الدعاء-مفتاح-العبادة

(إقرأ. فكّر. إعمل) الدعاء مفتاح العبادة

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله الذي أسعد أوليائه في الدنيا والآخرة والصلاة على أشرف الخلق محمد وعلى عترته الطاهرة.

قال الله تعالى في كتابه: (يوم يأت لا تكلم نفس إلا بإذنه فمنهم شقي ومنهم سعيد * فأما الذين شقوا ففي النار لهم فيها زفير وشهيق * خالدين فيها ما دامت السموات والأرض إلا ما شاء ربك إن ربك فعال لما يريد * وأما الذين سعدوا ففي الجنة خالدين فيها ما دامت السموات والأرض إلا ما شاء ربك عطاء غير مجذوذ) (هود: ۱۰۵).

إن السعادة أنشودة كل واحد من البشر فإنه يتغنى بها ويترنم وينشدها طيلة حياته، ومن النّاس من يرى نفسه شقياً ويعيش التعاسة والحرمان والبؤس والكآبة والشقاء، فيضيق صدره ويتضجر من حياته، وإن لم يكن له دين والتزام فإنه يفكر بالإنتحار وخلاص نفسه، ويتصور أنّ الموت هو حل لكل مشاكله وشقاءه، ولا يدري أو لا يؤمن أن بعد الموت حياة أبدية لابد أن يمهّد لها من حياته الدنيوية هذه.

ثم إختلف النّاس والعلماء الأعلام في تفسير السعادة والشقاء على أقوال كثيرة، فكل واحد من منظاره الخاص يرى السعادة غير ما يراه الآخر، فالفلاسفة اليونانيين عندهم السعادة: (وصول كل فرد من المجتمع بحركته الإرادية النفسانية إلى حقيقة كماله الكامن في جبلّته).

ثمّ إختلفوا في الكمال الكامن، وعندهم أساس السعادة أربع صفات: الحكمة والشجاعة والعفة والعدالة، فمن وجدها وأصبحت عنده ملكةراسخة في نفسه فهو السعيد حقاً، ولو كان ناقص الأعضاء مبتلى بالأمراض والآلام، الأسقام والفقر والحرمان، فقال السعادة في النفس وحسب، وهذا من الإفراط. وفي قبالهم من فلاسفة الغرب من قال السعادة كل السعادة في اللّذة والإستمتاع من ملاذ الحياة مطلقاً وإن كان من حرام، ومنهم من قال في الإنتفاع والإقتصاد والثروة من دون ملاحظة النفس وتكامل الأخلاق والفضائل، فقالوا بأصالة اللّذة أو أصالة الإنتفاع.

ومنهم قال السعادة في الرياضة والعذاب الجسدي كالمرتاضين الهنود، ومنهم من قال بالرهبانية كالقساوسة المسيحيين. ولكن السعادة في الثقافة الإسلامية هي ملاحظة الروح والجسد معاً، والأخذ بالاعتبار الرغبات الروحية والمعنوية والرغبات الجسدية والمادية، فمن أخل بأحدهما فقد أخلّ نسبياً بسعادته، أي بنسبة ما أهمل من رغباته، فالقرآن أوّبنا في دعائه (ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة) فالجمع بين الحسنتين الدنيوية والأخروية هي السعادة التامة، ولا يكون ذلك إلا لمن كان من أهل الجنة، فأما الذين سعدوا ففي الجنة بإيمانهم وعملهم الصالح، وأما الذين شقوا ففي النار بذنوبهم وكفرهم ورذائلهم الأخلاقية.

ثم اختلف العلماء بأنّ السعادة ذاتية أو عرضية، والثابت عندنا أنها عرضية، إنّما يكسبها الإنسان بفعله، وأما ما ورد في الحديث لو صح سنده أنه (السعيد سعيد في بطن أمه)، فلا يعني هذا على ذاتية السعادة؛ لأن بطن الأم ليس وعاء للذاتيات إنما وعاء لوجود الإنسان وليس لماهيته وذاتياته كالحيوانية والناطقية مثلاً، فمعنى الخير أنه لو رأينا أعمال الإنسان من البداية الدالة على صلاحه وحسن عاقبته، فإنه يقال هو سعيد من بطن أمه، وكذلك الشقي لو رأينا أعماله السيئة كعمر بن سعد فإنه منذ طفولته كان الأطفال يقولون له يا قاتل الحسين بعد ما أخبر أمير المؤمنين(ع) أباه سعد أن في بيتك سخلة تقتل ولدي الحسين(ع).

ومما يدلّ على عدم ذاتية السعادة والشقاء الدعاء، فإنه في كثير من أدعية أهل البيت(عليهم السلام) نرى أنه نسأل الله السعادة، بل إذا كان إسمنا مكتوب في لوحة المحو والاثبات من الأشقياء فإنه بدعائنا هذا نريد أن يمحوا الله ذلك ويكتبنا من السعداء، فإذا كان الشقاء ذاتياً كيف يمحو ذلك فإنّه يلزم إنقلاب الماهية وهو ممتنع عقلاً.

