الأبعاد العالمية في العقيدة الإسلامية

تلعب العقيدة الصحيحة دورا مهما في حياة الإنسان يتجلى في أمرين :

الأول : تحديد نظرة صحيحة للكون والحياة والإنسان وبلورة موقف صحيح بشان ذلك .

الثاني : إرساء قواعد التفكير السليم وتنقية الذهن والإحساس والعواطف مما يعلق بها من شوائب تحرف مسيرها عن الخط الصحيح أو تقلل من كفأتها في الميدان العملي وتغذية الحاجة إلى الإشباع الفكري والروحي الصحيح لدى الإنسان فمن الواضح ان غربة الإنسان عن الحقيقة في الميدان العقائدي تجعله أسيرا للإحساس بالفراغ والحاجة إلى الإشباع فيتجه لمعالجة ذلك الإحساس وهذه الحاجة بكل ما يصادفه من تصورات وأفكار وآراء فيكون عرضة للوقوع في الانحراف الذي لا تقف سلبيته عند حدود ضياع الحقيقة العقائدية وإنما تصل إلى ما قد يكون اخطر من ذلك ، وهو ربط الذهن والإحساس بجملة من الأغلال والشوائب التي تقيد حركة الإنسان أو تحرفها أو تقلل من كفأتها ففي الشرك مثلا يرتبط الذهن والإحساس والتصور الإنساني بفكرة زائفة تنأى بالإنسان عن الاستقامة في كل ما يتصوره ويفكر فيه ويخطط له وباختصار ان الفكرة الزائفة إذا ثبتت في الذهن الإنساني قادته إلى الزيف في كل شي ولذا نجد القرآن الكريم يربط دائما بين التفكير غير السوي وبين العقيدة الفاسدة قال تعالى : ( والدار الاخرة خير للذين يتقون أفلا تعقلون ) (۱) ( ولقد أضل منكم جبلا كثيرا أفلم تكونوا تعقلون ) (۲) .

( أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها ) (۳) ( أو لم ينظروا في ملكوت السماوات والأرض ) (۴) .

وفي القرآن الكريم الكثير من الآيات التي تستنكر على المشركين أو المنحرفين غربتهم عن التفكير السوي والمنطق السليم مع سلامة الجهاز الحسي والعقلي لديهم .

من هنا فان العقيدة الصحيحة تلعب دورا مهما في تقويم الفكر الإنساني وتنشيطه في مجالات الحياة المختلفة التي لا تخضع لتأثير مباشر منها فضلا عن تلك التي تخضع لتأثيرها المباشر والتي يتضاعف الدور الايجابي للعقيدة فيها .

إن فكرة ( العالمية الإسلامية ) تمثل ابرز الأفكار الاجتماعية والسياسية التي تخضع لتأثير مباشر ومركز من قبل العقيدة الإسلامية وهي بلا شك من الأفكار الإسلامية القليلة التي تختص بهذه الصفة بشكل يجعلنا نعتقد جازمين بان موقع هذه الفكرة ان لم يكن في قمة الهرم الفكري للإسلام ( أصول الدين ) فلن يكون في قاعدته التشريعية وبنائه التحتي ( الشريعة ) ذلك ان اقتران أصول الدين الخمسة بها ( التوحيد والعدل والنبوة والإمامة والمعاد ) بشكل يختل الاعتقاد الديني بهذه الأصول من دونها كما سنرى هذا الاقتران لا يسمح لنا بإنزال فكرة العالمية الإسلامية من مستوى الفكرة العقائدية إلى مستوى الفكرة التشريعية والصحيح انها فكرة تتشكل في أحشاء المعتقد الإسلامي وبين تلافيفه لتلقي ضؤها المستمد من نور هذا المعتقد على مجالات التشريع الإسلامي المختلفة فتصبغه بطابعها الايجابي الخلاق وسنجد ان فاعلية هذه الفكرة وشموليتها في المجال التشريعي مدينان لتغلغلها العميق في المجال العقائدي ، هذا التغلغل الذي نلمسه في مجموعة من الأبعاد ، ومنها البعدان الآتيان :

۱ـ وحدة الإله الخالق .

