الأدب الملتزم والحداثة الغربية

الأدب بكل فروعه وأغراضه هو النتاج الفني الذي يحدث في النفس متعة ويستغل في اللغة إمكاناتها الموسيقية والتصويرية والإيحائية المختلفة ويثير في النفس بفضل صياغته أحاسيس جمالية وانفعالات عاطفية وقد تكون هذه اللغة تعبيراً شفوياً بالكلام أو تحريرياً بالكتابة، وهذا الفن يعبر أيضاً عن شخصية الأديب وثقافته سواء كان شاعراً أو روائياً وهذه الثقافة تنبع من معتقداته الفكرية والعوامل التربوية التي نسجت شخصيته فضلاً عن المؤثرات البيئية والسياسية والاجتماعية التي يعيشها الأديب تجتمع مع بعضها لتشكل رؤيته وتوجهه ومنهجه وهدفه.

والمتلقي يستطيع التعرف على هوية الكاتب من خلال مادته الأدبية واستقرائها بشكل دقيق وبتحليل معمّق ويمكنه الكشف عن حالته النفسية وماهية تكوينه الفكري، وحديثي عن الأدب الملتزم يعني نتاج أديب ملتزم، ونعني بالالتزام الانضباط ضمن الحدود الشرعية والعرفية والأخلاقية والقانونية سواء كان أدب إسلامي أو إنساني بشكل عام. لأن كل أدب يرتقي بذات الإنسان ويستوعب قضاياه وهمومه ويخاطب وجدانه وعقله وفكره دون المس بالأخلاق والضمير والعرف أدب حضاري له سمات الرقيّ يبني شخصية الإنسان ويطوّر ذائقته بشكل أفضل. والأدب الإسلامي أدب إنساني يفهم حقيقة وجوهر الإنسان لأنه مستمد من منظومة الكون التي تنظر إلى مكانة الإنسان في هذا الوجود ودوره في الحياة من منطلق استخلافه على الأرض ودوره في البناء والتعمير والكدح في طريق التكامل، وأن الله عز وجل قد كلفه في الحياة الفانية ليعمل، ليصنع، ليكتب، ليوجه، ليرشد، حتى يبني ركائز الحضارة الإنسانية التي تستثمرها الأجيال جيلاً بعد جيل، وتلك هي رسالة الإنسان، يقول سبحانه (يا أيها الإنسان إنك كادحٌ إلى ربك كدحاًَ فملاقيه)، ويقول أيضاً (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون)، وهكذا تقتضي الرسالة أن يكافح الإنسان من منطلق موقعه ومسؤوليته في الحياة سواء كان أباً، معلماً، كاتباً، رئيساً، فهناك حلقة اتصال وثيقة بين الإنسان وربه، بين الأرض والسماء، بين الدنيا والآخرة، ولهذا يكون الأدب أحد الفنون التي يكلف بها الأديب الملتزم كي يستثمرها لإعمار الإنسان النفسي والقيمي والفكري والتربوي والاجتماعي وهو الأجدر لهذه المهمات لأنه يستمد القوة والهدف من نهج سماوي ومسيرة ثابتة تنتهي إلى الهدف المطلق والمثل الأعلى للبشرية الله عز وجل مما يكسبه الحركة الفاعلة والناشطة على تغيير كيان الإنسان وتبديل واقعه، لكنه للأسف يتعرض إلى تعتيم إعلامي كبير وهجمة شرسة من قِبل ثقافة التغريب التي تشكك في صلاحيته وقدرته على الانسجام مع العقلية المتطورة في الإنسان، فهو على حد زعمهم جامد لا يستطيع فيه المبدع أن يتمدد بمقتضى ضرورات العصر. أما الثقافة الغربية هي نتاج فلسفة وضعية لا ترى الله سبحانه يد في تحريك العالم، فالله هو مجرد خالق للعالم والوجود ثم دفعه فتحرك بواسطة الأسباب الذاتية والمودعة في عوالمه وقواه