امام-حسین

الأدعية والزيارات المهدوية عن المعصومين

مع وجود الكم الهائل من الروايات التي تحدثت عن القضايا المهدية ، أفلا تكفي لتكون مصدراً مهماً لها ؟

وهل استنفدت تلك الروايات أغراضها فلم تعد الحاجة إلى الرجوع إليها مرة أخرى ؟

أم أن هناك دواعي أخرى يمكننا أن نستفيد من الأدعية والزيارات المروية عن المعصومين عليهم السلام ؟

وفي مخاض الإجابة عن كل تلك الأسئلة الموضوعية التي تنطلق عفوياً أمام أول قراءة لعنوان البحث : فإنه لا تعارض البتة بين أن نستمر بدراستنا للقضايا المهدية من خلال الروايات المكثفة ومن جوانبها المختلفة مع فتح مصدر معرفي جديد للتعرف على جوانب أخرى من هذه القضايا العقيدية المهمة في بعديها المعرفي النظري والواقعي .

وأما السبب المباشر الذي لفت انتباهنا إلى هذه الانطلاقة الجديدة هو مجموعة أشياء :

۱ـ الكثافة الكمية لتلك الأدعية والزيارات التي امتلأت بها كتب الأدعية والزيارات ك ( مصباح التهجد ) للشيخ الطوسي ، و( مصابح الزائر ) للسيد ابن طاووس ، و( الجنة الواقية ) و( البلد الأمين ) للشيخ الكفعمي وغيرها .

۲ـ الكثافة النوعية .

فقد تنوعت تلك الزيارات والأدعية من حيث مهماتها ، ومن حيث أوقاتها .. فهناك الأدعية التي أُمِرَ الشيعة بالمواظبة على قراءتها في عصر الغيبية تحت عنوان ( عصر الحيرة ) ، كما أن هناك أدعية أُمِرَ الشيعة أن يدعون بها لتعجيل فرج الإمام القائم ( عليه السلام ) ، بالإضافة إلى أن هناك أدعية ترجع عوائدها على شخص الإمام الحاضر ( عليه السلام ) ، ومنها ما جاء في دعاء زيارة ( آل ياسين ) كمثال إستشهادي .

يضاف : ما ورد في الزيارات المختصة به ( عليه السلام ) المطلقة والواردة في ( سرداب الغيبة ) .

ونجد الكثافة الوقتية شاخصة بوضوح أمام الشيعي في قراءاته لتلك الأدعية والزيارات في الأوقات المختلفة :

فهناك أدعية يومية صباحاً ، أو بعد صلاة الصبح ك ( دعاء العهد ) الكبير ، ودعاء ( العهد ) الصغير أو ما يمكننا أن نسميه ب( دعاء البيعة ) ، وهناك أدعية أسبوعية ك( دعاء الندبة ) الذي يقرأ في أوقات مختلفة منها المواظبة على قراءته يوم الجمعة ، ودعاء الغيبة الذي يقرأ يوم الجمعة .

وهناك أدعية تقرأ في المواسم كدعاء الندبة الذي يقرأ في الأعياد الأربعة ( عيد الفطر ، عيد الأضحى ، عيد الغدير ، يوم الجمعة ) ، والدعاء المروي عن الصالحين الذي يستحب تكرار قراءته ليلة الثالث والعشرين ( ليلة القدر ) من شهر رمضان المبارك ( اَللّهُمَّ كُنْ لِّوَلِيِّكَ اَلحُجَّة بنِ اَلحَسَنِ صَلَواتُكَ عَلَيهِ وَعَلى آبائِهِ في هذِهِ اَلسّاعِةِ وَفي كُلِّ ساعَةٍ وَلِيّاً وحَافِظاً وَقائِداً وَناصِرا وَدَليلاً َوَعَيناً حَتّى تُسكِنَهُ اَرضَكَ طَوعاً وَتُمَتِّعَهُ فيها طَويلاً ) . وكذلك المواظبة على قراءته في كل وقت من أيام الجمعة.

وكذلك نجد الكثافة المكانية لتلك الزيارات والأدعية التي وظفت قراءة بعض تلك الأدعية في مسجد الكوفة ، وكذلك مسجد السهلة ، وهكذا مسجد جمكران ، بالإضافة إلى المقامات المنسوبة له ( عليه السلام ) في أماكن مختلفة من الأرض من جملتها مقام صاحب الزمان ( عليه السلام ) في النجف ، ومقام صاحب الزمان ( عليه السلام ) في الحلة وفي أماكن أخرى من العالم .