۲ـ وحدة المنشأ الإنساني .

وحدة الإله الخالق

العالمية نسيج يتغلغل في عمق الإسلام وتتشابك خيوطه بإحكام ويتحرك بفاعلية من خلال كل ثنايا الإسلام وأفكاره فهي ليست فكرة عائمة ولا أطروحة عابرة ولا دعوة عاطفية ولا شعارا يقف على هامش الحياة الإسلامية بدايتها بداية الإسلام نفسه ، وهي قمة هرمه الفكري المتمثل بعقيدة التوحيد التي لم ولن تعرف البشرية ما يناظرها روعة وبهاء .

يعتبر الإسلام اكبر العقائد التوحيدية على الإطلاق لأنه استطاع ان يعالج كل قضايا العقيدة ومفرداتها من دون ان تعاني قاعدة التوحيد لديه من ضعف أو غموض أو حرج بل يمكننا ان نجد في كل واحدة من تلك المفردات مظهرا كاملا لتوحيد خالص نقي بشكل تحولت معه مفاهيم الإسلام ونظمه إلى مظاهر متعددة تشع على الحياة الإسلامية بهذا التوحيد في كافة مجالاتها ، اذ يمكن للمسلم ان يعيش التوحيد حقيقة متجسدة في كل جوانب حياته ، وهذا ما عبر عنه التوحيدي الأكبر أمير المؤمنين ( عليه السلام ) بقوله : ( ما رأيت شيئا الا ورأيت الله قبله ومعه وفيه وبعده ) .

وتعتبر العالمية مظهرا طبيعيا للتوحيد تستمد كمالها من كمال التوحيد الإسلامي لان موجودية الإله الحق متقومة بوحدانيته ، ولا معنى للإلوهية ان لم تتصف بالوحدانية التي تعني عالمية الربوبية والإلوهية لان انحصار الربوبية بجز من الوجود ناشئ عن عجز مدعي الربوبية وفقره أو وجود شريك له يهيمن على الجزء الاخر ومن هنا فللوحدانية مدلولان متلازمان في العقيدة الإسلامية :

الأول : مدلول الهي وهو الغنى المطلق للإله .

الثاني : مدلول إنساني وهو العالمية .

ان الله تعالى في الرؤية الإسلامية ليس خاصا بقبيلة من دون اخرى ولا بجنس بشري من دون آخر كما تصور اليهودية الحاضرة الهها ، ولم يمنح أبوة لأحد من البشر على نحو يكون لذلك الفرد نسب متصل بالإله يعلو على نسب الآخرين كما تعتقد المسيحية الموجودة حاليا وانما هو رب العالمين ، وهو خالق كل شي ، وليس كمثله شي ، لا يحده زمان ولا مكان ، وهو المطلق في كل شي ومن كماله ان ربوبيته شملت البشرية بكل أجيالها الحاضرة والماضية والقادمة من دون انحياز لجنس على جنس ولا محاباة لأمة على حساب امة ، والجميع في ساحة قدسه كأسنان المشط .

لقد كرر القرآن الكريم توصيف الله سبحانه وتعالى ب( رب العالمين ) أكثر من ۴۰ مرة وب( لا اله إلا هو ) أو ( لا اله الا الله ) أو ( لا اله إلا أنا ) أو ( اله واحد) اكثر من ۶۰ مرة وب( رب العرش ) ۵ مرات وب( رب المشارق والمغارب ) أو ( رب المشرق والمغرب ) أو( رب المشرقين ورب المغربين ) ۵ مرات وب( رب السماوات والأرض ) ۱۴ مرة و ( برب الناس ) مرة واحدة وب( اله الناس ) مرة واحدة وب( رب كل شي ) مرة واحدة كما استنكر على المشركين شركهم بصيغة ( االه مع الله ) ۵ مرات وبصيغة ( من اله مع الله ) مرتين اما سورة الإخلاص فقد جاءت تلخيصا رائعا لعقيدة التوحيد ( قل هو الله احد] الله الصمد] لم يلد ولم يولد] ولم يكن له كفوا احد ) .

