أيُّها الإنسان

ما هو شعورك لو انكشف لك أنَّ هناك مَنْ ينتظرك بفارغ الصبر منذ زمنٍ طويلٍ لعهدٍ كان بينكما، نسيته ولم ينسَه، فظلّ ينتظرك حيناً بعد حين، ويوماً بعد يوم، يترقب ذلك اليوم الذي تتذكر فيه ميعادك، وعهدك الذي عاهدته به، وتعود إليه فيأنس بلقائك، وتأنس بلقائه، ِلمَا ينكشف لك حينه بأنَّه صاحب الفضل العظيم عليك في كل ما وصلت إليه من كمالات جسدية، وفكرية، وروحية، حيث كان يقف وراء تربيتك وإعانتك في جميع أمورك الشخصية، والاجتماعية، الضرورية منها وغير الضرورية، وكان يساعد أبويك ويحثّهما على الاهتمام بك غاية الإهتمام، ويعينهما في كل صغيرةٍ وكبيرةٍ من أجل أن تصل إلى غايتك وكمالك المنشودين، وقد فتح لك باب الطلب والسؤال منه متى وأنى شئت ليقضي حوائجك التي تصب في صالحك، ومع ذلك كلّه، كنتَ غافلاً عنه وغير ملتفتٍ إليه، ومعرضاً عنه في أكثر أوقاتك وساعاتك، فلم يمنعه ذلك من إسداء الخير عليك لأنه جوادٌ كريمٌ. (۱)

أليس انكشاف هذا الأمر موجباً لخجلك، وتأسّفك وتألّمك لغفلتك، وإعراضك عنه؟

وما شعورك لو انكشف لك أنَّ هذا المنتظر، والمشتاق هو الله تعالى خالق الخلق، الرحمن الرحيم، اللطيف الودود، الذي خلق الأرض وما فيها من أجلك أنت دون غيرك من المخلوقات، قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (۲).

نعم، إنّ كل ما تراه وما لا تراه عيناك هو من أجلي ومن أجلك، وما هذا الخلق العظيم المتنوع إلا تجليات حبّه لنا، وشدّة اهتمامه بنا، ففي الحديث القدسي الشريف: ” عبدي خلقتُ الأشياء لأجلك وخلقتُك لأجلي، وهبتُك الدنيا بالإحسان والآخرة بالإيمان “.(۳)

أليس هذا الاهتمام الإلهي البالغ لنا يجعلنا نصرخ بأعلى أصواتنا معتذرين نادمين لهذا الجفاء، صارخين: إلهي العفو..

ونقول بلسان الحال والمقال:

إلهي ” تتحببُ إلينا بالنعم ونعارضك بالذنوب، خيرك إلينا نازل وشرّنا إليك صاعد، ولم يزل ولا يزال ملك كريم يأتيك عنّا بعملٍ قبيح فلا يمنعك ذلك أنْ تحوطنا بنعمك، وتتفضل علينا بآلائك، فسبحانك ما أحلمك وأعظمك وأكرمك مبدئاً ومعيداً “.(۴)

ولكي يتجلى لك مدى اهتمام الله تعالى بنا وحبّه لنا، نشير إلى بعض ما ورد في القرآن الكريم، والسنة الشريفة مما أسدى علينا من النعم والخيرات، عسى أنْ نستيقظ من هذا السُبات، ونستحي من هذا الجفاء والاهمال.

أ- القرآن الكريم

صرَّح القرآن الكريم في آيات كثيرة، وبألسن متعددة إلى أنّ الهدف من خلق كل ما في عالم الإمكان من السماوات وما فيها من النجوم، والكواكب، والسحاب، ومن الأرض وما فيها من البحار، والرمال، والخيرات هو الإنسان، ومسخرةٌ لخدمته وراحته، وهذا إنْ دلَّ على شيء فإنَّه يدل على مدى حبّه لهذا المخلوق وعظمة مقامه ومنزلته عند ربّه ربّ العزّة والجلال، ونحن نذكر بعض تلك الآيات ليتجلى بوضوح مقامك ومكانتك عند الباري جلّ وعلا:

قال تعالى: ﴿اللّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَّكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الأَنْهَارَ وَسَخَّر لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَآئِبَينَ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَآتَاكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ اللّهِ لاَ تُحْصُوهَا إِنَّ الإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾(۵).

