المذهب الشیعي » أصول الدین » التوحید »

إدراك اللّه تعالى

المبحث الأوّل: معنى الادراك (لغة واصطلاحاً)

“الإدراك” صفة من صفات الله المذكورة في القرآن الكريم.

قال تعالى: { وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير } [ الأنعام: 103 ]

معنى الإدراك (لغةً) :

الإدراك في أصل اللغة هو بلوغ أقصى الشيء ومنتهاه(1).

معنى الإدراك (اصطلاحاً)

اختلف العلماء في معنى الإدراك نتيجة اختلافهم في صلة “الإدراك” بصفة “العلم”، والمشهور وجود معنيين، سنذكرهما في المبحث التالي.

____________

1- راجع المعاجم اللغوية، من قبيل: المنجد في اللغة، والمعجم الوسيط مادة (درك).

الصفحة 198

المبحث الثاني: صلة الادراك بالعلم

الرأي الأوّل :

الإدراك هو العلم بالمُدَرك.

أي: الإدراك نوع من أنواع العلم، وهو علم خاص يشمل العلم بالموجودات الجزئية العينية(1).

وبعبارة أخرى: إدراك الله عبارة عن علمه بالأشياء الخارجية.

الرأي الثاني :

الإدراك لا يتعلّق بالعلم، وهو وصف مستقل وزائد على العلم(2).

دليل ذلك :

إنّنا نجد في أنفسنا بأنّ “الإدراك” يفترق عن “العلم”.

فنعلم ما لا ندركه.

وندرك ما لا نعلمه.

فنستنتج مطلقاً بأنّ “الإدراك” مغاير “للعلم”.

مثال ذلك:

____________

1- انظر: النكت الإعتقادية، الشيخ المفيد: الفصل الأوّل، ص 25. المسلك في أصول الدين، المحقّق الحلّي: النظر الأوّل، المطلب الثاني، ص 47. قواعد المرام، ميثم البحراني: القاعدة الرابعة، الركن الثالث، البحث السابع، ص 95 ـ 60. الأبحاث المفيدة، العلاّمة الحلّي: الفصل الرابع، المبحث السابع، ص 34. إرشاد الطالبين، مقداد السيوري: مباحث التوحيد، إثبات الإدراك للباري تعالى، ص 207.

2- ذهب الشريف المرتضى والشيخ الطوسي إلى هذا الرأي، وسيأتي لاحقاً بيان أقوالهما في هذا المجال مع ذكر المصدر.

الصفحة 199

مثال علم الإنسان بما لا يدركه :

1- المعدومات، فإنّها تقع في دائرة علم الإنسان، ولكنّها لا تقع في دائرة إدراكه; لأنّ الإدراك مختص بالموجودات(1).

2- الموجودات التي يعلمها الإنسان وليس له اتّصال مباشر بها، أي: لم تقع في دائرة إدراكه.

مثال إدراك الإنسان ما لا يعلمه :

إدراك النائم الأصوات وغيرها التي تكون سبباً في انتباهه.

وهذه الأصوات يدركها الإنسان من دون علمه بها; لأنّه لا يمكن له العلم بها وهو نائم، ولا يمكن القول بأنّه يدركها بعد الانتباه; لأنّه لا يوجد سبب في استيقاظه إلاّ هي(2).

قال الشريف المرتضى: “لا يجوز أن ترجع هذه الصفة [ الإدراك ] إلى كونه عالماً; لأنّه قد يعلم ما لا يدركه; مثل: القديم سبحانه والقيامة، وذلك غير مدرك”(3).

قال الشيخ الطوسي: “[ لا يرجع الإدراك ] إلى كونه عالماً; لأنّه تعالى يكون عالماً بها قبل إدراكها وبعد انقضائها”(4).

____________

1- إنّ “الإدراك” يشمل “العلم بالموجودات” فقط، ولا يشمل “العلم بالمعدومات”.

انظر: عجالة المعرفة، محمّد بن سعيد الراوندي: فصل في الصانع وصفاته، ص 32. وخالف ميثم البحراني هذا الرأي وقال: “لا نسلّم أنّ المعدومات غير مدركة لنا”، فإنّ المفهوم المتعارف من “الإدراك” هو لحوق العقل أو الحس للمعقول أو المحسوس، وهو بهذا الاعتبار صادق على المعدومات”.

قواعد المرام، ميثم البحراني: القاعدة الرابعة، الركن الثالث، البحث السابع، ص 96.

2- انظر: الملخّص في أصول الدين، الشريف المرتضى: باب الكلام في الصفات، ص 92. الاقتصاد، الشيخ الطوسى: القسم الأوّل، الفصل الثاني، الإدراك، ص 56. غنية النزوع، ابن زهرة الحلبي: ج 2، الفصل الثالث، في وجوب كونه تعالى مدركاً، ص 31. قواعد المرام، ميثم البحراني: القاعدة الرابعة، الركن الثالث، البحث السابع، ص 60.

3- شرح جمل العلم والعمل، الشريف المرتضى: باب ما يجب اعتقاده في أبواب التوحيد، وجوب كونه تعالى مدركاً، ص 53.

4- الاقتصاد، الشيخ الطوسي: القسم الأوّل، الفصل الثاني، الإدراك، ص 56.

