الأبعاد السياسية لفتوى الإمام السيستاني

لقد بقيت المرجعية عبر تاريخها الطويل حصناً للإسلام والمسلمين بجميع اطيافهم ومذاهبهم، وجميع قومياتهم وجنسياتهم…تصد عنهم المخاطر الخارجية، واطماع الدول الكبرى، كما تحفظ مجتمعاتهم من الفتن الداخلية القومية والمذهبية التي تودي بهم الى التفرق والتشرذم والتناحر وسفك الدماء، وشعارها المرفوع دائماً هو ما أمر به القرآن الكريم: (واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا).

ولقد مر العراق خلال حقبة النظام الدكتاتوري البغيض بفترة عصيبة اهلك فيها ذلك النظام الحرث والنسل، بجرائمه ضد الانسانية وحروبه العبثية، وانتهاكه للحرمات وقصفه للعتبات المقدسة في النجف الاشرف وكربلاء المقدسة بالصواريخ، وتعديه على المرجعية الدينية والحوزة العلمية بالقتل والسجن والتشريد والتغييب في المقابر الجماعية والسجون السرية، في محاولة منه لاستئصال الحوزة العلمية العريقة في النجف الأشرف والعراق عموماً!

وعندما سقط ذلك النظام الطاغي على يد نفس الجهة التي جاءت به الى الحكم عام ۱۹۶۸، ولم يكن يومها يملك اي قوة او قاعدة شعبية او عسكرية، فدعمته ومكنته من الحكم، وغضت النظر عن جرائمه الرهيبة ضد الشعب العراقي وضد الشعوب المجاورة له… حينما سقط ذلك النظام استمر العنف والقتل المنظم ضد ابناء الشعب العراقي عموما وضد شيعة اهل البيت (ع) خصوصاُ على يد نفس الجلادين البعثيين السابقين، مضافا اليهم عصابات القاعدة التكفيرية التي ادخلها المحتل أوسهل لها الدخول الى العراق! … لتنتهج سياسة طائفية واضحة تهدف الى ابادة الشيعة، سياسة اجرامية مدمرة لا تقف عند حد ولا تراعي اية حرمة للمقدسات، فكان القتل على الهوية، وتفجير الناس الآمنين، وطلبة الجامعات واساتذتهم، وقتل زوار العتبات المقدسة، بل وتفجير العتبات نفسها كما حصل اثناء تفجير ضريحي الامامين العسكريين (عليهما السلام) الذي كاد ان يغرق العراق في حرب اهلية لولا لطف الله وحكمة المرجعية.

كل ذلك كان يحصل لكن المرجع الأعلى السيد السيستاني (دام ظله) لم ينجر الى ردود الأفعال التي تؤدي الى إحداث الفتن واشعال الحروب الأهلية، والتي كان هدفها تعطيل قيام المؤسسات الدستورية وبناء الدولة حتى يبقى العراق مسرحاً للخراب والفوضى، وهو ما كان يحلم به أيتام النظام المقبور وبعض الدول الإقليمية التي تخشى من اية عملية سياسية معيارها صناديق الاقتراع التي تبين الحجم الحقيقي للأسر الحاكمة في هذه البلدان، والتي تعتمد انظمة وراثية عفا عليها الزمن.

لكن تلك الجهات التي لا تريد للعراق خيرا لم تتفهم صبر السيد السيستاني، ولم تقدر طول اناته وحكمته، فتمادت في غيها وأوغلت في جرائمها، وكان آخرها ما حصل في الموصل من هجوم غادر لعصابات داعش الإرهابية، وهي شكل جديد من أشكال تنظيم القاعدة الإرهابي، قد يختلف عنه في الإسم ولكن لا يختلف عنه في وسائله الإجرامية بل يتفوق عليه، وقد ارتكب خلال بضعة أيام من المجازر والفظائع وانتهاك الحرمات ضد جميع مكونات الشعب العراقي، ما لايصدقه عقل ولا يقره عرف أو شرع، فشكلت هذه العصابة الباغية تهديداً للوطن بأكمله.

وحينما تحيق الاخطار بالوطن لابد للمرجعية من وقفة تضع فيها النقاط على الحروف، وتستجمع فيها همم الشعب وقواه الحية لإسقاط المؤامرة المطلوب فيها رأس العراق الذي ما فتئت تطلبه قوى ودول حاقدة، فوقفت المرجعية اليوم كما وقف اسلافها الابطال الذين اعلنوا الجهاد دفاعاً عن العراق حينما دخلت القوات البريطانية مدينة البصرة عام ۱۹۱۴ كمقدمة لاحتلال العراق بأكمله، وخاضوا ضدها حروبا ضارية استمرت لثلاث سنوات، وشاركتهم فيها شرائح واسعة من ابناء الشعب العراقي وخاصة من الاخوة الكرد بقيادة الشيخ محمود الحفيد.