ولو تمعنا في هذه الصيغ التي يستعملها القرآن الكريم للتعبير عن التوحيد وأبرزها صيغة رب العالمين لوجدنا انها تعزز مفهوما واسعا وعميقا للعالمية يتجاوز في حدوده الإنسان ويضم بين دفتيه الكون كله ، فالقرآن لا يتحدث عن توحيد نسبي خاص بالإنسان وإنما يركز على توحيد مطلق يشمل الوجود ( العالمين ) بأسره ليصهره مع بعضه في وحدة متجانسة تتلف فيها الاشكال ( انسان ، حيوان ، نبات ، جماد ) وتتكامل عندها الأدوار وينعكس هذا الاتساع في النظرة التوحيدية للوجود في الطرف المقصود بالتوحيد وهو الإنسان الذي سيبدو وسط عوالم الجماد والنبات والحيوان المترامية الأطراف جرما صغيرا لا يكاد البصر يناله ، فضلا عن ان ينال أجناسه وقومياته وقبائله ، فيزول شعوره العنصري تبعا لضعف شعوره بذاته تحت وطاءة الإحساس بالغرق في عالم التكوين اللامتناهي في عظمته واتساعه .

وهذه أرقى صورة يمكن التقاطها للإنسان وهو في حالة شعورية عالمية خالصة من شوائب الشعور العنصري وهي من انجازات التوحيد الديني حيث لا يمكن للإنسان مهما ترقى في فكره ان ينجز صورة عالمية تتجاوز حدود الإنسان نفسه لانه لا يمكن الربط بين الإنسان وباقي الوجود على محور واحد الا في التصور الديني التوحيدي .

الإنسان في الخطاب الإلهي

وانسجاما مع الطابع العالمي للربوبية نجد الخطاب الالهي في القرآن الكريم موجها للانسان من دون تمييز بين الأجناس والقوميات ، بل لا نجد ذكرا لها في هذا الخطاب الذي تجاهلها تماما .

لقد كان الإنسان بما هو انسان موضوعا للقرآن الكريم تحدث عنه في عدة مجالات ، في كل هذه المجالات كان الخطاب القرآني موجها للانسان بعدة صيغ هي :

۱ـ مخاطبتة بصيغة ( يا أيها الإنسان ) ونحوها مما ذكر فيه كلمة ( الإنسان ) بنحو مطلق وقد تكررت هذه المخاطبة في القرآن الكريم ۶۵ مرة .

۲ـ المخاطبة بصيغة ( يا ايها الناس ) ونحوها مما ذكر فيه كلمة ( الناس ) بنحو مطلق وقد تكررت هذه المخاطبة في القرآن الكريم ۲۴۱ مرة .

۳ـ المخاطبة باستعمال كلمة ( الانس ) وقد تكررت في القرآن الكريم ۱۹ مرة .

۴ـ المخاطبة باستعمال كلمة ( اناسي ) وذلك في مرة واحدة .

۵ـ المخاطبة باستعمال كلمة ( اناس ) وقد تكررت ۵ مرات في القرآن الكريم .

۶ـ المخاطبة باستعمال كلمة ( بني آدم ) وقد تكررت في القرآن الكريم ۷ مرات .

