا مشربي

هـذه سكّتي قديمة بها          جُـدودي مضوا لربّي

مـنهم عليٌّ كذا حسينٌ          كـذا عليٌّ وأهل سِربِ

كـذاك باقر وثم صادق      وكـاظم الغيظ يا عرب

كـذا تـقيٌّ كـذا نقيٌّ             كذا جوادٌ وهاء لن لب

كذا الرضي ابنهم عليٌّ       ومن له البئرُ دان شرب

وفي قصيدة له ثالثة جاء عن أهل البيت عليهم السّلام:

سـفن الـنجاة لـلملأ    بشهادة النص الأتمْ

هـم الـنُّهي هم البَها   هم التقى أهل الشِّيَمْ

هـم الشفاعة في غدٍ   هم السقاية في المُلِمّ

هم الهداية حاضرة      والنور والقصد الأعمّ

الطيبون الطاهرون     من سوء أرجاس اللَّمَمْ

ولا يخفى على ذوي الألباب الإشارات البليغة من حذف الشاعر للصفات وأسماء الفاعل وإثبات المصادر والأسماء بدلاً عنها.

كما لا يخفى اعتقاد الشاعر الكامل بعصمة أهل البيت عليهم السّلام عن اللمم فضلاً عن غيرها من الذنوب والكبائر، وذلك واضح في قوله:

الطاهرون من سوء أرجاس اللَّمَمْ

وغير هذه الأبيات عند الشاعر الكبير في مدح أهل البيت عليهم السّلام وشعر المداح السوداني غني بمدح أهل البيت وإبراز مقامهم الرفيع عليهم السّلام (6).

وهنالك الكثير من شعراء الصوفية الذين تخصصوا في مدح آل البيت عليهم السّلام، وهذا أحدهم يسمى البرعي ومعروف في السودان يقول:

هـم أهـل البيت الواضح سرهـم               زُرْهُـم بـمحبة لـتنال من برهـم

سـيدي الـحسين الـثائر دُرّهـم          وعـلي زيـن الـعابدين حَـبرُهم

جعفرنا الصادق مع موسى صدرُهُم          أسـتاذنا الـباقر في العلم بحرُهم

المصدر: (الشيعة في شمال افريقيا: جاسم عثمان مرغى ص 25 ـ 30، مؤسسة البلاغ، بيروت، الطبعة الأولى 1425 هـ / 2004 م)