الآيات والروايات الدالة على البداء

الآيات والروايات الدالة على البداء

السؤال:

ما هو رأي الشيعة في البداء ؟ وما هي الإشكالات المطروحة ؟ وما هو رد الشيعة ؟ .

الجواب:

البَدَاء لغة : الظهور بعد الخفاء .

والبَدَاء اصطلاحاً : ظهور شيء بعدما كان خافياً على الناس .

والشيعة الإمامية تعتقد بالبداء وأنه من المسلَّمات ، وقد حثَّت روايات أهل البيت ( عليهم السلام ) على الإعتقاد به ، وهي روايات كثيرة منها :

۱ – قال الإمام الصادق ( عليه السلام ) : ( مَا عُظِّم الله بمثل البداء ) [ الكليني / الكافي – باب البداء ] .

۲ – قال الإمام الصادق ( عليه السلام ) : ( لو علم الناس ما في البداء من الأجر ما فتروا عن الكلام فيه ) [ المصدر السابق ] .

قال الإمام الباقر أو الإمام الصادق ( عليهما السلام ) : ( ما عُبِد الله بشيء مثل البداء ) [ المصدر السابق ] .

هذا إجمالاً ، وأمَّا تفصيلاً ، فقد تعرَّض المخالفون إلى مسألة البداء من دون مراجعة إلى كتب الشيعة ، فاتهموا الشيعة بأنهم يقولون بالبداء على الله تعالى ، وعليه يلزم من هذا القول الجهل على الله تعالى .

والواقع أن منكري البداء اختلقوا من عند أنفسهم للبداء معنى ، وجعلوا يردِّدُون به على الشيعة ، غافلين عن أنَّ أتْبَاع أئمة أهل البيت ( عليهم السلام ) براء من ذلك المعنى براءة يوسف ( عليه السلام ) من الذنب الذي أُلصق به .

ولتوضيح الحقيقة نقول : قلنا في بداية الجواب أن معنى البداء في اللغة هو الظهور بعد الخفاء ، والدليل عليه بعض الآيات المباركة من قبيل :

الآية الأولى :

قوله تعالى : ( وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا ) الزمر : ۴۸ .

أي ظهر لهم ما كان خافياً عليهم سيئات ما كسبوا .

والآية الثانية :

قوله تعالى : ( ثُمَّ بَدَا لَهُم مِّن بَعْدِ مَا رَأَوُاْ الآيَاتِ ) يوسف : ۳۵ .

وهذا المعنى من البداء يحصل كثيراً ما للانسان فقط .

ولا يحصل في حق الله عزَّ وجل ، لأنه يلزم الجهل عليه ، وقد اتفقت الشيعة الإماميَّة على أنَّه سبحانه وتعالى لا يجهل شيئاً ، بل هو عالم بالحوادث كلها ، غابرها وحاضرها ومستقبلها .

ولا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء ، فلا يُتَصَوَّر فيه الظهور بعد الخفاء ، ولا العلم بعد الجهل ، بل الأشياء دقيقها وجليلها حاضرة لديه .

ويدل على ذلك الكتاب الكريم ، كقوله تعالى : ( إِنَّ اللهَ لاَ يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي السَّمَاءِ ) آل عمران : ۵ .

ومن السنة المروية عن طريق ائمة أهل البيت ( عليهم السلام ) ، كقول أمير المؤمنين ( عليه السلام ) : ( كُلّ سِرٍّ عندك علانية ، وكل غيب عندك شهادة ) [ نهج البلاغة / الخطبة ۱۰۵ ] .

مُضافاً إلى البراهين العقلية المقرَّرة في محلِّها .

وأما البداء في الاصطلاح فيمكن نِسبتُه إلى الله تعالى ، ولا يلزم منه الجهل ، فعندما يُقال : بدا لله تعالى ، بمعنى أظهر ما كان خافياً على الناس ، لا خافياً عليه .

لأن الآيات والأحاديث دلَّت على أن مصير العباد يتغيَّر بحسب أفعالهم وصلاح أعمالهم ، من الصدقة ، والإحسان ، وصلة الأرحام ، وبر الوالدين ، والاستغفار ، والتوبة ، وشكر النعمة وأداء حقِّها .

إلى غير ذلك من الأمور التي تغيِّر المصير ، وتبدِّل القضاء ، وتفرِّج الهموم والغموم ، وتزيد في الأرزاق ، والأمطار ، والأعمار ، والآجال .

