إرث المرأة عند الأديان

أ) الإرث عند اليهود

وأمّا اليهود، فكانوا غالباً يعيشون في المجتمع كمجموعات متماسكة، ويتّخذون من رؤوس أموالهم الضخمة سلاحاً لتحقيق مصالحهم، فلذا كانوا يحرصون على جمع المال والمحافظة عليه من التشتّت، فنظام الإرث تحكّم للمالك عندهم، فإنّ الشخص له كامل الحرّية في ماله يتصرّف فيه كيف يشاء بطريق الهبة أو الوصية، فله أن يحرم ذرّيّته وأقاربه من الميراث، وله أن يُوصي بماله كلّه لمَن يشاء حتّى لو كان أجنبيّاً، ولا ترث عندهم الإناث سواء كانت بنتاً أو زوجة أو أُختاً، ولكنّهم يُوجبون النفقة عليهنّ، فالزوج يرث الزوجة ولا العكس.

ب) الإرث عند المسيحيين

أما الميراث عند المسيحيين، فلم يُتعرّض له في الإنجيل؛ لأنّ المسيح(ع) حينما أُرسل قام يدعو إلى جلاء الإيمان الحقيقي، والتوحيد والعبودية، وأعلن أنّه لم يجئ لنقض الناموس اليهودي، وإنّما جاء ليُكمله.

والديانة المسيحية تُعنى بالجانب الروحي والأخلاقي، لذا اتّبع المسيحيون القدامى في تنظيم مواريثهم ما كان يجري عليه العمل في شريعة اليهود، وبعض ما جاء في القانون الروماني.

وكما لاحظنا هنا، فإنّه في الأديان المشهورة آنذاك لم يكن للمرأة شيء وحقّ من الإرث، مع ذلك يجب أن لا ننسى أن تشريعات تلك الأديان حدث فيها تحريف قطعاً، ولم يكن حرمان المرأة من الإرث من الأحكام التي أتى بها الأنبياء(عليهم  السلام).

وأمّا الميراث في الإسلام

أحدث الإسلام قبل أكثر من 1400 سنة ثورة عظيمة في مسألة الإرث، ففي عصر لم يكن للمرأة قدر ولا احترام، خاصّة في جزيرة العرب التي كان سكّانها في أعلى مراتب الجهل، حيث اشتهر ذلك العصر في جزيرة العرب بعصر الجاهلية، وفي هذا الجوّ الخالي من التطوّر والعقلانية والمنطق، جاء الإسلام ليُعطي للمرأة شخصية مستقلّة، فقال جلّ وعلا: ﴿لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ﴾(1).

فلم يقل هنا: للرجال والنساء نصيبان ممّا ترك الوالدان والأقربون، بل قال: للرجال… وللنساء…الآية، أي كما أنّ للرجل شخصية مستقلّة، فللمرأة أيضاً شخصية وقدر مستقلّ كما للرجل، فلم يكن في الإسلام أفضلية للرجل بما هو رجل على المرأة، وكلاهما عند الله سواء.

فأصبح للمرأة حقّ في الإرث، في عصر لم يكن لها حقّ فيه، بل كانت تُعتبر نفس المرأة قسم من الميراث، فنزلت الآية: ﴿وَلَا تَنكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُم مِّنَ النِّسَاءِ(2)، وبهذا منع توريث المرأة.

هنا يجب الإلتفات إلى أنّ هذه الآيات نزلت في عصر يعتبر المرأة حقيرة، بحيث يدسّ الآباء بناتهم في التراب، فيقول سبحانه وتعالى في ذلك: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُم بِالْأُنثَىٰ ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُو كَظِيمٌ * يَتَوَارَىٰ مِنَ الْقَوْمِ مِن سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ  أَيُمْسِكُهُ عَلَىٰ هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ﴾(3).

فإن كان الإنسان منصفاً في ما يراه من الأحكام المتعالية الإسلامية في تلك العصور المظلمة، يُقرّ أنّ القرآن ليس كلاماً بشرياً، لأنّ هذا الفكر العالي والمنطق الأعلى لا يُناسب مَن كان يعيش في جزيرة العرب في تلك الفترة الزمنية، بل إنّ هذه الأحكام كانت نادرة حتّى في ما سوى جزيرة العرب، خاصّة وقد ذكرنا أنّ الأقوام والشعوب المعاصرة لنزول القرآن لم يعطوا حقّاً من الميراث للمرأة، وكان هذا أمر مفروغ منه، فكان الإرث لربّ الأُسرة أو أولاده أو الأعمام، وإن أعطوا المرأة شيئاً بسيطاً من الإرث، كان ذلك مشروطاً بعدم زواجها، فإن كانت متزوّجة حُرمت منه.

