اهل-بيت

أهل البيت في الشعر المسيحي

أن يكتب شاعرٌ مسيحي شعراً في أهل البيت النبويّ الشريف عليهم السلام، وأن يتحدّث عن بعض المفردات التاريخية التي تُحرِّك الجدل في كثير من خطوطها العامة والتفصيلية، ليكون له رأيٌ فيها على أساسٍ تاريخيٍّ فكري.. أن يفعل ذلك كلَّه في حركة الثقافة في الوجدان، وفي انطلاقة الوجدان في الشعر، قد يكون شيئاً لا يتقبّله بعض الناس الذين اعتادوا أن يكون التاريخ الإسلامي خصوصيّةً للمسلمين، والتاريخ المسيحي خصوصيّةً للمسيحيين، فليس لأيّ مسيحيٍّ أن يعالج شأناً إسلامياً في قضايا الفكر ووقائع التاريخ، وليس لأيّ مسلم أن يمارس ذلك أيضاً في الشأن المسيحي.

ولكن المسيحيَّ قد يعيش الإسلام حضارةً وروحاً وحركةً وإنسانيّة، إذا لم يَعِشه في حالة انتماء، وقد يعيش المسلم المسيحية في عناصرها القيمية الأصيلة رسالةً يؤمن بها ويلتزمها ويخشع لها في شخصية السيّد المسيح، الرسول الإنسان الذي هو رُوح الله وكلمته التي ألقاها إلى مريم، السيدة الطاهرة التي اصطفاها الله على نساء العالمين، و « كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقًا قَالَ يَا مَريَمُ أَنَى لَكِ هَذا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ اللهِ إِنَّ اللهَ يَرزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ » [ آل عمران: 37 ].

إنّ الحقيقة لا حدود لها في الإنسان ـ الفكر في حركتها الفكرية، وفي الإنسان الروح في امتدادها الروحي، والمعرفة إرث الإنسانيّة، في كلّ عطاءات الحياة المثقفة في ساحة الحوار وحركيّة الصراع..

إننا نتصوّر أنّ للمسيحي الحقَّ في أن يبحث القضايا الإسلامية التي يملك عناصرها المعرفية، فيعطي رأياً هنا وموقفاً هناك ممّا يمكن للآخرين أن يناقشوه فيه من دون عقدة، وللمسلم الحقّ في أن يبحث القضايا المسيحية ليحدد اتّجاه الرأي فيه، ممّا قد يتحرك الرأي الآخر نحوه في عملية مناقشةٍ وحوار.

قال الشاعر بولس سلامة:

ورُبَّ معترضٍ قال: ما بال هذا المسيحي يتصدى لملحة إسلامية بحتة ؟ أجَل، إنني مسيحي، ولكنّ التاريخ مشاع للعالمين.

أجل إنّي مسيحيٌّ ينظر من أفق رحب لا من كُوّةٍ ضيّقة، فيرى في غاندي الوثنيّ قدّيساً، مسيحي يرى ( الخَلق كلَّهم عيال الله )، ويرى أنْ ( لا فضلَ لعربيٍّ على أعجميٍّ إلاّ بالتقوى ).

مسيحيٌّ ينحني أمام عظمة رجلٍ يهتف باسمه مئاتُ الملايين من الناس [ أي النبيّ المصطفى صلّى الله عليه وآله ]، رجلٍ ليس في مواليد حواء أعظمُ منه شأناً، وأبعد أثَراً، وأخلد ذِكراً، رجلٍ أطلّ من غياهب الجاهلية فأطلت معه دنيا أظلَّها بلواءٍ مجيد، كُتب عليه بأحرف من نور: لا إله إلاَّ الله! الله أكبر!