۷ـ مخاطبة الإنسان من خلال مخاطبة خواصه الإنسانية كالعقل والعلم والنظر والفكر والفقه فقد خاطب القرآن الكريم خاصة العقل عند الإنسان بصيغ مختلفة : ( أفلا تعقلون ، لعلكم تعقلون ، ان كنتم تعقلون ، أفلم تكونوا تعقلون ، لقوم يعقلون ) ۳۳ مرة ، وخاطب خاصة الفكر لديه ۱۷ مرة بصيغ مختلفة : ( لعلهم يتفكرون ، أو لم يتفكروا ، أفلا تتفكرون ) ، وخاطب خاصة النظر العقلي لديه ۴۲ مرة بصيغ مختلفة ( ينظر ، أو لم ينظروا ، انظر ، انظروا ، افلم يسيروا فينظروا ) وخاطب خاصة العلم ۹۴ مرة بصيغ ‌مختلفة ( الم تعلم ، لتعلموا ، ان كنتم تعلمون ، لقوم يعلمون ) وخاطب خاصة الفقه ۱۷ مرة بصيغ مختلفة ( لعلهم يفقهون ، لقوم يفقهون ) كل ذلك في المخاطبات الايجابية من دون المخاطبة السلبية من قبيل ( ذلك بانهم قوم لا يعقلون ، لا يفقهون ، لا يعلمون ) .

أما المجالات التي استعمل فيها القرآن الكريم هذه الخطابات بأشكالها السبعة فهي :

۱ـ الرتبة الإنسانية في التصور الالهي قال تعالى : ( ولقد كرمنا بني آدم ) (۵) .

۲ـ خلق الإنسان قال تعالى : ( ولقد خلقنا الإنسان من صلصال من حما مسنون ) (۶) .

۳ـ العطاء الإلهي للإنسان قال تعالى : ( يا بني آدم قد انزلنا عليكم لباسا يواري سوآتكم ) (۷) .

۴ـ التوجيه الإلهي للانسان قال تعالى : ( ووصينا الإنسان بوالديه ) (۸) و( يا ايها الإنسان ما غرك بربك الكريم ) (۹) .

۵ـ الإشارة إلى بعض الخصائل الإنسانية قال تعالى : ( وكان الإنسان أكثر شي جدلا ) (۱۰) .

۶ـ الإشارة إلى قواعد التشريع الإسلامي قال تعالى : ( وان ليس للانسان الا ما سعى ) (۱۱) .

۷ـ توجيه عمل النبي ( ص ) قال تعالى : ( يا أيها الرسول بلغ ما انزل إليك من ربك وان لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس ) (۱۲) .

دور العدل الإلهي

قرن التوحيد في العقيدة الإسلامية بالعدل الإلهي الذي اعتبر الأصل الثاني فيها وعلى الصعيد الاعتقادي يعتبر هذا الإجراء ضروريا لان العدل جوهر التوحيد وبدونه يفقد التوحيد أهميته العقائدية ، وتتحول مدلولاته الاجتماعية إلى مدلولات سلبية تلعب دورا عكسيا في الحياة الإنسانية ويلعب هذا الأصل دورا مهما في تدعيم فكرة العالمية الإسلامية ، ويشكل رفدا عقائديا جديدا لها ويساعد على تحويلها إلى صورة نقية وحتمية في التفكير الإسلامي ، لان العنصرية التي وجدناها تلتئم مع الشرك وتجد ميدانها الطبيعي فيه عندما يفرض التوحيد نفسه أمامها تحاول اختراق جداره وتأكيد وجودها في إطاره بصورة غير شرعية وذلك من خلال فصل العدل عنه ، ونسبة الظلم إليه كأرضية مناسبة للظهور من خلال هذه النسبة ، فكما تتكون العالمية فى أحشاء التوحيد وتتأكد بالعدل ، تتكون العنصرية في أحشاء الظلم وتلتئم مع الشرك .

ان توصيف الإله بالعدل المطلق يعني في الحياة الاجتماعية استحالة الافتراض بحقه انه يؤثر قوما على آخرين أو ينحاز لقبيلة من دون أخرى أو يتحزب لامة ضد ثانية ، لان هذا الافتراض يحوله إلى اله عنصري ظالم وهو ما يتنافى مع الكلمة المطلقة والفضيلة المطلقة التي لابد من اتصاف الإله بهما لأنهما من ضرورات الالوهية بل ان التصور الإسلامي يقوم على أساس ان صفات الخالق هي عين الخالق ولا مجال للاثنينية بين الذات والصفات ونتيجة لذلك فان نفي العدل عن الخالق يؤدي إلى نفي التوحيد نفيا حقيقيا اذ لا وجود لحقيقة تتصف بالالوهية والظلم في الوقت نفسه الا في مخيلة انسان يسودها الانحراف ، وهكذا ينتهي نفي العدل عن الاله إلى الوقوع في الشرك ، وهذا وجه ما قررناه سابقا من ان العنصرية سبب تام للشرك .