كما أن لِمُحرَّم الأعمال وسيئها ، تأثيراً في تغيير مصيرهم بعكس ذلك .

ويدل على هذا التغيير من الآيات قوله تعالى : ( إِنَّ اللهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِم ) الرعد : ۱۱ .

والآيات التالية : الأعراف : ۹۶ ، إبراهيم : ۷ ، نوح : ۱۰ – ۱۲ ، الصافَّات : ۱۴۳ – ۱۴۶ ، يونس : ۹۸ ، الأنبياء : ۷۶ و ۸۳ و ۸۸ ، الطلاق ۲ – ۳ ، الأنفال ۳۳ و ۵۳ .

ومن الأحاديث الشريفة :

أولاً : قول الإمام الكاظم ( عليه السلام ) :

( عليكم بالدعاء ، فإنَّ الدعاء لله والطلب إلى الله يَردُّ البلاء ، وقد قَدَّر وقضى ولم يبق إلاَّ امضاؤه ، فإذا دُعِي الله وسئل ، صرف البلاء صرفه ) .

[ الكافي ۲ / ۴۷۰ / ح ۸ باب ان الدعاء يرد القضاء ] .

ثانياً : قال أمير المؤمنين ( عليه السلام ) في خطبة :

( أعوذ بالله من الذنوب التي تعجِّل الفناء ) .

فقام اليه عبد الله بن الكواء اليشكري ، فقال : يا أمير المؤمنين ، أو تكون ذنوب تعجِّل الفناء ؟

فقال ( عليه السلام ) : ( نعم ويلك قطيعة الرحم ) .

وقال ( عليه السلام ) أيضاً : ( إذا قطعوا الأرحام جُعِلت الأموال في أيدي الأشرار ) . [ الكافي ۲ / باب قطيعة الرحم ح ۷ و ۸ ] .

ثالثاً : قال الإمام الصادق ( عليه السلام ) :

( إنَّ الدعاء يردُّ القضاء ، وإن المؤمن ليذنب فَيُحرَم بذنبه الرزق ) .

رابعاً : قال أمير المؤمنين ( عليه السلام ) :

( الاستغفار يزيد في الرزق ) . [ الخصال / باب الاستغفار ح ۴ – ۱۷ ] .

إذاً تَغَيّر مصير العباد له أثر في مسألة البداء ، ولتوضيح ذلك نقول :

المُقَدَّرات الإلهية على قسمين :

القسم الأول : مُقدَّر محتوم لا يتغيَّر ، وهو موجود في اللوح المحفوظ ، وعبَّرت الآية المباركة عنه بأمِّ الكتاب ، كما في قوله تعالى : ( يَمْحُوا اللهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ ) الرعد : ۳۹ .

وهذا القسم لا بداء فيه ، ولا تغيَّر .

القسم الثاني : مُقدَّر مُعلَّق ، قابل للتغيير ، غير محتوم ، وهو موجود في لوح المَحْو والإثبات .

وأشارت الآية السابقة إليه : ( يَمْحُوا اللهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ ) الرعد : ۳۹ .

فراجع التفاسير التالية من الفريقين في تفسير هذه الآية المباركة ، الدالة على وجود هذا القسم من المقدَّرات التي يتصوَّر فيه البداء .

۱ – تفسير الرازي ۱۰ / ۶۴ .

۲ – تفسير ابن كثير ۲ / ۵۲۰ .

۳ – تفسير المراغي ۵ / ۱۵۵ .

۴ – روح المعاني ۱۳ / ۱۱۱ .

۵ – الدر المنثور ۴ / ۶۶۰ .

۶ – فتح البيان ۵ / ۱۷۱ .

۷ – الكشاف ۲ / ۱۶۹ .

۸ – الجامع لأحكام القران ۵ / ۳۲۹ .

۹ – تفسير جامع البيان ۳ / ۱۱۲ .

۱۰ – مجمع البيان ۶ / ۳۹۸ .

إذاً المراد من البداء ، هو تغيير المقدّر بالأعمال الصالحة أو الطالحة ، ولا يخفى هنا أن الله سبحانه يعلم كلا التقديرين .

والخلاصة :

البداء إذا نُسِب إلى الله سبحانه فهو بَداء منه ، وإذا نسب إلى الناس فهو بداء لهم .

فالبداء من الله هو إظهار ما خَفي على الناس ، والبداء من الناس بمعنى ظهور ما خفي لهم ، وهذا هو الحق القُرَاح الذي لا يرتاب فيه أحد .