فجاء الإسلام وأظهر أمراً لم يراه العالم قبل ذلك ولم يسمع أحد به، فقال: ﴿لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ﴾(4).

فکان الحکم بأن يكون للمرأة نصف إرث الرجل، بناءاً على مصالح ومفاسد كما باقي التشريع في الإسلام، الذي يدور مدار المصالح والمفاسد.

وقال سبحانه وتعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ  لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنثَيَيْنِ فَإِن كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ  وَإِن كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ  وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِن كَانَ لَهُ وَلَدٌ  فَإِن لَّمْ يَكُن لَّهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ  فَإِن كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ  مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَودَيْنٍ  آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا  فَرِيضَةً مِّنَ اللَّهِ  إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾(5).

وسنبحث إن شاء الله أنّ هذا الحكم فيه بحار من المصالح والمنافع للمرأة وللأُسرة وللمجتمع، ولكن أكثر الناس غافلون عن تلك المصالح، ولهذا فإنّهم يُشكلون ويسألون: لماذا تكون حصّة المرأة نصفاً من الإرث؟ وهذا ظلم لها.

نُجيب على تلك الشبهة: يجب ابتداءاً أن نبحث عن منشأ وأساس هذه الشبهة، وهو أنّ الإسلام جعل للمرأة موقع داني عكس ما أعطى للرجل من قدر وقيمة، فسبب ذلك ظلم المرأة في تشريعات عديدة، منها الحجاب المفروض، وأنّ للمرأة نصف الإرث والدية و… .

هنا وقبل أن نُجيب على الشبهة بالتفصيل، نبحث عن جذور هذه الشبهة، ونذكر نماذج من احترام الإسلام للمرأة وتقديره لها.

بعدما اطّلعنا على أحكام إرث المرأة في الأُمم السابقة وأديان متعدّدة، اتّضح لنا قدر المرأة عندهم، بأنّ المرأة ليس لها شخصية مستقلّة في المجتمع، بل أنّها آلة لإرضاء شهوة الرجال والتوليد، كما اشتهر في عصر الجاهلية بأنّ (أُمّهات الناس أوعية).

وبنظرة دقيقة إلى الأفلام والمسلسلات الغربية والشرقية والتي هي مرآة صادقة لقيمهم الحقيقية، نرى أنّ النظرة الموجودة للمرأة هي نفسها التي كانت في عصر الجاهلية، والمرأة يُنظر إليها بعين الشهوة والجنس، بحيث أنّهم يستغلّون صور نساء عاريات نسبياً لتسويق بضاعاتهم، وأنّ المرأة عندهم آلة للتجارة أو لإرضاء الشهوة.

فيكون الرجل في مجتمعاتهم هو الأصل، وكلّ القوانين والتشريعات الصادرة في حقّ المرأة تُراعي أوّلاً مصالح الرجل، مثلاً في الحكم بقانون منع الحجاب في المدارس والجامعات الذي كان يُراعي تلذّذ الرجال من النظر لوجوه النساء وأجسامهن.

وأيضاً عندما نلاحظ التقاليد والأفلام والمسلسلات وأعراف مجتمعاتهم، نجد كأن المرأة خُلقت لخدمة الرجل والتمكين له، وإطفاء نار شهوته، والشاهد على ما نقوله الإحصاءات التي تنشرها المراكز والمعاهد التابعة لنفس تلك الدول.

أمّا المرأة في الإسلام لها شأن متساو مع الرجل، وفي بعض الأُمور ولظروف خاصّة كالولادة يكون شأنها أعلى من الرجل.

لتوضيح هذا الكلام، يجب الإشارة لبعض النقاط حول المرأة وشأنها في الآيات والروايات:

يرى الإسلام أنّ الرجل والمرأة صنفان من نوع واحد، وحقيقتهما واحدة، ولا فضل لأحدهما على الآخر بسبب الجنس، فالميزان الوحيد للأفضلية هو التقوى، كما قال الله سبحانه وتعالى: ﴿يا أَيُّهَا النّاسُ إِنّا خَلَقناكُم مِن ذَكَرٍ وَأُنثىٰ وَجَعَلناكُم شُعوبًا وَقَبائِلَ لِتَعارَفوا  إِنَّ أَكرَمَكُم عِندَ اللَّهِ أَتقاكُم  إِنَّ اللَّهَ عَليمٌ خَبيرٌ﴾(6).

ظاهر الآية يدلّ على عدم وجود فرق في خلق المرأة والرجل، وعد تفضيل أحدهما على الآخر، وأنّ الفضل لمَن كان أتقى.