من هنا أكد القرآن الكريم على نفي الظلم عن الله سبحانه وتعالى في ۳۷ آية نفيا صريحا ، عدا ما ورد من النفي الضمني فان صورة الاله الظالم العنصري لا تقل بشاعة عن صورة الشرك ففي الشرك صورة الحياة التي فتحت أبوابها للراغبين في الاستعلاء والتكبر والتعصب على من سواهم وفي الظلم صورة لحياة يهيمن عليها ذلك الاله الذي يفضل قوما على آخرين ، ويغرس العصبية والاستعلاء في امة ضد أخرى ، فتكون العنصرية واقعا مشروعا وأكثر دفعا وزخما .

ان اقتران العدل بالتوحيد يعتبر من اروع مظاهر التكامل في الاسلام ، فالتوحيد يوجد اقوى عامل مشترك بين أفراد النوع الإنساني واقوي شعور بالوحدة الإنسانية والعدل الالهي يقمع اية محاولة شعورية أو لا شعورية تهدف إلى التمرد على هذه الوحدة بدافع الأنانية والاستعلاء أو بمبررات التفوق العنصري ، فالأصلان يتكاملان في السعي لصنع المجتمع العالمي في الإسلام .

وحدة المنشأ الإنساني

اختلف الفكر الديني عن الفكر الوضعي في تفسير كل منهما للنشاة الإنسانية لاختلافهما في تصور الإنسان والحياة والوجود ، فالفكر الديني وتبعا للزاوية التوحيدية التي ينظر من خلالها إلى الوجود والحياة اعطى تفسيرا توحيديا لهذه النشأة ، بينما اتبع الفكر الوضعي الزاوية المادية التي ينظر من خلالها إلى الوجود والحياة ، فأعطى تفسيرا ماديا لها، وقد كان التفسير الديني عالميا بحكم قاعدته التوحيدية بينما كان التفسير الوضعي عنصريا بحكم القاعدة اللادينية له .

النشأة الإنسانية في التصور الإسلامي

يقوم التصور الإسلامي للنشأة الإنسانية على ما هو متداول في الكتب السماوية من قصة خلق آدم ( عليه السلام ) قال تعالى : ( اذ قال ربك للملائكة اني خالق بشرا من طين ) (۱۳) و ( وإذ قال ربك للملائكة اني خالق بشرا من صلصال من حما مسنون ] فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين ) (۱۴) .

ونتيجة لما جرى لادم في الجنة انزله الله سبحانه وتعالى إلى الأرض ومعه زوجته حواء ، لتشهد الأرض أول أسرة إنسانية وهي التي سيتفرع منها النسل البشري برمته وهكذا ليس للبشرية في التصور الديني الا منبع واحد وهو هذه الأسرة المتكونة من آدم أبي البشرية وحواء أمها وهنا لابد من ملاحظة ظاهرتين قرآنيتين :

الأولى : ان القرآن الكريم يتحدث عن خلق آدم من خلال خلق الإنسان ففي الآيتين السابقتين نجد ان الله سبحانه وتعالى لا يحدث الملائكة بشان فرد سيخلقه وانما يحدثهم بشان جنس من الخليقة ( خالق بشرا ) سيظهر إلى الوجود ولم يتحدث عن خلق آدم الا في قوله تعالى : ( ان مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون ) (۱۵) .

