المذهب الشیعي » أجوبة الشبهات » ر » الرجعة » المذهب الشیعي » أجوبة الشبهات »

إمكانية الرجعة والأدلّة على ذلك من الكتاب والسنّة

السؤال:

لقد أوضحتم جزاكم الله مفهوم الرجعة من خلال بعض الإجابات، لكن السؤال: كيف أثبت الرجعة من خلال آيات القرآن الكريم والسنّة؟ شاكراً لكم.

الجواب:

قال السيّد المرتضى(قدس سره): «اعلم إنّ الذي يقوله الإمامية في الرجعة لا خلاف بين المسلمين ـ بل بين الموحّدين ـ في جوازه، وأنّه مقدور لله تعالى.

وإنّما الخلاف بينهم: في أنّه يوجد لا محالة، أو ليس كذلك، ولا يخالف في صحّة رجعة الأموات إلّا ملحد وخارج عن أقوال أهل التوحيد؛ لأنّ الله تعالى قادر على إيجاد الجواهر بعد إعدامها، وإذا كان عليها قادراً جاز أن يوجدها متى شاء»(۱).

وقال الآلوسي: «وكون الإحياء بعد الإماتة، والإرجاع إلى الدنيا من الأُمور المقدورة له عزّ وجلّ، ممّا لا ينتطح فيه كبشان، إلّا أنّ الكلام في وقوعه»(۲).

فإذا كان إمكان الرجعة أمراً مسلّماً به عند جميع المسلمين، فلماذا الشكّ والاستغراب لوقوع الرجعة؟! ولماذا التشنيع والنبز بمَن يعتقد بها؛ لورود الأخبار الصحيحة المتواترة عن أئمّة الهدى(عليهم السلام) بوقوعها؟

قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ المَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللهُ مُوتُواْ ثُمَّ أَحْيَاهُمْ…﴾(۳).

فجميع الروايات الواردة في تفسير هذه الآية المباركة، تدلّ على أنّ هؤلاء ماتوا مدّة طويلة، ثمّ أحياهم الله تعالى، فرجعوا إلى الدنيا، وعاشوا مدّة طويلة.

فإذا كانت الرجعة قد حدثت في الأزمنة الغابرة، فلم لا يجوز حدوثها في آخر الزمان: ﴿سُنَّةَ الله فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ الله تَبْدِيلاً…﴾(۴).

وقال تعالى: ﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّىَ يُحْيِـي هَـَذِهِ اللهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللهُ مِئَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَل لَّبِثْتَ مِئَةَ عَامٍ…﴾(۵).

لقد اختلفت الروايات والتفاسير في تحديد هذا الذي مرّ على قرية، لكنّها متّفقة على أنّه مات مئة عام، ورجع إلى الدنيا وبقي فيها، ثمّ مات بأجله، فهذه رجعة إلى الحياة الدنيا.

قال رسول الله(صلى الله عليه وآله): «لتركبنّ سنن مَن كان قبلكم شبراً بشبر، وذراعاً بذراع، حتّى لو أنّ أحدهم دخل حجر ضب لدخلتم»(۶).

هذا وروي عن أبي بصير أنّه قال: قال لي أبو جعفر(عليه السلام): «ينكر أهل العراق الرجعة؟ قلت: نعم، قال: أمّا يقرؤون القرآن ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِن كلّ أُمَّةٍ فَوْجًا﴾»؟(۷).

وروي عن حمّاد، عن الإمام الصادق(عليه السلام) قال: «ما يقول الناس في هذه الآية: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِن كلّ أُمَّةٍ فَوْجًا﴾؟ قلت: يقولون: إنّها في القيامة.

قال(عليه السلام): ليس كما يقولون، إنّ ذلك الرجعة، أيحشر الله في القيامة من كلّ أُمّة فوجاً ويدع الباقين؟! إنّما آية القيامة قوله: ﴿وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا﴾»(۸).

ويمكن أن يتجلّى لنا الهدف من هذا الأمر الخارق الذي أخبر به أئمّة الهدى(عليهم السلام)، إذا عرفنا أنّ العدل الإلهي واسع سعة الرحمة الإلهية، ومطلق لا يحدّه زمان ولا مكان، وأنّه أصيل على أحداث الماضي والحاضر والمستقبل، والرجعة نموذج رائع لتطبيق العدالة الإلهية؛ ذلك لأنّها تعني أنّ الله تعالى يعيد قوماً من الأموات ممّن محّض الإيمان محضاً، أو محّض الكفر محضاً، فيديل المحقّين من المبطلين عند قيام المهدي(عليه السلام).

وفي الختام: نشير إلى أنّ الشيخ الحرّ العاملي(قدس سره) أورد في الباب الثاني من كتابه «الإيقاظ من الهجعة بالبرهان على الرجعة» اثني عشر دليلاً على صحّة الاعتقاد بالرجعة، وأهمّ ما استدلّ به الإمامية على ذلك: هو الأحاديث الكثيرة المتواترة عن النبيّ والأئمّة(عليهم السلام) ـ المروية في الكتب المعتمدة ـ وإجماع الطائفة المحقّة على ثبوت الرجعة، حتّى أصبحت من ضروريات مذهب الإمامية.

____________________

۱ـ رسائل المرتضى ۳/۱۳۵٫

۲ـ روح المعاني ۱۰/۲۳۷٫

۳ـ البقرة: ۲۴۳٫

۴ـ الأحزاب: ۶۲٫

۵ـ البقرة: ۲۵۹٫

۶ـ مسند أحمد ۲/۵۱۱، صحيح البخاري ۸/۱۵۱، المستدرك ۴/۴۵۵، مجمع الزوائد ۷/۲۶۱، مسند أبي داود: ۲۸۹٫

۷ـ النمل: ۸۳، مختصر بصائر الدرجات: ۲۵٫

۸ـ الكهف: ۴۷، مختصر بصائر الدرجات: ۴۱٫