المذهب الشیعي » أجوبة الشبهات » الف » آية التطهير »

استقلالية آية التطهير

السؤال:

أعلم أن العلماء يقولون بنفي تحريف القرآن ، ولكن هناك قول لبعض أقوال الشيعة مثل ( صالح الورداني ) المستبصر ، فإنه يقول بأن آية التطهير ليست في مكانها الأصلي ، فما هو رَدُّكم ؟

الجواب:

لعل الأخ الورداني يشير إلى التحريف بالترتيب ، فهناك معنىً للتحريف لا خلاف بين المسلمين في وقوعه في القرآن الكريم ، وهو أن القرآن الموجود ليس تدوينه بحسب ما نزل ، فيختلف وضع الموجود عن تنزيله وترتيبه في النزول .

وهذا ما ينص عليه علماء القرآن في كتبهم ، فالسيوطي في كتاب ( الإتقان ) يذكر أسماء السور بحسب نزولها .

كما لا يوجد نصٌّ واحد في جميع كتب الحديث والتفسير يشير إلى نزول آية التطهير مع آية أخرى .

بل جميع النصوص المرويَّة في المقام لدى الفريقين تصرح بنزولها مستقلة ، ومن كان له أدنى حظ في متابعة كتب الحديث والتفسير يُسَلِّم بهذه الحقيقة .

وهي إما أن تكون نزلت في بيت أم سلمة ، وهو الأرجح ، لكثرة الروايات في ذلك .

وإما أن تكون قد نزلت في بيت عائشة ، كما هو صريح الروايات الخاصة بحديث الكساء .

إذ في الروايات تصريح لكلٍّ منهما – أم سلمة وعائشة – بقولهما : ( نزلت هذه الآية في بيتي ) ، ثم تقرأ الآية .

ولكنك – على الرغم من كثرة الروايات البالغة درجة التواتر والتي تصرح بهذه الحقيقة – تجد أن الآية قد اتصلت بكلام من الذكر الحكيم ، فكانت جزء آية لا آية ، حتى صار الجزءان آية واحدة .

والآية هي قوله تعالى : ( وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلوةَ وَآتِينَ الزَّكَوةَ وَأَطِعْنَ اللهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً ) الأحزاب ۳۳ .

ثم قال تعالى بعد ذلك مباشرة : ( وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللهَ كَانَ لَطِيفاً خَبِيراً ) الأحزاب ۳۴ .

ويلاحظ هنا أمور عِدَّة نكتفي بذكر واحد منها ، وهو : إن صدر الآية الأولى يختلف عن ذيلها اختلافاً كُلِّيّاً ، فَلِسَان الصدر لسان الإنذار والتهديد والوعيد ، ولسان الذَّيل لسان المدح والثناء والتعظيم .

فلو رفع الذيل ووصلت الآية التي بعدها بها لما حصل أدنى اختلاف في النظم البياني ، ولا البلاغي ، ولا الإيقاعي ، ولا النغمي المعهود في فواصل الآيات ، ولجاء المعنى تامّاً خالياً من أدنى ملاحظة يمكن أن تترتَّب على رفع ذيل الآية .

وهذا يدل على أن آية التطهير لم تكن في أصل النزول جزء آية بل آية تامة وإنَّ وضْعَها في هذا المكان من سورة الأحزاب إما أن يكون بتوقيف من النبي الأعظم ( صلى الله عليه وآله ) أو بتصويب من جامعي القرآن الكريم بعده .

ونظير هذا بالضبط قوله تعالى : ( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِيناً ) المائدة ۳ .

فقد اتفق الطرفان على نزول هذه الآية الكريمة في غدير خم ، وذلك بعد إتمام البيعة لأمير المؤمنين ( عليه السلام ) بروايات كثيرة لا مجال لدفعها بحال من الأحوال .

بينما نجد هذا القول الكريم هو جزء من آية من سورة المائدة ، على أن الجزء المتقدم عليه والذي بعده هو في بيان أحكام اللحوم .

فلو اتصل الجزءان معا ، ورفع ما يخص إتمام الدين ، لكان المعنى تامّاً ، والنظم سالماً من أدنى ملاحظة تُقَال .

أما ما هو السِّر في جعل تلك الآيات أجزاء آيات أخرى ، فيمكن توضيحه فيما يأتي ، فنقول : لا يخفى على أحد له حظ من العلم ، أن قوله تعالى : ( إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلوةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَوةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ ) المائدة ۵۵ .

قد نزل في أمير المؤمنين علي ( عليه السلام ) بالاتفاق على أثر التصدق بخاتمه ( عليه السلام ) ، وهو راكع لله عزَّ وجلَّ .

ولا يبعد أن تكون آية التطهير وآية إكمال الدين وإتمام النعمة ورضى الرب سبحانه ، قد وضعت على ما هي عليه اليوم لنفس تلك الحكمة .

هذا مع القول بالترتيب التوقيفي الذي لم يثبت تواتره ، وأما مع القول الآخر ، فإن ذا الحِجَى يُدرِك غايَتَه .