الصفحة 200

الصفحة 201

المبحث الثالث: صلة الادراك بالحياة

الرأي الأوّل :

إنّه تعالى مدرك لأنّه حي، وكلّ من كان حيّاً فهو مدرك(1).

الرأي الثاني :

إدراك الله لا يستند إلى كونه حيّاً.

دليل ذلك:

1 ـ إنّ “الإدراك” من صفات الله الفعلية.

لكن “الحياة” من صفات الله الذاتية.

ولا يصح أن تكون “صفة لفعل” بعينها “صفة الذات”(2).

قال الشريف المرتضى: “لا يجوز أن [ ترجع صفة الإدراك ]… إلى كونه حيّاً; لأنّ كونه حيّاً قد كان حاصلاً، فلم يجد نفسه على هذا الأمر [ أي: الإدراك ]”(3).

قال الشيخ الطوسي: [ الإدراك ] لا يستند إلى كونه حياً; لأنّه كان حيّاً قبل ذلك ولم يجد نفسه كذلك [ أي: لم يكن مدركاً للمعدومات; لأنّ الإدراك لا يتعلّق

____________

1- انظر: الباب الحادي عشر، العلاّمة الحلّي: الفصل الثاني: الصفة الخامسة، ص41.

2- انظر: الملخّص في أصول الدين، الشريف المرتضى: الجزء الأوّل، باب الكلام في الصفات، فصل في الدلالة على أنّ صانع العالم حي، ص 94. المنقذ من التقليد، سديدالدين الحمصي: ج 1، القول في كونه تعالى مدركاً للمدركات، ص 56.

3- شرح جمل العلم والعمل، الشريف المرتضى: باب بيان ما يجب اعتقاده في أبواب التوحيد، وجوب كونه تعالى مدركاً، ص 53.

الصفحة 202

بالمعدومات، وإنّما يتعلّق بالموجودات ]”(1).

2 ـ يتطلّب “الإدراك” مُدركات مختلفة، كالسمع والبصر وغيرهما.

ولا تتطلّب “الحياة” إلى شيء من ذلك.

فيثبت أنّ الإدراك مغاير للحياة، ووصفه تعالى بكونه مدركاً أمر زائد على كونه حيّاً(2).

____________

1- الاقتصاد، الشيخ الطوسي، القسم الأوّل، الفصل الثاني، الإدراك، ص 56.

2- انظر: الملخّص في أصول الدين، الشريف المرتضى: الجزء الأوّل، باب الكلام في الصفات، فصل في الدلالة على أنّ صانع العالم حي، ص 95.

الصفحة 203

المبحث الرابع: خصائص صفة الادراك عند الله تعالى

1- “الإدراك” من صفات الله الفعلية لأنّ الإدراك لا يكون إلاّ بعد وجود “المُدرَك” في الواقع الخارجي، فلهذا لا يتّصف الله بهذه الصفة إلاّ بعد خلقه تعالى للأشياء، والخالقية ـ كما لا يخفى ـ من صفات الله الفعلية(1).

2- يدرك الله الأشياء بذاته ومن دون الاستعانة بشيء، وهو تعالى بخلاف الإنسان الذي يدرك الأشياء عن طريق حواسه لأنّه تعالى منزّه عن الاحتياج، وهو لا يفتقر أبداً إلى الآله في الإدراك(2).

3 ـ لا يصح وصفه تعالى بأنّه:

“ذائق” لإدراكه الطعوم.

“شام” لإدراكه الروائح.

“لامس” لإدراكه الحرارة والبرودة.

لأنّ “الذوق” و “الشمّ” و “اللمس” ليست إدراكات، وإنّما هي طرق للإدراك.

والمطلوب بالنسبة إلى الله إثبات حقيقة الإدراك دون طرقها(3).

____________

1- انظر: غنية النزوع، ابن زهرة الحلبي: ج 2، باب الكلام في التوحيد، الفصل الرابع، ص 40.

2- انظر: النكت الاعتقادية، الشيخ المفيد: الفصل الأوّل، ص 25. المنقذ من التقليد، ابن زهرة الحلبي: ج 1، القول في كونه تعالى مدركاً للمدركات، ص 58. كشف المراد، العلاّمة الحلّي: المقصد الثالث، الفصل الثاني، المسألة الخامسة، ص 403.

3- انظر: الملخّص في أصول الدين، الشريف المرتضى: الجزء الأوّل، باب الكلام في الصفات، فصل في الدلالة على أنّ صانع العالم حي، ص 90. المنقذ من التقليد، سديدالدين الحمصي: ج 1، القول في كونه تعالى مدركاً للمدركات، ص 60.

الصفحة 204

4- لا يصح وصفه تعالى بصفة الملتذ والمتألّم على الرّغم من إدراكه للذّة والألم; لأنّ اللذّة والألم من خصائص الأشياء المادية، والله تعالى منزّه عنها(1).

____________

1- انظر: المصدر السابق، الملخص، ص 100. الذخيرة الشريف المرتضى: باب الكلام في الآلام، ص 212.

المصدر: التوحيد عند مذهب أهل البيت(عليهم السلام) لمؤلّفه علاء الحسون