كما قال مولانا علي بن الحسين(عليهما السلام): خُلقت الجنّة لمَن أطاع الله، ولو کان عبداً حبشیاً، وخُلقت النار لمَن عصاه ولو کان سيّداً قرشیاً(7).

كما نلاحظ فإنّ المعيار الوحيد للفضل هو التقوى والعمل الصالح، ولا فرق بين الرجل والمرأة، كما لا فرق بين الغني والفقير، ولا بين الغلام والسيّد، فيكون جزاء كلّ شخص عقاباً وثواباً نظراً لأعماله، ولا يوجد فرق في الجزاء بسبب اختلاف الجنس، فإنّ الله سبحانه وتعالى ذكر المرأة المسلمة جنباً إلى جنب الرجل المسلم في القرآن ولم يُفضّل الرجل، وجعل لهم الأجر والمغفرة على حدّ سواء وقال: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا(8).

فكما ترون أنّه جعل المؤمنين جنب المؤمنات، والصائمين جنب الصائمات، والصادقين جنب الصادقات، ولم يُفضّل المسلم على المسلمة، ولا المؤمن على المؤمنة، ولا الصادق على الصادقة، فكلّهم سواسية عند ربّ العالمين، ولا يُفضّلهم على بعض إلّا الأعمال الصالحة والتقوى.

ذكر بعض المفسّرين في شأن نزول هذه الآية، أنّ أسماء بنت عميس رجعت من الحبشة مع زوجها جعفر بن أبي طالب، فدخلت على نساء النبي(ص) فقالت: هل نزل فينا شيء من القرآن؟ قلن: لا، فأتت النبي(ص) فقالت: يا رسول الله، إنّ النساء لفي خيبة وخسار، قال: وممّ ذاك؟ قالت: لأنّهنّ لا يُذكرنّ بخير كما يُذكر الرجال، فأنزل الله هذه الآية التي طمأنت النساء، بأنّ لهنّ درجة عند الله مساوية للرجال، وأكّدت على أنّ المعيار عند الله الإسلام والإيمان، والصداقة والصبر والخشوع و… وليس عند الله فرق بين الرجل والمرأة.

بل لا يوجد عند الله فرق بين باقي الناس من البشر حتّى لو كان لهم مناصب أو مميّزات اجتماعية، إلّا أن كانت تلك المميّزات يصحبها التقوى وهذا ما سيفضّلهم عند الله سبحانه وتعالى، ومنها ميزة الزواج مع النبي(ص)، فإن هذا المقام بنفسه ليس له قيمة وفضيلة عند الله إلّا إن كان ذلك مصاحباً للتقوى، ولهذا قال الله سبحانه وتعالى: ﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ النِّسَاءِ  إِنِ اتَّقَيْتُنَّ﴾(9).

وكذلك في الآية 29 من سورة الفتح قال في الرسول(ص) وأصحابه: ﴿مُحَمَّدٌ رَسولُ اللَّهِ  وَالَّذينَ مَعَهُ أَشِدّاءُ عَلَى الكُفّارِ رُحَماءُ بَينَهُم تَراهُم رُكَّعًا سُجَّدًا ـ إلى أن قال: ـ وَعَدَ اللَّهُ الَّذينَ آمَنوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ مِنهُم مَغفِرَةً وَأَجرًا عَظيمًا﴾(10).

نلاحظ أنّ الله سبحانه وتعالى امتدح الأصحاب في صدر الآية، ولكنّه وفي ذيل الآية اشترط الإيمان والعمل الصالح لشمول المغفرة والأجر العظيم، فكون الرجل صحابي لرسول الله(ص) لا يلزم أن يُؤجر بأجر عظيم، بل الأجر العظيم يُعطى إلى الصحابة الذين آمنوا وعملوا الصالحات.

بالجملة:

لا فرق بين البشر في الإسلام بسبب الجنس أو المميّزات الاجتماعية، ولا أي شيء آخر إلّا الإيمان والعمل الصالح والتقوى، حتّى قيل: إنّ أغلب العمومات والإطلاقات في الآيات والروايات خُصّصت وقُيّدت (ما من عامّ إلّا وقد خُصّ)، إلّا هذه الآية: (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللهِ أَتْقَاكُمْ)(11).

فيتّضح لنا أنّ القول بظلم الإسلام للمرأة وتفضيله للرجل عليها قول باطل وتافه.

ــــــــــــــــــــ

1ـ النساء: 7.

2ـ النساء: 22.

3ـ النحل: 58 و59.

4ـ النساء: 7.

5ـ النساء: 11.

6ـ الحجرات: 13.

7ـ روضة الجنات 5/161.

8ـ الاحزاب: 35.

9ـ الأحزاب: 32.

10ـ الفتح: 29.

11ـ الحجرات: 13.

بقلم: السيد علي علم الهدى