ومن الأدعية المجربة عندي في طلب السعادة وقد إلتزمت به من قديم الزمان ورأيت الخير والسعادة في حياتي ما ورد في كتاب (مفاتيح الجنان) في تعقيبات صلاة الصبح عن مولانا الإمام الصادق(ع) قال: ما يمنعكم أن تقولوا في كل صباح ومساء ثلاث مرات ـ وهذا يعني أنك تفتح نهارك بمفتاح دعاء السعادة كما تختمه وتفتح ليلك بمفتاح دعاء السعادة ـ فتقول ولثلاث مرات في الصباح وفي المساء (اللهم مقلب القلوب والأبصار ثبت قلبي على دينك، ولا تزغ قلبي بعد إذ هديتني، وهب لي من لدنك رحمة إنك انت الوهاب، وأجرني من النار برحمتك، اللهم امدد لي في عمري، وأوسع عليّ في رزقي، وانشر علي رحمتك وإن كنت عندك في أم الكتاب شقياً فاجعلني سعيداً، فإنك تمحو ما تشاء وتثبت وعندك أم الكتاب).

الله الله في هذا الدعاء الجميل الذي سميته مفتاح السعادة لفتح أبواب النهار وأبواب الليل. وما أروع ما وراء كل مفردة من مفرداته من المعاني والمفاهيم والمعارف، فقولك (اللهم) يعني يا الله، فأنت في حضور ربّ العالمين وتناجيه وتدعوه وتصفه بأنّه مقلّب القلوب والأبصار ومحوّل الحول والأحوال ومدبّر الليل والنهار، فإذا كان القلب قاسياً فحوّله يا ربي إلى أحسن حال واجعله قلباً ليّناً سليماً، وإذا كان فيه الحقد فاجعل فيه المحبّة والمودّة وغير ذلك، وإذا كان القلب في تقلب الاحوال فيحرف ويزيغ ويضلّ وتزلّ أقدامه فأسئلك يا رب وإلهي أن تثبت قلبي على دينك الذي ارتضيته لي ديناً وهو الإسلام (ورضيت لكم الإسلام ديناً) فإن فيه خير الدنيا والآخرة، لو آمنت به وعملت به مع ثبات القدم والعقيدة، فلا تزغ قلبي حتى لا يميل إلى اليسار واليمين، وإلى فلان وفلان، بعد إذ هديتني سواء السبيل والصراط المستقيم وولاية أمير المؤمنين علي(ع).

ثم يا ربي إنك الوهاب تهب الرزق والفضل والخير لمن تشاء من غير حساب ومن دون إستحقاق لأن الهبة عطاء وكرم وجود من دون إستحقاق فهب لي من عندك ومن لدنك رحمة خاصة التي هي قريبة من المحسنين والمؤمنين، وهي الرحمة الرحيمة وإنّما أطلب ذلك منك إذ أنت الوهاب.

ـ صيغة مبالغة من الهبة أي أنت كثير الهبة والعطايا والجود والكرم ـ ثم خلصني من العذاب وأجرني من نارك وسخطك برحمتك الرحيمية الخاصة بالمؤمنين في دنياهم وفي آخرتهم. هذه هي حاجاتي لآخرتي أن لا أكون من أهل النار ومن الأشقياء بل أكون من السعداء في الدنيا والآخرة لأن الآخرة إما جنّة وإما نار فلو خلصتني من النار فأكون من أهل الجنّة.

ومن السعادة في الدنيا طول العمر في طاعتك وحبك وعبادتك فأسئلك يا الله أن تمد لي في عمري ولا أريد الحياة الضيقة والعيش المرير والصعب والذي من مره وصعوبته الفقر والحرمان، بل يا إلهي أوسع عليّ وعلى كل من يلوذ بي من عيالي وأهلي وأصدقائي وجيراني في رزقي وارزقنا وارزقهم فإنك واسع الرحمة وتب علينا وأوسع عليّ في رزقي وأنشر علي رحمتك العامة والخاصة، فإنك إن روقتني الرزق الواسع الحلال الطيب الهني ونشرت علي رحمتك الواسعة الفاضلة الكريمة، فإني سعيد في حياتي.

ويا رب في نهاية المطاف وفي نهاية دعائي أسئلك بحق محمد وآل محمد إن كنت عندك في ام الكتاب وهو اللوح المحفوظ ولوح المحو والإثبات شقياً ومن أهل النار والضلالة فاجعلني من السعداء واجعلني سعيداً في دنياي وآخرتي لأنك قلت سبحانك (قل ما يعبأ بكم ربي لولا دعائكم) وقلت (وادعوني أستجب لكم) فمنا الدعاء ومنك الإجابة فهذه يداي أرفعهما إليك متضرعاً خاضعاً واسئلك الرحمة والسعادة فإذا كنت عندك شقياً فاجعلني سعيداً لأنك أنت قلت في كتابك (يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب) فإنك تمحو ما أثبته من شقائي بدعائي فإني لا أملك لنفسي إلا الدعاء فإدعوك لتمحو إسمي من الأشقياء وتكتبه في السعداء فإنك تمحو ما تشاء وتثبت وعندك أم الكتاب وهو اللوح المحفوظ وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

فتعالوا أيها الأصدقاء نتعاهد معاً لنقرأ هذا الدعاء ونفكر فيه ونعمل به حتى نكون كلنا من السعداء فإنه في الآخرة نكون كلنا على بركة الله وفي جناته من الأصدقاء الأتقياء يطوف علينا الولدان المخلدون بأكواب وأباريق وكأس من معين آمين.

الكاتب: السيد عادل العلوي