۱۴۳۰-the-alhejjah-7-1024

استدعاء الإمام الباقر(ع) إلى دمشق

استولى هشام بن عبد الملك على الحكم في اليوم الذي هلك فيه أخوه يزيد ، وهو المعروف بـ( أحول بني أميَّة ) .

وكان حقوداً على ذوي الأحساب العريقة ، ومبغضاً لكل شريف ، وهو الذي قتل زيد بن علي ، وتعرَّض الإمام الباقر ( عليه السلام ) في عهده إلى ضروب من المِحَن والآلام .

ولغرض الحَدِّ من تحرُّك الإمام ( عليه السلام ) وتأثيره على الناس ، أمر الطاغية هشام بن عبد الملك عامِلَه على المدينة بحمل الإمام إلى ( دمشق ) .

الإمام ( عليه السلام ) في دمشق :

لما انتهى الإمام الباقر ( عليه السلام ) إلى ( دمشق ) ، وعَلِم هشام بقدومه ، أوعزَ إلى حاشيته أن يقابلوه بمزيد من التوهين والتوبيخ عندما ينتهي حديثه معه .

ودخل الإمام ( عليه السلام ) على هشام ، فَسَلَّم على القوم ، ولم يُسلِّم عليه بالخلافة .

فاستشاط هشام غضباً ، وأقبل على الإمام (عليه السلام ) فقال له : يا محمد بن علي ، لا يزال الرجل منكم قد شَقَّ عصا المسلمين ، ودعا إلى نفسه ، وزعم أنه الإمام سفهاً ، وقِلَّة عِلم .

ثم سكت هشام ، فانبرى عملاؤه ، وجعلوا ينالون من الإمام ( عليه السلام ) ويسخرون منه .

وهنا تكلم الإمام ( عليه السلام ) فقال : ( أيُّها الناس ، أين تذهبون ؟ وأين يُرَاد بكم ؟ بِنَا هدى الله أوَّلكم ، وبنا يختم آخركم ، فإنَّ يَكُن لكم مُلْكٌ مُعَجَّل ، فإنَّ لنا مُلكاً مؤجلاً ، وليس بعد مُلكِنا مُلك ، لأنَّا أهل العاقبة ، والعاقبة للمتقين ) .

وخرج الإمام ( عليه السلام ) بعد أن ملأ نفوسهم حزناً وأسى ، ولم يستطعيوا الرد على منطقه القوي .

وازدحم أهل الشام على الإمام ( عليه السلام ) وهم يقولون : هذا ابن أبي تراب .

فرأى الإمام ( عليه السلام ) أن يهديهم إلى سواء السبيل ، ويعرفهم بحقيقة أهل البيت ( عليهم السلام ) .

فقام ( عليه السلام ) فيهم خطيباً ، فحمد الله وأثنى عليه ، وصَلَّى على رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ، ثم قال : ( اِجتنبوا أهل الشِّقاق ، وذُرِّية النِّفاق ، وحشو النار ، وحصب جَهَنَّم ، عن البَدْر الزاهر ، والبحر الزَّاخِر ، والشهاب الثَّاقب ، وشهاب المؤمنين ، والصراط المستقيم ، من قبل أن نطمس وجوهاً فَنَردُّها على أدبارها ، أو يُلعَنوا كما لُعِن أصحاب السبت ، وكان أمر الله مفعولاً ) .

ثم قال ( عليه السلام ) بعد كلام له : ( أبِصِنْوِ رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) – أي : الإمام علي ( عليه السلام ) – تستهزئون ؟ أم بِيَعْسوب الدِّين تلمزون ؟ وأيُّ سبيلٍ بَعدَه تسلكون ؟ وأيُّ حُزن بَعده تدفعون ؟

هيهات ، برز والله بالسبق ، وفاز بالخصل ، واستولى على الغاية ، وأحرز على الختار [ الغدر ] ، فانحسرت عنه الأبصار ، وخضعت دونه الرقاب ، وفرع الذُّروة العُليا ، فَكذب من رام من نفسه السعي ، وأعياه الطلب ، فأنَّى لهم التناوش من مكان بعيد ؟! .

فَأنَّى يسدُّ ثلمة أخي رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) إذ شَفَعُوا ، وشقيقه إذْ نَسَبوا ، وندّ يده إذ قَتَلوا ، وذي قرني كنزها إذ فَتَحوا ، ومُصلِّي القبلتين إذ تَحرَّفوا ، والمشهود له بالإيمان إذ كَفَروا ، والمُدَّعي لنبذ عهد المشركين إذ نكلوا ، والخليفة عَلى المِهَاد ليلة الحصار إذ جَزَعوا ، والمستودع الأسرار ساعة الوداع ) .

ولمّا ذاع فضل الإمام ( عليه السلام ) بين أهل الشام ، أمر الطاغية باعتقاله وسجنه .

وحين احتفَّ به السجناء ، وأخذوا يتلقون من علومه وآدابه ، خشي مدير السجن من الفتنة ، فبادر إلى هشام فأخبره بذلك ، فأمره بإخراجه من السجن ، وإرجاعه إلى بلده ( المدينة ) .

وهنا أمر الطاغية بمغادرة الإمام الباقر ( عليه السلام ) لمدينة ( دمشق ) ، خوفاً من أن يفتتن الناس به ، وينقلب الرأي العام ضد بني أمية .

ولكنه أوعَزَ الى أسواق المدن ، والمحلات التجارية ، الواقعة في الطريق ، أن تغلق محلاتها بوجهه ، ولا تبيع عليه أية بضاعة ، وأراد بذلك هلاك الإمام ( عليه السلام ) والقضاء عليه .

وسارَت قافلة الإمام ( عليه السلام ) وقد أضناها الجوع والعطش ، فاجتازت على بعض المدن ، فبادر أهلها إلى إغلاق محلاَّتهم بوجه الإمام ( عليه السلام ) ، ولما رأى الإمام ذلك صعد على جبل هناك ، ورفع صوته قائلاً : ( يا أهل المدينة ، الظالم أهلها ، أنا بقية الله ، يقول الله تعالى : ( بَقِيَّةُ اللّهِ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ وَمَا أَنَاْ عَلَيْكُم بِحَفِيظٍ ) ) هود : ۸۶ .

وما أنهى الإمام ( عليه السلام ) هذه الكلمات حتى بادر شيخ من شيوخ المدينة فنادى أهل قريَتِه قائلاً : يا قوم ، هذه والله دعوة شعيب ، والله لَئِن لن تخرجوا إلى هذا الرجل بالأسواق لتؤخذنَّ من فوقكم ، ومن تحت أرجلكم ، فصدِّقُوني هذه المرة ، وأطيعوني ، وكذِّبوني فيما تستأنفون ، فإني ناصح لكم .

وفزع أهل القرية ، فاستجابوا لدعوة الشيخ الذي نَصَحَهم ، ففتحوا حوانيتهم ، واشترى الإمام ( عليه السلام ) ما يريده من المتاع ، وفَسَدَت مكيدة الطاغية ، وما دبَّره للإمام ( عليه السلام ) ، وقد انتهت إليه الأنباء بِفَشَل مؤامرته .