إشكالية المثقف المجتمع

هناك في كل مجتمع توجد شريحة اجتماعية متمييزة عن باقي شرائح المجتمع، تكون مؤهلة للتأثير في ذلك المجتمع سلباً وايجاباً وتأخذ مواقع ريادية في رسم هوية وشخصية ذلك المجتمع بشكل جماعي.
وفي المقابل تتحمل هذه الشريحة مسؤلية كبيرة في تحديد اتجاه تكامل هذا المجتمع نحو الرشد والنضوج في جميع مجالات حياته من خلال بث الوعي داخل صفوفهم وممارست النقد البناء والايجابي للافكار والثقافات الاجتماعية والسياسية وغيرها وتبني قضاياه وتحديد اولوياته.
وهؤلاء النخبة هم من يعرفون في اوساط مجتمعاتهم بـ((المثقفين)).
وفي اغلب مجتمعاتنا الاسلامية وخصوصاً في مجتمعنا العراقي تعيش هذه النخب حالة من الانعزال والانكماش والتقوقع من خلال شعورها بالتهميش والتغييب والالغاء وعدم الاهتمام والتفاعل من باقي شرائح المجتمع مما يعطلها ولا يفسح لها المجال للقيام بمهامها الملقات على عاتقها.
وفي المقابل تكثر الشكوى من ابناء مجتمعاتها
من غيابها وعدم تفاعلها واللامبالاة التي تعيشها هذه النخب بانكفافها على ذاتها واهتمامها بشأنها الداخلي وتخليها وتماسكها ونظرتها الفوقية التي تفوت عليها دورها الحقيقي في الوسط الاجتماعي.
بل ان الكثير من ابناء المجتمع يتهم هذه النخب بالانحراف وتبني افكار وعقائد فاسدة فهو يرى الطبيب والمهندس واصحاب الشهادات العليا من الاكاديميين وغيرهم يدعمون ويناصرون كل ما هو شاذ ومبتدع من الافكار والعقائد.
ونحن ما بين شكوى المثقف وما يقابلها لدينا حقيقة ثابتة على ارض الواقع وهي تعطيل هذه الشريحة المهمة عن القيام بمهامها وتبوء موقعها الريادي في داخل مجتمعاتها سواء كان ذلك ناتج عن غيابها او تغييبها.
ولكن بقدر ما تمثله هذه النتيجة من حقيقة في الواقع العملي الا انها وفي بعض جوانبها تحتاج الى بيان وتوضيح لكشف بعض الملابسات غير الواقعية التي احاطت بها سواء كانت من جانب المثقف او المجتمع.
وقبل بيان هذه الجوانب نحب ان ننوه الى اننا في هذه المقاربة سوف نخصص الكلام عن المثقف الاسلامي فقط لما هو معروف من طبيعة الثقافة الاسلامية لمجتمعنا.
ان ما يعانيه المثقف الاسلامي في المجتمع العراقي من الشعور بالتهميش والالغاء وعدم التفاعل ناتج عن عدة عوامل منها ما هو حقيقي وواقعي ومنها ما هو متوهم سرى الى ذهنيته على شكل عدوى مرضية من المثقف غير الاسلامي.
والحقيقي منها كان بسبب ثقافة الرفض التي تطبع بها المجتمع العراقي خلال حقبة الدكتاتورية والظلم لكل ما يطرحه مثقفوا تلك الحقبة الذين كانوا يحاولون تسويغ ممارسات السلطة الحاكمة فكان هناك تقاطع حاد بين مصالح السلطة واهداف المثقف الاسلامي لذا غالبا ما ينتهي الامر بالمثقف لعدم قدرته على الصمود وعدم شجاعته على اتخاذ مواقف حاسمة اما التخلي عن قيمه ومبادئه التي آمن بها والاندماج مع ايديولوجيا السلطلة واما (ما لو قدر له ان يتجاوز ذلك الانعزال ثقافياَ) ليقوم بدور معرفي محض، بعد ان يتخلى عن مسؤولياته الثقافية ولذا كان المجتمع يعيش حالة الرفض لكل طرح ثقافي يتم في تلك الحقبة .
اما اليوم فالامر على العكس من ذلك حيث نجد ان المثقف الاسلامي لا يعاني من اشكالية شرعية السلطة ، ولا يشعر بالتناقض حينما يقوم بالطرح الثقافي في ظلها والدولة باعتبارها تمثل ارادة المجتمع وتقع على عاتقها مسؤولية ارساء الثقافة الاسلامية في المجتمع فيكون هناك اتحاد حقيقي للمباديء والقيم التي امن بها المثقف والمجتمع من قبل.
فيكون على المثقف الاسلامي ان لا يختزل دوره الى مجرد وممارسات معرفية بل يبقى فاعلاً وناقدا عندما تكون هنا ضرورة للنقد البناء كما انه يتابع الاحداث ويحلل الظواهر الاجتماعية ليبدي رأيه فيها ويسعى لمعالجتها انطلاقاً من واجبه الانساني وتكليفه الشرعي.
اما الاسباب غير الواقعية والمشوهة التي تدفع بالمثقف الاسلامي الى الشعور بالتهميش والغياب عن النسق الاجتماعي والثقافي لمجتمعه الذي يعيش في محيطه فهي مقتبسة ومنقوله عن ما يعيشه المثقف غير الاسلامي من حالة (اغتراب) ونحن ايضاًنقتبس نص لاحد الكتاب الاسلاميين في وصف هذه الحالة حيث يقول:(ان مرد ذلك-أي الاغتراب-الى ان لهذا المثقف اسلوباً خاصاً في الحياة، ونمطاً معينا في العمل مما يجعله يتحاشى الاخرين ويبتعد عنهم ويخرجهم عن دائرة اهتماماته.