قال تعالى:﴿ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشاً وَالسَّمَاء بِنَاء وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَّكُمْ فَلاَ تَجْعَلُواْ لِلّهِ أَندَاداً وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾(۶).

قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن سُلَالَةٍ مِّن طِينٍ ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾(۷).

وقال تعالى: ﴿ الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ وَالَّذِي أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ ﴾(۸).

وقال تعالى:﴿ وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنتُم بَشَرٌ تَنتَشِرُونَ وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّلْعَالِمِينَ وَمِنْ آيَاتِهِ مَنَامُكُم بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَابْتِغَاؤُكُم مِّن فَضْلِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَسْمَعُونَ وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاء مَاء فَيُحْيِي بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ وَمِنْ آيَاتِهِ أَن تَقُومَ السَّمَاء وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِّنَ الْأَرْضِ إِذَا أَنتُمْ تَخْرُجُونَ وَلَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَّهُ قَانِتُونَ وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ضَرَبَ لَكُم مَّثَلًا مِنْ أَنفُسِكُمْ هَل لَّكُم مِّن مَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم مِّن شُرَكَاء فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنتُمْ فِيهِ سَوَاء تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنفُسَكُمْ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾(۹).

يا خليفة الله، هل تعلم إنَّ منشأ سرد هذه النعم الإلهية في القرآن الكريم هو لإرشادك إلى خالقك وبارئك، ولتسلك طريق الكمال والتعالي، وتجتنب طريق الانحطاط والمعاصي ؟

وهل تعلم أنَّ هدف بعث الأنبياء والرسل هو إيجاد العلاقة والصلة بينك وبين خالقك ؟ وإيصال المحب إلى محبوبه الحقيقي الذي ضللتَ عنه سنين، وهو بانتظار عودتك ؟

وإنَّ هذا- وهو إيجاد علاقة بينك وبين خالقك – يترتب عليه أفضل جزاء للأنبياء عليهم السلام، وهو أفضل لهم من عبادة مائة سنة، بصيام نهارها وقيام ليلها، كما في الخبر أنَّه أوحى الله تعالى إلى موسى عليه السلام:

حبِّبني إلى خلقي وحبِّب خلقي إليّ.

قال: يا رب، كيف أفعل ؟

قال: ذكرهم آلائي ونعمائي ليحبُّوني، فلئن تردَّ آبقاً عن بابي، أو ضالاً عن فنائي، أفضل لك من عبادة مائة سنة، بصيام نهارها وقيام ليلها.

قال موسى(ع): ومَن هذا العبد الآبق منك ؟

قال: العاصي المتمرِّد.

قال: فمَن الضال عن فنائك ؟

قال: الجاهل بإمام زمانه تُعرِّفه، والغائب عنه بعد ما عرفه الجاهل بشريعة دينه، تعرِّفه شريعته، وما يعبد به ربَّه، ويتوصل به إلى مرضاته،(۱۰)

وعن رسول الله (ص): قال الله عزّ وجلّ لداود (ع):

” أحببني، وحببني إلى خلقي.

قال: يا رب، نعم أنا أُحبُّك، فكيف أُحبِبُك إلى خلقك ؟

قال: اذكر أياديَّ عندهم، فإنّك إذا ذكرت لهم ذلك أحبُّوني “.(۱۱)

وفي رواية أخرى عن أبي جعفر عليه السلام قال: ” أوحى الله تعالى إلى موسى (ع): أحببني وحببني إلى خلقي.