قد يقول قائل: ولِمَ آثرتَ عليّاً عليه السلام دون سواه من أصحاب محمّدٍ صلّى الله عليه وآله بهذه الملحمة ؟ ولا أجيب على هذا السؤال إلاّ بكلمات، فالملحمة كلّها جواب عليه، وسترى في سياقها بعض عظمة الرجل الذي يذكره المسلمون فيقولون: ( رضيَ الله عنه، وكرّم الله وجهَه، وعليه السلام )، ويذكره النصارى في مجالسهم فيتمثّلون بحِكَمه ويخشعون لتقواه، ويتمثّل به الزهّاد في الصوامع فيزدادون زهداً وقُنوتاً، وينظر إليه المفكّر فيستضيء بهذا القطب الوضّاء، ويتطلع إليه الكاتب الألمعيّ فيأتمّ ببيانه، ويعتمده الفقيه المدرك فيسترشد بأحكامه.

أمّا الخطيب، فحَسْبه أن يقفَ على السفح، ويرفعَ الرأس إلى هذا الطَّود، لتنهلّ عليه الآيات من عَلُ، وينطلق لسانه بالكلام العربيِّ المبين الذي رسّخ قواعدَه أبو الحسن، إذ دفعها الى أبي الأسود الدُّؤَليّ فقال له: أُنْحُ هذا النَّحْو. وكان علم النحو.

ويقرأ الجبان سيرة عليٍّ عليه السلام فتهدر في صدره النخوة وتستهويه البطولة، إذ لم تشهد الغبراء، ولم تَظِلَّ السماء، أشجعَ منِ ابن أبي طالب، فعلى ذلك الساعد الأجدل اعتمد الإسلام يومَ كان وليداً، فعليٌّ عليه السلام هو بطل: بدرٍ وخيبر والخندق وحُنَين ووادي الرمل والطائف واليمن، وهو المنتصر في: صِفِّين، ويوم الجمل، والنهروان، والدافع عن الرسول يوم أُحد، وهو قَيدوم السرايا ولواء المغازي.

وأعجبُ من بطولته الجسدية بطولتُه النفسيّة، فلم يُرَ أصبرُ منه على المكاره، إذ كانت حياته موصولةَ الآلام منذ فتح عينَيه على النور في الكعبة حتّى أغمضَهما على الحقّ في مسجد الكوفة.

وبعد، فَلِم تُسائِلُني بأبي الحسن ؟ أوَ لَم تَقم في خلال العصور فئات من الناس تُؤلّه الرجل ؟ ولا ريب أنّها الضلالة الكبرى، ولكنّها ضلالة تَدلُّك على الحقّ، إذ تدلّك على مبلغ افتتان الناس بهذه الشخصيّة العظمى.

ولم يستطع خصوم عليٍّ عليه السلام أن يأخذوا عليه مَأخذاً، فاتّهَموه بالتشدّد في إحقاق الحقّ، أي إنّهم شَكَوا كثرة فضله فأرادوه دنيويّاً يماري ويداري، وأراد نفسه رَوحانياً رفيعاً يستميت في سبيل العدل، لا تأخذه في سبيل الله هوادة. وإنما الغضبة للحقّ ثورة النفوس القدسيّة التي يؤلمها أن ترى عِوَجاً، أوَ لم يغضب السيد المسيح وهو الذروة في الوداعة والحِلم، يومَ دخل الهيكل فوجد فيه باعةَ الحَمام والصيارف المُرابين، فأخذ بيده السوط وقلب موائدهم وطردهم قائلاً: بيتي بيت الصلاة يُدعى، وأنتم جعلتموه مغارةً للصوص!

بقي لك بعد هذا أن تحسَبَني شيعيّاً، فإذا كان التشيّع تنقّصاً لأشخاص أو بغضاً لفئات، أو تهوّراً في المزالق الخطرة، فلستُ كذلك. أمّا إذا كان التشيّع حبّاً لعلّي عليه السلام وأهل البيت الطيّبين الأكرمين، وثورةً على الظلم وتوجّعاً لِِما حلّ بالحسين عليه السلام وما نزل بأولاده من النكبات في مطاوي التاريخ، فإنني شيعيّ.