وواضح من سياقها ومما جاء قبلها وبعدها ان هذه الاية تجري مجرى الرد على اهل الكتاب الذين زعموا ان المسيح ابن الله ، وهو زعم يخل بعقيدة التوحيد وبالتصور العالمي الذي جاء به الدين الإلهي ايضا ، فان احدى المرتكزات المهمة لهذا التصور تتمثل في وحدة المنشأ الإنساني والجنس البشري ، ونسبة المسيح إلى الله تشكل خرقا لهذه الوحدة وربما كانت الحكمة في عدم زواج المسيح ( عليه السلام ) وعدم ظهور ذرية له تتمثل في احباط المحاولة اليهودية التي ستظهر حتما بتقسيم البشرية إلى نسل يتصل بالله عبر المسيح وآخر ينتسب لادم ولا يتصل بالله سبحانه وتعالى ، وحينئذ سيدعي اليهود انهم ابنا الله بالنسبة الحقيقية التي هي أقوى من النسبة الاعتبارية التي ادعوها وحكاها القرآن الكريم عنهم قال تعالى : ( وقالت اليهود والنصارى نحن ابنا الله واحباؤه ) (۱۶) فرد عليهم القرآن : ( قل فلم يعذبكم بذنوبكم بل انتم بشر ممن خلق ) (۱۷) .

فإذا كان الله سبحانه وتعالى يرفض في هذه الاية النسبة الاعتبارية اليه ، فان ادعاء النسبة الحقيقية اليه لابد من مواجهته بإجراء تكويني وعملي وهو ما حصل في قضية رفع عيسى إلى السماء وعدم ظهور ذرية له لحماية التوحيد من طرؤ الشبهة عليه ، وحماية عالمية التصور الديني من انحراق احد مرتكزاته .

وهكذا فان نسبة الخلق إلى آدم في تلك الاية كانت استثناء خرج فيه القرآن الكريم عن قاعدته في نسبة الخلق إلى الجنس البشري لضرورة عقائدية وربما كان الوجه في هذه القاعدة هو حصر النشأة الإنسانية بتلك التي حصلت لادم في الجنة ، وسد الطرق أمام اية محاولة للانتساب لغير آدم أو لادم آخر غير الذي تحدث عنه القرآن الكريم ، وعدم إعطاء الفرصة لمن سيقول : بان ما ورد في القرآن لا يدل على ان آدم هو الاب الوحيد للبشرية كل ذلك تاكيدا على وحدة المنشأ الإنساني ، وذلك لأهميتها بالنسبة لعالمية التصور الديني ، وتتمثل هذه الأهمية في إيجاد قاعدة عاطفية مشتركة بين ابناء الجنس البشري ، والربط بين أفراده بشعور عائلي فان هذه العالمية تحاول النفوذ إلى كافة أبعاد الشخصية الإنسانية وجوانبها واشباع كل منها بما يناسبه من فكر أو شعور أو عاطفة عالمية فبعد ان قامت عقيدة التوحيد باشباع العقل الإنساني بالفكرة العالمية ، جاءت وحدة المنشأ الإنساني في التصور الإسلامي لتشبع الحس والشعور الإنساني بعاطفة عالمية تفك الحصار العنصري عن القلب الإنساني وتجعل حب الإنسانية هو المبدأ الأساس له .

الثانية : ان القرآن الكريم ارجع الإنسان إلى مادتين هما: النطفة ويعبر عنها احيانا بالماء أو الماء المهين والطين ويعبر عنه أحيانا بالتراب والصلصال ولكن يلاحظ ان القرآن الكريم يركز على الإرجاع إلى الطين من دون النطفة ففي ۱۸ موردا نسب القرآن الكريم الإنسان إلى الطين ، وفي ۷ موارد فقط نسبه إلى النطفة بعبارات مختلفة عنهما طبعا وربما كانت الغاية من هذا التركيز أمورا أربعة :

۱ـ ان رجوع الإنسان إلى النطفة أمر محسوس لديه فلا حاجة إلى التركيز عليه .