ثم ان دأبه هو الشك او الرفض للقيم والفلسفات السائدة وهذا ما يعمق اغترابه وابتعاده عن الاوساط الاجتماعية غير ان العنصر الاهم في غربة المثقين هو المكونات الثقافية التي تغير ثقافة الافراد فما يحمله المثقف من ثقافة عالية تجعله يشعر بالغربة الحقيقية لانها تتعارض مع الواقع الاجتماعي) (وعندما نغوص في عمق الازمة نجد ان غربة المثقف غير الاسلامي هي تجليات لمرجعية ثقافية مهزوزة فالمثقف غير الاسلامي لم يفرغ لحد الان من تشكيل مرجعيته الثقافية التي في ضوئها ينبغي له ان يمارس نشاطه في دائرة الواقع فالمرجعية الثقافية ينبغي ان تبتني على اساس صحيح وتتكون من مقولات تعكس رؤية حقيقية للقيم والمباديء وتشخص حدود الهوية الثقافية فنضع فواصل حقيقية بين ((الانا))والآخر لا تسمح في انصهار(الانا) هيمنة ثقافية تسلبه كل معالمه الثقافية.
فالمثقف غير الاسلامي اما ان يتخلى عن كل شيء ليلتحق بالاخر (الغرب) بدواع (حداثوية) وحينئذ يعيش غربة حقيقية او يحاول ان يجد صيغاً توافقية بين الاسلام والايديولوجيات الاخرى فينتج لنا اسلاما مشوهاً وحينها سيعيش هذا الفرد تناقضا مريرا في مجتمعه.
اما المثقف الاسلامي فانه لا يعيش تلك الغربة رغم ما يحمله من ثقافة ورؤى فكرية تتطلع لبناء المستقبل فالمثقف الاسلامي تجاوز ما يعانيه غيره من المثقفين لانه فرغ من تشكيل مرجعيته الثقافية ويمارس نشاطه في دائرة الواقع ليصنع المستقبل كما يبني الحاضر وهو يفهم الاسلام فهما عصريا يجعله قادرا على استيعاب قضايا العصر ومشاكله فالمجتمع وسطه الذي يعمل من خلاله فلا يشعر بالغربة ولا يتكامل عن اداء دوره.
ثم ان المثقف الاسلامي وعن الاسلام وعيا حضاريا اعتمادا على التراث وليس منفصلا عنه من دون ان يعيش وهم الماضي بل ينطلق منه لبناء المستقبل فيستمد منه القيم لتكون اساسا في ممارساته الاجتماعية والثقافية فلا يشعر بالغربة من القيم السائدة وان كان من ضمن اهتماماته الغاء ما هو غريب عن قيم الاسلام والانسانية.
اذن فالمثقف الاسلامي يعتمد مرجعية ثقافية توفر له رؤى فكرية وقيمية يتطلع الى تحقيقها فرغم ما يحمل من ثقافة عالية الا انه لا يشعر بالغربة عن مجتمعه وانما تدفعه ثقافته الى الاتكال في الوسط الاجتماعي فهو يعمل ضمن همومه الثقافية وانطلاقا من مواقعه الدينية والانسانية.
اما الجانب الاخر من المعادلة وهو المجتمع فلابد له من فسح المجال للمثقف الاسلامي من القيام بدوره المطلوب منه من خلال التحلي بقدر الامكان عن ثقافة الرفض التي تبعت حياته الثقافية في الحقبة السابقة وتفهم الوضع الجديد وتحويل العلاقة السابقة ما بين المجتمع الدولة من علاقة رفض وانكار لعدم شرعية السلطة الى علاقة قبول وتكامل فيعطي للمثقف الاسلامي مجال اوسع للطرح والتبني والنقد كما وان المثقف لا يساوي اكاديمي بالضرورة كما ينظر المجتمع لهذه الثنائية اليوم نعم يمكن ان نقترب اكثر من هذه الفكرة عندما نقول ان حملت الشهادات الاكاديمية هم اكثر من غيرهم مؤهلين لما يحملون من مستوى علمي في مجال اختصاصاتهم لان ينتمو لهذه الشريحة الاجتماعية المميزة ولكن المثقف وكما يصفه احد الباحثين الاسلاميين هو من توفرت لديه ثلاث عناصر رئيسة وهي (المعرفة) و (الوعي) و(الموقف) فيكون تراكم معرفي بمنضومته الثقافية والاجتماعية المتفرعة عن قيم ومبادئ مجتمعه المتجذرة والمتأهلة فيه المصحوبة بوعي كامل وعالي يمكنه من التمييز بين ما هو حقيقي وثابت في المنظومة الثقافية لمجتمعه وبين ما كان زائف وغير مرتبط بقيم واعراف ذلك المجتمع ليتخذ على هذا الاساس المواقف العملية والسلوكية المناسبة من قضايا المجتمع في مختلف الميادين.
فيما اختلال أي عنصر من هذه العناصر الثلاثة لا يمكن ان نعتبر هذا الانسان داخلا ضمن هذه الشريحة المتميزة سواء كان حاملا لاعلى الشهادات الاكاديمية وفي مختلف الاختصاصات ام لا فلا يكون فعله او قوله ذا اثر حقيقي في المجتمع لكونه لا يحمل أي قيمة خاصة تميزه وتؤهله للتأثير.

الکاتب: السيد مصطفى الجابري