قال موسى: يا رب، إنك لتعلم أنه ليس أحد أحب إلي منك، فكيف لي بقلوب العباد ؟ فأوحى الله إليه: فذكرهم نعمتي وآلائي فإنَّهم لا يذكرون منّي إلا خيراً “. (۱۲)

ب – الروايات الشريفة

إنَّ الأنبياء والأئمة عليهم السلام قاموا بتطبيق الأمر الإلهي بإظهار النعم الإلهية على العباد، وأشاروا وأرشدوا إلى الأسرار الكامنة في خلق الإنسان وكذا في عالم الإمكان، وما فيه من إتقان وإحكام، لعلَّ هذا الإنسان يتأثر أو يخجل من مولاه، مما يرى من سوابغ نعم الله تعالى عليه، فينفض عن نفسه غبار الكسل والخمول، ويسعى جاهدًا في كسب مرضاة الله تعالى فينال بذلك سعادة الدنيا والآخرة، ويحضى بالقرب والأنس الإلهي، الذي هو غاية آمال العارفين.

ومن هنا نجد أنَّ الروايات أشارتْ إلى جوانب عدّة من عجائب خلق الأفلاك والإنسان، لذلك الهدف، وسنذكر هنا بعض مقتطفاتٍ من رواية المفضـّل بن عمر عن الإمام الصادق عليه السلام الدالة على عظمة هذا الإنسان الملكوتي:

عجائب الجنين

نبتدئ يا مفضل بذكر خلق الإنسان فاعتبر به، فأول ذلك ما يدبّر به الجنين في الرحم، وهو محجوب في ظلمات ثلاث: ظلمة البطن، وظلمة الرحم، وظلمة المشيمة، حيث لا حيلة عنده في طلب غذاء ولا دفع أذى، ولا استجلاب منفعة ولا دفع مضرّة، فإنَّه يجري إليه من دم الحيض ما يغذوه كما يغذوا الماء النبات فلا يزال ذلك غذاؤه حتى إذا كمل خلقه واستحكم بدنه، وقوي أديمه على مباشرة الهواء، وبصره على ملاقات الضياء، هاج الطلق بأُمه فأزعجه أشد إزعاج، وأعنفه حتى يولد..

اعتبر يا مفضل: فيما يدبّر به الإنسان في هذه الأحوال المختلفة، هل ترى يمكن أن يكون بالإهمال ؟ أفرأيت لو لم يجر إليه ذلك الدم وهو في الرحم، ألم يكن سيذوي ويجف كما يجف النبات إذا فقد الماء ؟ ولو لم يزعجه المخاض عند استحكامه ألم يكن سيبقى في الرحم كالموءود في الأرض؟.(۱۳)

عجائب المولود

وإذا وُلِدَ صُـرف ذلك الدم الذي كان يغذوه من دم أَُمِّه إلى ثدييها فانقلب الطعم واللون إلى ضرب آخر من الغذاء، وهو أشدّ موافقة للمولود من الدم فيوافيه في وقت حاجته إليه فحين يولد قد تلمظ وحرك شفتيه طلباً للرضاع، فهو يجد ثديي أمه كالأداوتين المعلقتين لحاجته إليه، فلا يزال يغتذي باللبن مادام رطب البدن، رقيق الأمعاء، ليِّن الأعضاء، حتى إذا تحرّك واحتاج إلى غذاء فيه صلابة ليشتدّ ويقوي بدنه طلعت له الطواحن من الأسنان والأضراس، ليمضغ به الطعام فيلين عليه، ويسهل له إساغته فلا يزال كذلك حتى يدرك..

ولو لم يوافقه اللبن مع ولادته ألم يكن سيموت جوعاً، أو يغتذي بغذاء لا يلائمه ولا يصلح عليه بدنه ؟ ولو لم تطلع عليه الأسنان في وقتها ألم يكن سيمتنع عليه مضغ الطعام وإساغته، أو يقيمه على الرضاع فلا يشدّ بدنه ولا يصلح لعمل ؟ ثم كان تشتغل أُمّه بنفسه عن تربية غيره من الأولاد، ولو لم يخرج الشعر في وجهه في وقته، ألم يكن سيبقى في هيئة الصبيان والنساء فلا ترى له جلالة ولا وقاراً ؟.