۲ـ الإشارة إلى ان النطفة لا أصالة لها في الوجود وانها تعود بدورها إلى التراب بكلا التحليلين : الفلسفي للوجود ، اي ان كل ما فوق التراب تراب ، فالماء والنبات والمعادن والأحجار أشكال مختلفة للوجود مستمدة من الأرض أو العلمي للنطفة ، حيث تتشكل في الداخل من المواد الغذائية وهذه مستمدة من النبات أو الحيوان وكلاهما يعودان إلى الأرض والقرآن الكريم بنفسه يؤيد هذه النقطة قال تعالى : ( هو الذي خلقكم من تراب ثم من نطفة ثم من علقة ) (۱۸) و( فانا خلقناكم من تراب ثم من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة ) (۱۹) ، فذكر النطفة من بعد التراب في هاتين الآيتين يعني إرجاعها اليه كمادة أولى لها .

۳ـ ان الانتساب إلى النطفة قد يساعد على التفاخر بالنسب والعرق بين ابناء الجنس البشري بادعاء التفاضل العنصري بين العروق والسلالات والقبائل ومن هنا فان إرجاع الإنسان إلى النطفة قد يكون عاملا سلبيا من الناحية التربوية والاجتماعية ولذا فان توصيف القرآن الكريم للنطفة بالماء المهين يعد مطلبا تربويا أريد به الرد عن هذا التفاخر قال تعالى : ( الم نخلقكم من ما مهين ) (۲۰) بينما إرجاع الإنسان إلى الطين لا يغري الناس بالتفاخر العنصري فيما بينهم .

۴ـ ربط الإنسان باوطأ نسب مشترك بين أفراده وأهمية هذه النسبة تتمثل في الجانب التربوي والأخلاقي فان موقع الخلافة والسيادة الذي منح للإنسان في الأرض سيثير لديه درجة عالية من الاعجاب بالنفس والغرور وسيفقد ، بسبب ذلك توازنه في علاقته مع الله سبحانه وتعالى ، وعلاقته مع أخيه الإنسان فيطغى على الخالق ويتكبر على المخلوق ، ويبتعد في النتيجة عن مسؤوليات الاستخلاف ووظائفه الخلاقة وهذه الأزمة الروحية والأخلاقية يكمن علاجها في التصور الإسلامي بربط الإنسان بنسب واطئ لإذلال الجنبة المادية فيه التي تسبب الشقاء له وحشرها في الدائرة التي تستحقها من الحياة ولكي يدرك ان إسناد موقع الخلافة له في الارض لم يتم على أساس تلك الجنبة ، وانما على أساس الجنبة الروحية التي انطوى عليها وجوده ، والتي تكمن فيها إنسانيته وحقيقته الكاملة .

وهكذا فان الانتساب إلى الطين يمثل عامل التوازن الأخلاقي لدى الإنسان وهو يمارس الحياة بين مسؤوليات موقع الخلافة وامتيازاته فان الجنبة المادية التي تأخذ من الخلافة زهوها وامتيازاتها وعطاها المادي سبب لها هذا الانتساب الشلل والضعف بينما ستتقوى الجنبة الروحية في الميدان النفسي للإنسان الذي سيتجه حينئذ لاداء ما يتطلبه موقع الخلافة من مسؤوليات ووظائف ومن هنا اعتبر النسب الطيني في الثقافة الأخلاقية الإسلامية خير رادع عن التكبر والعصبية والغرور وخير حافز للشعور الأخوي بين أفراد المجتمع الإنساني .

لا تبديل لخلق الله :

ولا يكتفي التصور الإسلامي بتأسيس فكرة وحدة الجنس البشري وتدعيمها ، بل يواصل رعايته لها في المراحل التالية ويدفع عنها كل ما من شانه الإخلال بها فقد يقال ان الجنس البشري وان كان واحدا من حيث النشأة الا انه من حيث الاستمرار لم يبق على الوحدة وان تفاوتا بين الأعراق والسلالات ظهر بعد ذلك وقد ظهرت هذه الدعوى بالفعل وأخذت شكلين :

الأول : ديني وهو المأثور عن كتب العهدين لدى اليهود والنصارى وقد مر بنا سابقا في حكاية ابنا نوح ودعوته ان تكون ذرية كنعان عبيدا لذرية أخويه فبعد ان كان الجميع قبل ذلك متساوين في الإنسانية والحرية أصحبت ذرية كنعان المسكين أوطأ في سلم الإنسانية من ذرية يافث وسام .