دونما الحاجة إلى تدبير إلهي أو رعاية ربانية أو شريعة دينية، فالعقل الإنساني هو وحده من يسيّر العالم ولا شأن للدين في الحياة ولا دين في السياسة، تلك الرؤية التي تعزل السماء عن الأرض وتحصر الفعل الإلهي في نطاق ضيق وتؤمن أن ليس لله يد في تدبير شؤون الخلق وهذه الفلسفة الوضعية ينحدر منها كل أنواع الثقافات والأفكار والمعارف والأدب والتي كونت عقلية أدباءها ومثقفيها فتشبعت شخصياتهم بفكرها القاصر الذي خلق فراغاً أجوفاً في روح الإنسان وحياته لأنها أطلقت العنان لغرائز الإنسان وحريته اللامسؤولة وأنانيته الجشعة كي يخوض كيفما اتفقت أهواءه، ولهذا جاء الأدب الحداثي الغربي والنسخة العربية المقلدة عنه هزيلاً، هشاً، ضعيفاً، أخذ يتآكل مع السنين ويضمحل تأثيره كلما نأى وابتعد عن واقع الإنسان رغم محاولات المؤسسات الثقافية أن تنفخ فيه الروح عبر البهرجة الإعلامية والبريق الزائف والمؤتمرات المفتعلة بالجوائز وشهادات التقدير إلا أنه آخذ في الانقراض، وبدأ يتهم الناس بقلة الوعي ويتذرع بذرائع مختلفة كيما يبرر فشله وعجزه لأنه لا يعبّر عن جوهر الإنسان وفطرته ولا يتماهى مع واقع الإنسان العربي المسلم بل يعمد الخوض في الدين والجنس والسياسة واختراق المألوف زاعماً أنها ضرورات الإبداع التي تستفز ذهن المتلقي الخامل وتدهشه. وفي الحقيقة هي تخلق زوبعة إعلامية لا تنتهي إلا بزيادة توزيع الكتاب وترويجه والأهم تلميع صورة الأديب النجم! دونما أن نصل في النهاية إلى درجة أو خطوة في طريق الوعي أو حل المشكلات. والدليل على ذلك، التخلف الثقافي والانحدار الفكري والفجوة الشاسعة بين الأديب والمتلقي فكيف من تكون له رؤية قاصرة ناقصة مبتورة ونسخة مقلدة سقيمة قادر أن يوقد في ظلمة الليل شمعة نور، إنه كالطبيب يداوي الناس وهو عليل! فالأدب الإسلامي الملتزم على وجه الخصوص والذي اتهم أنه قائم على الأسلوب الوعظي المباشر هو الأقرب إلى الجماهير والأنفذ إالى وجدان الناس لأنه يحاكي الطبيعة البشرية ويخاطب الفطرة والتكوين الطبيعي ومن هذا المنطلق يقدم حلوله المتجددة والمتطورة مع مستجدات الواقع مع الحفاظ على ثوابت الدين ودون المساس بأخلاقيات الناس وعرف المجتمع. وكما قال السيد جمال الدين الأفغاني في وصفه للفئة المثقفة التي تقلد الغرب وتتبع نهجه هي السبب في انحدار الأمة الإسلامية وفتح منافذها أمام الأعداء: (لقد علمتنا التجارب أن المقلدين من كل أمة المنتحلين أطوار غيرهم يكونون منافذ لتطرق الأعداء إليها وطلائع الجيوش الغالبة وأرباب الغارات يمهدون لهم السبيل ويفتحون لهم الأبواب ثم يثبتون أقدامهم، فتقليد الأجانب يجرنا بطبيعة الحال إلى الإعجاب بهم والاستكانة لهم والرضا بسلطانهم علينا وبذلك تتحول صبغة الإسلام التي من شأنها رفع راية السلطة والغلبة إلى صبغة الذل والخمول، فالإسلام هو قوام الأمم وفلاحها وفيه سرّ سعادتها فإذا لم نؤسس نهضتنا الثقافية على قواعد ديننا وقرآننا فلا خير لنا).

الكاتبة: خولة القزويني