ولو كان المولود يولد فهماً عاقلاً لأنكر العالم عند ولادته ولبقي حيران تائه العقل إذا رأى ما لم يعرف، وورد عليه ما لم يرَ مثله من اختلاف صور العالم من البهائم والطير إلى غير ذلك مما يشاهده ساعةً بعد ساعةً ويوماً بعد يوم، واعتبر ذلك بأنَّ من سبي من بلد إلى بلد وهو عاقل يكون كالواله الحيران فلا يسرع في تعلم الكلام وقبول الأدب كما يسرع الذي يسبى صغيراً غير عاقل، ثم لو وُلد عاقلا ً، كان يجد غضاضة إذا رأى نفسه محمولاً مرضعاً، معصباً بالخرق، مسجى في المهد، لأنَّه لا يستغني عن هذا كله لرقّة بدنه ورطوبته حين يولد، ثم كان لا يوجد له من الحلاوة والوقع من القلوب ما يوجد للطفل فصار يخرج إلى الدنيا غبياً غافلاً عما فيه أهله فيلقى الأشياء بذهن ضعيف ومعرفة ناقصة، ثم لا يزال يتزايد في المعرفة قليلاً قليلاً وشيئاً بعد شيء، وحالاً بعد حال، حتى يألف الأشياء ويتمرّن ويستمر عليها، فيخرج من حدِّ التأمل لها والحيرة فيها إلى التصرف والاضطراب إلى المعاش بعقله وحيلته وإلى الاعتبار والطاعة والسهو والغفلة والمعصية، وفي هذا أيضاً وجوه آخر فإنَّه لو كان يولد تام العقل مستقلاً بنفسه لذهب موضع حلاوة تربية الأولاد، وما قدر أنْ يكون للوالدين في الاشتغال بالولد من المصلحة، وما يوجب التربية للآباء على الأبناء من المكلفات بالبر والعطف عليهم عند حاجتهم إلى ذلك منهم، ثم كان الأولاد لا يألفون آباءهم ولا يألف الآباء أبناءهم لأنَّ الأولاد كانوا يستغنون عن تربية الآباء وحياطتهم فيتفرقون عنهم حين يولدون فلا يعرف الرجل أباه وأمّه، ولا يمتنع من نكاح اُْمّه وأخته وذوات المحارم منه إذا كان لا يعرفهن، وأقلَّ ما في ذلك من القباحة – بل هو أشنع وأعظم وأفظع وأقبح وأبشع – لو خرج المولود من بطن أمه وهو يعقِل أن يرى منها مالا يحل له ولا يحسن به أنْ يراه. أفلا ترى كيف أُقيم كل شئ من الخلقة على غاية الصواب، وخلا من الخطأ دقيقه وجليله؟.(۱۴)

عجائب الأعضاء

فكِّر يا مفضّـل: في أعضاء البدن أجمع وتدبير كل منها لمآرب، فاليدان للعلاج، والرجلان للسعي، والعينان للاهتداء، والفم للإغتذاء، والمعدة للهضم، والكبد للتخليص، والمنافذ لتنفيذ الفضول، والأوعية لحملها، والفرج لإقامة النسل، وكذلك جميع الأعضاء إذا تأملتها وأعملت فكرك فيها ونظرك وجدت كل شيء منها قد قدر لشيء على صواب وحكمة..

يا مفضّـل: انظر إلى ما خصَّ به الإنسان في خلقه تشريفاً وتفضيلاً على البهائم، فإنَّه خلق ينتصب قائمًا ويستوي جالساً، ليستقبل الأشياء بيديه وجوارحه، ويمكنه العلاج والعمل بهما، فلو كان مكبوباً على وجهه كذات الأربع لما استطاع أن يعمل شيئاً من الأعمال.