الثاني : وضعي وهو المأثور عن جانب من التصور الدارويني حيث ادعى ان حركة التطور في الأحياء حينما وصلت إلى المرحلة الإنسانية اخذ التطور يظهر في داخل العائلة الإنسانية فيدفع بعضها إلى الرقي ويبقي بعضها الأخر في الانحطاط .

التصور الإسلامي احتاط لنفسه من هذه الدعوى ووضع الإجابة عليها منذ الوهلة الأولى ، اما الشكل الأول فان كان المقصود منه ان دعوة نوح ( عليه السلام ) بحق ذرية كنعان قد غيرت في فسلجتهم وأنزلت مستوى التكوين فيهم إلى درجة منحطة ، فالقرآن أجاب على ذلك بية صريحة تقول : ( فاقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها ] لا تبديل لخلق الله ) (۲۱) فخلق الله غير قابل للنسخ والتبديل ، وتتميز خصائصه وطبائعه بالخلود والديمومة وان كان المقصود منه ان التغيير لم يكن فسلجيا وانما كان اجتماعيا ، فذرية كنعان آمنت بالرقية وأذعنت بالاستعباد لأبناء عمومتها ، وان دعوة الجد نوح ( عليه السلام ) أوجدت فيهم طبيعة العبودية والخنوع فان هذا التغيير يحتاج إلى شاهد تاريخي لأنه مخالف للطبع الإنساني فمع كثرة حالات فرض الاستعباد في التاريخ لم يحصل الإذعان للاستعباد في أي منها وتصلح الاية القرآنية السابقة لنقضه وان كان المقصود ظهور حكم شرعي باستحقاق ذرية كنعان للاستعباد من قبل بني عمومتهم فهذا مخالف لسنة الله في خلقه ، وهي مما لا يقبل التغيير قال تعالى : ( ولن تجد لسنة الله تحويلا) (۲۲) ولا يتقاطع التشريع مع التكوين بل يمتد معه وقد تكرر في القرآن مضمون النفي لتبديل سنة الله ۵ مرات بصيغ مختلفة ، على ان الفروض الثلاثة تردها عصمة الأنبياء في التصور الإسلامي فلا تناسب النبوة هذه المخاريق التي ينسبها أهل الكتاب للأنبياء ( عليه السلام ) .

وأما الشكل الثاني ، فهو يتحد مع الفرض الأول من الشكل الأول والجواب هو الجواب ، فالتصور الإسلامي يرفض كل فكرة تقوم على أساس التغيير في خلق الله سبحانه وتعالى .

_______________

۱ـ الأعراف : ۱۶۹ .

۲ـ يس : ۶۲ .

۳ـ الحج : ۴۶ .

۴ـ الأعراف : ۱۸۵ .

۵ـ الإسراء : ۷۰ .

۶ـ الحجر : ۲۶ .

۷ـ الأعراف : ۲۶ .

۸ـ الاحقاف : ۱۵ .

۹ـ الانفطار : ۶ .

۱۰ـ الكهف : ۵۴ .

۱۱ـ النجم : ۳۹ .

۱۲ـ المائدة : ۶۷ .

۱۳ـ ص : ۷۱ .

۱۴ـ الحجر : ۲۸ ۲۹ .

۱۵ـ آل عمران : ۵۹ .

۱۶ـ المائدة : ۱۸٫

۱۷ـ المائدة : ۱۷ .

۱۸ـ غافر: ۶۷ .

۱۹ـ الحج : ۵ .

۲۰ـ المرسلات : ۲۰ .

۲۱ـ الروم : ۳۰ .

۲۲ـ فاطر : ۴۳ .