فيا أبا الحسن، ماذا أقول فيك وقد قال الكُتّاب في المتنبي: إنّه مالئُ الدنيا وشاغل الناس، وإن هو إلاّ شاعر له حفنة من الدُّرّ إزاء تلالٍ من الحجارة! وما شخصيّته حيال عظمتك إلاّ مَدَرَة على النيل خجلى مِن عظمة الأهرام.

حقّاً، إنّ البيان لَيَسِفّ، وإنّ شِعري لَحصاة في ساحلك يا أميرَ الكلام، ولكنّها حصاة مخضوبة بدم الحسين عليه السلام الغالي، فتقبّل هذه الملحمة، وانظر من رفارف الخُلد إلى عاجزٍ شرّف قلمَه بذِكرك.

وقال الوزير الشاعر جوزيف الهاشم:

مَن تعرّف إلى شخصيّة الإمام عليّ استهوَتْه، ومَنِ استهوته أثّرت فيه، ومَن أثّرت فيه اقتدى بها، ومَن اقتدى بها أصلح نفسه، ومَن أصلح نفسه تصالح مع الآخرين.

ومَن قرأ « نهج البلاغة » أُعجِب بعليّ، ومَن أُعجب به أَحبَّه، ومَن أحبَّه تقرّب منه، ومَن تقرّب منه التقى معه، ومَن التقى معه تلاقى مع سائر الأديان والناس.

لعلّ الذين يجهلون الإمام، أو يتجاهلونه، يتّهموننا، ونحن نعظّمه، بالمغالاة أو بالإفراط العاطفيّ.

وأيّ جواب أحجى مِن أن نوجّه إليهم الدعوة ليتشرّفوا بالتعرّف إليه، ليقرؤوه، يسمعوه، يُواكبوه ويعيشوا سيرته وجهاده ومآثره وخصائصه وأفعاله وأقواله.

هل نكرّمه نحن، وكأنّما نسدي إليه خدمة ؟

وأيّ صفة نضيف إلى صفات كماله ؟! وما هو قَدْر التكريم الذي نُضْفيه عليه نحن، وهو الذي كرّم الله وجهه ؟

والإمام وحده يكره « أن يجول في ظنّنا أنّه يُحِبّ الإطراء »، والإصغاء إلى الثناء، ويكره ـ تواضعاً ـ « أن نكلّمه بما تُكَلَّمُ به الجبابرة ».

نحن في حاجة مُلِحّة إلى تلمّس دربه لنكرّم بشريّتنا به، وإلى استلهام الروحانيّة التي فيه، لتحطيمِ الوثنيّة التي فينا، ونبذِ عبادة الحَجَر، وآلهة اللَّحم، وآلهة الذهب…

نحن ما زلنا عن عصره متخلّفين، وهو متقدم علينا في عصرنا، وعلى الفلاسفة والإنسانيّين والمصلحين والصالحين.

نحن، عنه متخلّفون، بحضارتنا وإنسانيّتنا، وعدالتنا وسياستنا، وثقافتنا وأدائنا وأدياننا.

أيُّ نظام عالمي جديد يدعو إليه النظاميّون المتجدّدون، إلاّ ذاك الذي يصنّع النفس الإنسانية سلعةً ماديّة، ويسخّر طاقات الإنسان لأغراض النظام ؟

النظام العالمّي القديم ـ الجديد، هو الذي يربط النفس البشريّة بعلاقةٍ حميمةٍ مع الله، لتسمو في تطورها الارتقائيّ إلى تحصيل « السعادتَين »، وهو الذي ناضل من أجله الإمام ساعداً ولساناً وقدوةً واستشهاداً، فإذا هو ثورة إنسانيّة وهّاجة، تحدّد غاية الإنسان جوهراً وروحاً وقيماً وكياناً وكينونة، وتستمرّ امتداداً حيويّاً مع كلّ زمان وجيل ومكان، وقل: إلى يوم يُبعَثون. نحن عرفنا الإمام فغنّيناه، وتغنّينا به، لنغنّي، ويا ليتَهم كلَّهم، يقرؤونه ويغتنون.

الكاتب: الدكتور رائف يونس المجيد