انظر الآنَ يا مفضل إلى هذه الحواس التي خصَّ بها الإنسان في خلقه وشرف بها على غيره، كيف جعلت العينان في الرأس كالمصابيح فوق المنارة ليتمكن من مطالعة الأشياء، ولم تجعل في الأعضاء التي تحتهن كاليدين والرجلين فتعرضها الآفات، و تصيبها من مباشرة العمل والحركة ما يعللها ويؤثر فيها وينقص منها، ولا في الأعضاء التي وسط البدن كالبطن والظهر فيعسر تقلبها واطلاعها نحو الأشياء، فلمّا لم يكن لها في شيء من هذه الأعضاء موضع كان الرأس أسنى المواضع للحواس، وهو بمنزلة الصومعة لها، فجعل الحواس خمساً تلقي خمساً لكي لا يفوتها شيء من المحسوسات، فخلق البصر ليدرك الألوان فلو كانت الألوان ولم يكن بصر يدركها لم يكن منفعة فيها، وخلق السمع ليدرك الأصوات فلو كانت الأصوات ولم يكن سمع يدركها لم يكن فيها إرب، وكذلك سائر الحواس، ثم هذا يرجع متكافئاً، فلو كان بصر ولم يكن ألوان لما كان للبصر معنى، ولو كان سمع ولم يكن أصوات لم يكن للسمع موضع، فانظر كيف قدر بعضها يلقي بعضًا فجعل لكل حاسّة محسوساً يعمل فيه، ولكل محسوس حاسّة تدركه، ومع هذا فقد جعلت أشياء متوسطة بين الحواس والمحسوسات، لا يتم الحواس إلا بها، كمثل الضياء والهواء فإنَّه لو لم يكن ضياء يظهر اللون للبصر لم يكن البصر يدرك اللون، ولو لم يكن هواء يؤدي الصوت إلى السمع لم يكن السمع يدرك الصوت، فهل يخفى على من صح نظره وأعمل فكره أنَّ مثل هذا الذي وصفت من تهيئة الحواس والمحسوسات بعضها يلقي بعضاً وتهيئة أشياء أُخر بها تتم الحواس لا يكون إلا بعمدٍ وتقديرٍ من لطيفٍ خبيرٍ.

فكِّر يا مفضَّل: فيمَن عدم البصر مِن الناس وما يناله من الخلل في أموره، فإنَّه لا يعرف موضع قدمه، ولا يبصر ما بين يديه، فلا يفرِّق بين الألوان، وبين المنظر الحسن والقبيح، ولا يرى حفرة إنْ هجم عليها، ولا عدواً إنْ أهوى إليه بسيف، ولا يكون له سبيل إلى أنْ يعمل شيئاً من هذه الصناعات مثل الكتابة والتجارة والصياغة حتى أنّه لولا نفاذ ذهنه لكان بمنزلة الحجر الملقى، وكذلك من عدم السمع يختل في أمور كثيرة فإنَّه يفقد روح المخاطبة والمحاورة، ويعدم لذَّة الأصوات واللحون بالشجية المطربة، ويعظم المؤونة على الناس في محاورته، ولا يسمع شيئاً من أخبار الناس وأحاديثهم، حتى يكون كالغائب وهو شاهد، أو كالميت وهو حي، فأما من عدم العقل فإنَّه يلحق بمنزلة البهائم بل يجهل كثيراً مما يهتدي إليه البهائم، أفلا ترى كيف صارت الجوارح والعقل وسائر الخلال التي بها صلاح الإنسان والتي لو فقد منها شيئا ً لعظم ما يناله في ذلك من الخلل يوافي خلقة على التمام حتى لا يفقد شيئاً منها، فلم كان كذلك إلا لأنَّه خلق بعلم وتقدير ؟

قال المفضل: فقلت: فلم صار بعض الناس يفقد شيئاً من هذه الجوارح فيناله في ذلك مثل ما وصفته يا مولاي.

قال عليه السلام: ذلك للتأديب والموعظة لمَن يحل ذلك به ولغيره بسببه، كما قد يؤدِّب الملوك الناس للتنكيل والموعظة فلا ينكر ذلك عليهم، بل يحمد من رأيهم ويصوب من تدبيرهم، ثم للذين ينزل بهم هذه البلايا من الثواب بعد الموت إنْ شكروا وأنابوا ما يستصغرون معه ما ينالهم منها، حتى أنَّهم لو خيِّروا بعد الموت لاختاروا أن يردوا إلى البلايا ليزدادوا من الثواب.

