إستقبال شهر رمضان

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على محمد وآله الطاهرين، وأصحابه المنتجبين والتابعين بإحسان إلى يوم الدين. أيها الأحبة، سلام من الله عليكم ورحمةٌ وبركات، وبعد: فقد قال الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) (البقرة:۱۸۳) أيها الأحبة: سيكون كلامنا اليوم على ضوء الآية المباركة وانطلاقاً منها. نحن الآن على أبواب شهر الصيام، الشهر الذي صُنعت فيه أمتنا الإسلامية، (شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ) البقرة:۱۸۵ أجل نزل فيه القرآن منبع الحضارة والقوة، ومصدر الدين. الشهر الذي تحتل ليلة القدر مكانها فيه، الليلة التي هي خيرٌ من ألف شهر، والتي هي خير ليلة مقدسة في حياة الأمة. الشهر الذي هو شهر الصوم، والعبادة، والدعاء، والحب، والسلام، والعفو، والتسامح. الشهر الذي هو شهر التكامل الأخلاقي، والتجسيد الحق للإسلام، وأفضل فترة يعيشها المسلم في عمره. الشهر الذي كان رسول الله (ص) يعظّمه، ويقدّسه، ويُعدّ المسلمين ويهيّؤهم للاستعداد له قبل حلوله، ويبين لهم كيف يعيشونه، وكيف يتعاملون معه، وكيف يستفيدون من أجوائه وعطائه وخيراته. قال (ص) في خطبته التي خطبها في آخر جمعة في شعبان: “أيها الناس أنه قد أقبل إليكم شهر رمضان بالبركة والرحمة والمغفرة، شهرٌ هو عند الله أفضل الشهور، وأيامه أفضل الأيام، ولياليه أفضل الليالي، وساعاته أفضل الساعات، وقد دُعيتم فيه إلى ضيافة الله، وجُعلتم فيه من أهل كرامته، أنفاسكم فيه تسبيح، ونومكم في عبادة، وعملكم فيه مقبول، ودعاؤكم مستجاب، فاسألوا الله ربكم بقلوب طاهرة ونياتٍ صادقة أن يوفقكم لصيامه وقيامه وتلاوة كتابه، فإن الشقي من حُرِمَ غُفران الله فيه”. نعم في هذه الخطبة العظيمة أعلن صاحب الرسالة (ص) بأن المسلمين على أعتاب واحة خضراء، وعلى أبواب رحلة روحية طاهرة، وفي وقت وصول دعوة إلى دخول دورة تدريبية عملية إسلامية فريدة في بابها، وفي اتجاه مدرسة كبرى فتحت أبوابها في العام الثاني للهجرة النبوية أي: في السنة الثانية من تأسيس الدولة الإسلامية، وهذه الواحة هي مدرسة الصوم، أعلن (ص) بأن المسلم أمام هذه الواحة التي سوف يعيش فيها المسلم في عالم روحي خالص، وتستريح فيها نفسه من عناء المادة، وتتحرر من أدرانها وأوضارها، إلا أن هذه الواحة الخضراء لا يعني استراحة الإنسان فيها الخمول،والإسترخاء الكسول، وإنما من خلال ما شرع الله سبحانه في هذا الشهر الكريم من صيام، وما دعى إليه من دعاء، ونوافل، وأعمال إنسانية، وتواصل، وتعاون، وتزاور وتصدّق، وتفطير الصائمين، الذي جاء فيه قول (ص): “من فطر صائماً فله الجنة، قالوا: يا رسول الله ليس كلنا يقدر على تفطير صائم. فقال (ص): اتقوا النار ولو بشق تمرة”. وما أحرى بنا -أيها الأخوة- أن نبرمج حياتنا في هذا الشهر الكريم،ونرتب أوقاتنا، لنستفيد من رسالة رمضان وعطائه وروحيته، ونكون من خلال تربيته أهلاً لمواجهة الطوارئ والأحداث، والوقوف في وجه العدو، وإفشال مخطَّطاته. إن هذا الشهر العظيم-أيها الأحبة- هو الشهر الذي سجَّل فيه المسلمون أروع أحداث التاريخ في حياتهم العقائدية والتاريخية، من معركة بدر الكبرى التي صنعت الكيان الشامخ المهاب للمسلمين إلى فتح مكة أقوى حصون الشرك وأقوى قلاع الكفر والوثنية يوم جاء الإسلام فحرَّروا أقدس بقاع الأرض، إضافة إلى ما في هذا الشهر من أمجاد، ومناسبات، وأجواء، وذكريات تشد الأمة إلى تاريخها وعقيدتها، وتحرك عزائمها. إن تربية هذا الشهر وعطاءه كفيلان بتربية المسلم على الصبر، وتربيته إرادياً بحيث يملك أن يقول لا أمام الشهوات الجامحة، وأمام العادة السيئة، وأمام الظلم والظالمين، وأمام الأطماع، وأمام مغريات الحياة، ويملك أن يقول نعم أمام المظلومين والمحرومين، أمام الحق، أمام جمع الكلمة ولملمة الصف، أمام المصلحة العامة، أمام الإصلاح، أمام العدل، أمام الموقف المسئول الصحيح. فما أعظم شهر رمضان، وما أعظم حقه، وما أكبر شأنه وكرامته!! وما أجّل وأسمى ما يهدف إليه من بث الوعي والتعقل والرحمة والسلام، واحترام الإنسان، هذه الأمور التي تحتل مكانها في نفس كل إنسان، وكل جماعة تمتلك رؤى إنسانية، ونفسيات سلمية.

الكاتب: الشيخ عبد الامير الجمري