احمد-مرزوقي-امين

احمد مرزوقي امين – اندونيسيا – شافعي

ولد في “جاكرتا” عاصمة أندونيسيا ونشأ في أسرة شافعيّة المذهب.
ثمّ أكمل المرحلة العالية في المعهد الإسلامي في “بانجيل”، ثمّ هاجر في طلب علوم أهل البيت(عليهم السلام) إلى سوريا وإيران للدراسة في حوازتها العلميّة، ثمّ عاد إلى الوطن لنشر معارف الإسلام الحقّة.

استبصاره:

اطلع على مذهب أهل البيت(عليهم السلام) عن طريق بعض أصدقائه من الشيعة في المعهد الإسلامي في “بانجيل”، وفتبيّنت له حقيقة مذهبهم بالأدلّة الواضحة من القرآن والسنّة الشريفة، وعرف أنّ هذا المذهب يحمل حقيقة الإسلام، وتتواجد فيه كلّ معالم التكامل الإسلامي، فقرّر الانتماء إليه والتمسّك بولاء أهل البيت(عليهم السلام)كما أوصى الرسول الأعظم(صلى الله عليه وآله) في أكثر من حديث تناقله المسلمون في كتبهم على اختلاف مذاهبهم.

السجود على الأرض أم السجّاد:

إنّ من المشاكل الخلافية التي صادفته هي مسألة السجود على الأرض أو التربة التي وجدها في أحاديث النبيّ(صلى الله عليه وآله) وبين السجود على السجّادة حيث كان قد درس سابقاً في مذهبه الشافعي أنّ العمامة أو الشعر لا يصح أن يحجبا الجبهة عن السجود، فكيف صحّ السجود على العمامة أو السجادة إذا كانت مفروشة على الأرض وما الفرق بينهما؟!

السجود على الأرض بدعة أم سنّة:

إنّ من الأمور التي تعرّض من خلالها الشيعة وأتباع مدرسة أهل البيت(عليهم السلام)للنقد من قبل مخالفيهم هي مسألة السجود على الأرض في صلواتهم اليوميّة، فقيل أنّ هذا السجود من الأمور المبتدعة، بل زاد بعض المغرضين في الطين بله واشاعوا بين العوام بأنّ الشيعة مشركون، لأنّهم يسجدون ويعبدون الأرض أو التربة.
وهذه التهمة واضحة البطلان لوضوح الفرق بين السجود على الأرض والسجود للأرض، وما يعمله الشيعة هو السجود على الأرض قربة إلى الله تعالى وتواضعاً له، أمّا إذا كان السجود للأرض فلا شكّ ولا ريب بأنّه شرك، وهكذا لو سجد الشخص للسجادة أو الحصير فلا موضوعيّة للأرض خاصّة دون غيرها بل كلّ ما كان السجود لغير الله فهو شرك، وهذا ما لا يقول أحدٌ من أهل القبلة.
وأما تهمة ابتداع السجود على الأرض لمجرّد أنّ الآخرين يسجدون على السجاد فهو ظلم كبير يقترفه من يقول به.
إنّ الذي يذهب إليه علماء الإماميّة هو أنّ السجود يكون على الأرض أو ما نبت فيها من غير المأكول والملبوس، أي: بلا حائل من شيء آخر، أمّا علماء أهل السنّة فذهبوا إلى جواز السجود على الحصير أو الفرش وغيرها فضلاً عن الأرض أو الحجر.
وهذا هو المشهور بين العلماء والمذكور في كتبهم، ولو أردنا أن نحقّق أكثر في هذا الموضوع ـ الذي لا يصحّ أن يكون موضوعاً للخلاف، غير أنّ المغرضين يزعجهم اتّحاد المسلمين فيخلقوا من كلّ موضوع لا يحتمل الخلاف موضوعاً خلافيّاً بأدنى مناسبة ونحن نجد أنّ بعض علماء أهل السنّة أيضاً يوافقون رأي الإماميّة، أو أنّهم اعتبروا على أقل تقدير بأنّ السجود على الأرض أحسن وأكمل أو أنّه من السنّة وليس أمراً مبتدعاً. نذكر على سبيل المثال ما يلي:
۱ ـ ورد في الفقه على المذاهب الأربعة ما نصّه: ويندب إلصاق جميع الجبهة بالأرض وتمكينها(۱).
۲ ـ كتب الغزالي في كتابه الإحياء: “ثمّ نهوي إلى السجود وهو أعلى درجات الاستكانة، فتمكن أعز اعضائك وهو الوجه من أذل الأشياء وهو التراب، وان امكنك ألاّ تجعل بينهما حائلاً، فتسجد على الأرض فافعل، فإنّه أجلب للخشوع وأدل على الذل”(۲).
۳ ـ ورد في المنتقى: “ويستحب أن يباشر بجبهته الأرض في السجود”(۳).
۴ ـ وفي المغني: “وقال أبو الخطاب: لا يجب مباشرة المصلي بشيء من أعضاء السجود إلاّ الجبهة”(۴).
هل يستفاد وجوب السجود على الأرض من أحاديث الرسول(صلى الله عليه وآله)؟