والشئ نفسه حصل في ثورة العشرين، فعندما لم تفلح المطالبات الشعبية السلمية لتحقيق الاستقلال، اصدرت المرجعية فتواها الشهيرة بالجهاد عن طريق استخدام القوة الدفاعية لتحقيق اهدافهم، مع وجوب رعاية السلم والأمن ضمن مطالباتهم. فانطلقت شرارة الثورة بعد هذه الفتوى التي وضعت حجر الأساس لاستقلال العراق الحديث.

واليوم تجيء فتوى الإمام السيستاني لتوحد العراقيين جميعاً ضد الارهاب التكفيري الذي يهدف الى تمزيق العراق وشرذمته، وهي موجهة لجميع العراقيين دونما تفريق بين مذاهبهم واديانهم وقومياتهم. أما ما حاولت ان تروج له بعض الابواق والاقلام المأجورة من أن فتوى السيد السيستاني تحريض للشيعة ضد السنة، فإن الوقائع تكذبهم، ولولا حكمة السيد وتعاليه على الجراح لكانت الحرب الاهلية قد اشتعلت في العراق منذ سنين، لأن الجماعات التكفيرية المسلحة التي ارتكبت ابشع الجرائم ضد الشيعة ولاحقتهم في البيوت والاسواق والمساجد والطرق العامة بالسيارات المفخخة والانتحاريين، كانت تدعي انها تمثل اهل السنة، وهناك من مشايخ الفتنة –المحسوبين على السنة- في العراق وخارجه من يصفق لها ويروج لباطلها، ومع ذلك فإن خطاب المرجع الاعلى نحو اهل السنة لم يتغير وبقيت مقولته الشهيرة (لاتقولوا اخواننا اهل السنة بل قولوا أنفسنا) هي الحكمة المضيئة التي تسترشد بها الجموع الغفيرة من مقلدي السيد السيستاني ومحبيه، فتميز بين اهل السنة فعلا وبين القتلة والسفاحين الذين يعملون ضد السنة، ولذا فقد تطوع اخيرا من اهل السنة لمساندة الجيش العراقي والقوات الامنية بعد ان استمعوا الى فتوى السيد حفظه الله، كما صرح بذلك الدكتور الشيخ خالد الملا رئيس جماعة علماء العراق.

لكن فتوى الامام السيستاني قد قطعت الطريق على القوى الدولية والاقليمية التي كانت تضمر الشر للعراق وأربكت مخططاتهم التي كان هدفها القفز فوق نتائج الانتخابات الاخيرة، بل عدم اعتماد اي انتخابات مقبلة، والرجوع الى نظام الحزب الشوفيني الواحد، حزب المقابر الجماعية والتهجير القسري والحروب العبثية التي حصدت ارواح الملايين! ومن هنا نفهم سرالحملة الهستيرية التي شنت على تلك الفتوى بحجة الطائفية مرة وبحجة انها ستؤدي لحرب اهلية، وقد فندنا هذين الادعائين فيما سبق، ونزيد فنقول الان: ان احتلال داعش واخواتها يحمل مشروعاً للحرب الاهلية والسياسة الطائفية، فضلا عن كونه يحمل مشروعا صهيونيا تتبناه اسرائيل. لأن قيام امارات دينية متشددة مثل داعش على حدودها او قربها هو الحجة الرئيسة التي تستند عليها لكي يعترف بها العالم كدولة يهودية خالصة، وبذا ستهجر ما بقي من عرب فلسطين المسلمين والمسيحيين الذين بقوا داخل الكيان الصهيوني!

فجاءت فتوى الامام السيستاني لتوحد الشعب وتبصره بحجم المخاطر المحدقة به، والامل في القوى السياسية العراقية الوطنية ان تتوحد هي ايضا تحقيقا لرغبة المرجعية، لأن الاعداء لم يقدروا على تنفيذ مؤامرتهم الا من خلال استغلال الفرقة والتناحر الموجود بين تلك القوى.

إن الأعداء قد جمعوا أمرهم فكانوا كسحرة فرعون، لكن فتوى الإمام السيستاني فاجأتهم، فكانت كعصا موسى التي (تلقف مايأفكون)!

الكاتب: ابراهيم الحاتي