فكِّر يا مفضل في الأعضاء التي خلقت أفراداً وأزواجاً، وما في ذلك من الحكمة والتقدير، والصواب في التدبير، فالرأس مما خلق فرداً ولم يكن للإنسان صلاح في أن يكون أكثر من واحد، ألا ترى أنَّه لو أضيف إلى رأس الإنسان رأس آخر لكان ثقلاً عليه من غير حاجة إليه، لأنَّ الحواس التي يحتاج إليها مجتمعة في رأس واحد، ثم كان الإنسان ينقسم قسمين لو كان له رأسان فإنْ تكلّم من أحدهما كان الآخر معطّلاً لا إرب فيه ولا حاجة إليه، وإنْ تكلَّم منهما جميعًا بكلام واحد كان أحدهما فضلاً لا يحتاج إليه، وإنْ تكلم بأحدهما بغير الذي تكلَّم به من الآخر لم يدرِ السامع بأي ذلك يأخذ، و أشباه هذا من الأخلاط، واليدان مما خلق أزواجاً ولم يكن للإنسان خير في أنْ يكون له يد واحدة، لأنَّ ذلك كان يخلّ به فيما يحتاج إلى معالجته من الأشياء ألا ترى أن النجّار والبنّاء لو شلَّت إحدى يديه لا يستطيع أن يعالج صناعته، وإنْ تكلَّف ذلك لم يحكمه، ولم يبلغ منه ما يبلغه إذا كانت له يدان يتعاونان على العمل..(۱۵)

_____________

۱- المصباح- الشيخ الكفعمي، ص ۴۸۱٫/ بحار الأنوار- العلامة المجلسي ج ۳۳، ص۲۵۰- ۲۵۱، ح۵۲۴٫ وقد شرح العلامة المجلسي مفردات هذه الرواية وإليك محلّ الشاهد، قال: المدى: الغاية أي كان ذا همة عالية يتوجه إلى تحصيل معالي الأمور وما يعسر تحصيله على أكثر الخلق. وما يناسب ما نحن فيه من بيانه. / الفصول المهمة في أصول الأئمة، الشيخ الحر العاملي ج ۳، ص۳۸۷، ح۱٫ قال الجوهري: السفساف الردى من كل شئ والأمر الحقير.

۲- سورة البقرة: الآية ۲۹٫

۳- الجواهر السنية – الشيخ الحر العاملي، ص ۳۶۱٫

۴- مصباح المتهجد – الشيخ الطوسي، ص ۵۸۶- ۵۸۷، دعاء أبي حمزة الثمالي.

۵- سورة إبراهيم: الآية ۳۲- ۳۴٫

۶- سورة البقرة: الآية ۲۲٫

۷- سورة المؤمنون: الآية ۱۲- ۱۵٫

۸- سورة الشعراء: الآية ۷۸- ۸۲

۹- سورة الروم: الآية ۲۰- ۲۸٫

۱۰- مستدرك الوسائل – المرزا النوري ج ۱۷، ص۳۱۹، ح ۲۵٫

۱۱- بحار الأنوار – العلامة المجلسي ج ۶۷، ص ۲۱٫

۱۲- المصدر السابق.

۱۳- بحار الأنوار – العلامة المجلسي ج ۳، ص ۶۲- ۶۳٫

۱۴- بحار الأنوار – العلامة المجلسي ج ۳، ص ۶۳- ۶۴٫

۱۵- بحار الأنوار- العلامة المجلسي ج ۳، ص ۶۳- ۷۱٫ بتصرف قليل، من حيث التقديم والتأخير، والرواية طويلة جدًا، ولم نطل فيها مخافة الخروج من هدف الكتاب، فإن شئت المزيد فعليك الرجوع إلى مصدرها. علمًا بأننا سنتعرض لبعض فقرات هذه الرواية من جهات متعددة في أبحاث هذا الكتاب.

الكاتب: الشيخ ايوب علي حسين