ورد عن الرسول(صلى الله عليه وآله) في كتب أهل السنة جملة من الأحاديث التي لها صلة بالسجود على الأرض ومن هذه الأحاديث:
روي عن الإمام علي(عليه السلام)، وعبدالله بن عباس، وأبو ذر الغفاري، وأبو امامة، وأبو سعيد الخدري وأنس بن مالك، وعبدالله بن عمر، وعبدالله بن الزبير، والسائب بن يزيد، وجابر بن عبدالله الأنصاري وحذيفة اليماني، وأبو موسى الاشعري: “جعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً”(۵) وبعبارة أخرى “جعلت لنا الأرض كلّها مسجداً وطهوراً”(۶) وبعبارة ثالثة “جعلت لي الأرض طيبة طهوراً ومسجداً”(۷).
قد يقال إنّ كلمة “مسجداً” في هذا النصّ لا نعني محلّ السجود بل تعني محلّ الصلاة، وبالتالي لا تدلّ على الوجوب، ويرد على هذا القول بأنّ الرسول(صلى الله عليه وآله)قرن كلمة السجود بكلمة الطهور التي تعني آلة الطهارة، وهو ما يسمى بالتيمّم، والذي يصحّ به التيمم هو الأرض أو التراب فقط فالسجود أيضاً كذلك.
ثمّ إنّ هناك قرائن تدلّ على الوجوب في بعض الأحاديث الأخرى، وتحدّد السجود على الأرض لا غير، منها :
۱ ـ عن أم سلمة أنّها رأت نسيبا لها ينفخ إذا أراد أن يسجد، فقالت: إن رسول الله(صلى الله عليه وآله)قال لغلام يقال له رباح: “ترّب وجهك”(۸).
۲ ـ روي عن عياد بن عبدالله أنّه قال: رأى رسول الله(صلى الله عليه وآله) رجلاً يسجد على كور عمامته، فاومأ بيده أرفع عمامتك وأومأ على جبهته(۹).
۳ ـ قال الوائل بن حجر: رأيت النبي(صلى الله عليه وآله) إذا سجد وضع جبهته وأنفه على الأرض(۱۰).
۴ ـ عن ابن عباس: أنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله) سجد على الحجر(۱۱).
۵ ـ عن عائشة أنّها قالت: ما رأيت رسول الله(صلى الله عليه وآله) متّقياً وجهه بشيء(۱۲).
۶ ـ قال ابن عباس: قال رسول الله(صلى الله عليه وآله): من لم يلزق أنفه مع جبهته بالأرض إذا سجد لم تجز صلاته(۱۳).

وعندما يرى ويدقّق المتأمّل المصنف في هذه النصوص وغيرها يصل إلى أنّ السجود على الأرض ليس بدعة، بل هو من الواجبات التي لابدّ من امتثالها، فكيف أصبحت سنّة الرسول الصحيحة في كتب القوم بدعة، وصار من يسجد على الأرض من أهل البدعة والضلال إن لم يكن مشركاً كما يزعمون!
إنّ كلّ عاقل يريد الاحتياط لدينه والاطمئنان على صحّة عباداته; حتّى لا يذهب عمره بالتعب سدى لابدّ له أن يسجد على الأرض لاتّفاق العلماء ـ شيعة وسنّة ـ على جوازه وإجزاء صلاته، بل قال بعض علماء السنّة بافضليّته كما تقدّم.

إعلان الانتماء إلى مذهب أهل البيت(عليهم السلام):

واصل “أحمد” دراسته ومقارنته بين مذهبه ومذهب أهل البيت(عليهم السلام) حتّى توصل في نهاية المطاف إلى أحقيّة مذهب أهل البيت(عليهم السلام)، فترك مذهبه السابق، وأعلن بكلّ جرأة انتماءه إلى مذهب عترة الرسول(صلى الله عليه وآله).

(۱) الفقه على المذاهب الأربعة ۱۲: ۲۳۲٫
(۲) إحياء علوم الدين ۱: ۱۶۹٫
(۳) المنتقى ۱ / ۲۸۷٫
(۴) المغني لابن قدامة ۱: ۱۱۷٫
(۵) صحيح البخاري: ۱ / ح ۴۳۸٫
(۶) كنز العمال، المتقي الهندي: ۱۱ / ح ۳۲۰۷۲٫
(۷) صحيح مسلم: ۱ / ح ۵۲۱٫
(۸) مسند أبي يعلى الموصلي: ۶ / ح ۶۹۱۸٫
(۹) السنن الكبرى، البيهقي: ۲ / ح ۲۶۵۹٫
(۱۰) أحكام القرآن للجصاص ۳: ۲۰۹٫
(۱۱) المستدرك، الحاكم النيسابوري: ۲ / ح ۱۷۷۵، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي.
(۱۲) كنز العمال المتقي الهندي ۸ / ح۲۲۲۳۶٫
(۱۳) مجمع الزوائد ۲ / ح ۲۷۶۲٫