۳ـ تفرَّدت تلك الأدعية والزيارات بتركيز اهتمامها على طرح مواضيع حساسة بما يتعلق بالقضايا المهدوية بشكل عام أو بشخص الإمام المهدي ( عليه السلام ) والمرتبطين به ( مثل أمّه الطاهرة السيدة نرجس (عليها السلام ) .. وعمته السيدة حكيمة ( عليها السلام ) .. أو نوابه الأربعة ( عليهم السلام ) .

ونشير إلى رمزية زيارة آل ياسين التي يزار بها صاحب الأمر ( عليه السلام ) حيث فيها إجابات على كثير من الاستفهامات المتعلقة بخصوصيته ( عليه السلام ) .

۴ـ وقد صيغت تلك الأدعية والزيارات بأساليب تفردت بها عن غيرها من حيث الأسلوب وطريقة العرض والطرح ويكفي ما فيها دعاء العهد ( الذي حثَّ الإمام الصادق ( عليه السلام ) على قراءته صباح كل يوم ، وبالخصوص المواظبة عليه أربعين صباحاً ) . ودعاء الندبة من إثارة كامن العاطفة ، والحماس ، والدعوة إلى البكاء الفردي ، والبكاء الجماعي ، في نفس الوقت الذي يحث الدعاء الداعي على الإعداد والاستعداد للمعركة المهدية ضدّ أعدائه ( عليه السلام ) ، وشحذ الهمم ، بأساليب خطابية تجمع المتناقضات المتضادة من قبيل التفجع وشكوى الظلم والظلامات مع الدعوى إلى القوة والمجابهة والقيام للمعركة والحرب، بما لم نجده في مجموع الأدعية الأخرى المروية عنهم عليهم السلام .

مع ملاحظة التأكيد على شخص الإمام ( عليه السلام ) بما تفردت به تلك الأدعية التي لم نجدها في الأدعية الأخرى التي أكدت على معاني التوحيد والعبودية لله تبارك وتعالى ، كدعاء كميل المروي عن أمير المؤمنين ، ودعاء عرفة المروي عن الإمام الحسين ( عليه السلام ) ، ودعاء أبي حمزة المروي عن الإمام زين العابدين ( عليه السلام ) ، بل نجد في بعض تلك الأدعية المهدية أن نفس الإمام المعصوم ( عليه السلام ) يمارس الإثارة العاطفية الخاصة حينما يسلط الأضواء بوضوح ملفت كما في رواية سدير الصيرفي التي رواها الصدوق في كمال الدين ، والطوسي في الغيبة قال : دخلت أنا والمفضل بن عمر وأبو بصير وأبان بن تغلب ، على مولانا أبي عبد الله جعفر بن محمد ( عليه السلام ) فرأيناه جالساً على التراب وعليه مسح خيبري مطوق بلا جيب مقصر الكمين وهو يبكي بكاء الواله الثكلى ، ذات الكبد الحرّى ، قد نال الحزن من وجنتيه وشاع التغير في عارضيه وأبلى الدموع محجريه ، وهو يقول : سيدي : غيبتك نفت رقادي وضيقت عليَّ مهادي وابتزت مني راحة فؤادي سيدي غيبتك أوصلت مصابي بفجائع الأبد وفقد الواحد بعد الواحد يفني الجمع والعدد ، فما أُحس بدمعةٍ ترقى من عيني ، وأنين يفترُ من صدري عن دوارج الرزايا وسوالف البلايا إلا مثل لعيني عن عواير أعظمها وأفظعها وتراقي أشدّها وأنكرها ونوايب مخلوطة بغضبك ، ونوازل معجونة بسخطك .

قال سدير : فاستطارت عقولنا ولهاً وتصدعت قلوبنا جزعاً من ذلك الخطب الهائل والحادث الغائل ، وظننا أنه سمت لمكروهةٍ قارعة ، أو حلّت به من الدهر بائقة ، فقلنا : لا أبكى الله يا بن خير الورى عينيك ، من أيّ حادثة تستترف دمعتك ، وتستمطر عبرتك ، وأية حالة حتمت عليك هذا المأتم .

قال: فزفر الصادق ( عليه السلام ) زفرة انتفخ منها جوفه ، وإشتد منها خوفه ، وقال : ويحكم إني نظرت في كتاب الجفر صبيحة هذا اليوم وهو الكتاب المشتمل على علم المنايا والبلايا والرزايا وعلم ما كان وما يكون إلى يوم القيامة الذي خصَّ الله تقدسَ إسمه به محمداً والأئمة من بعده عليه وعليهم السلام ، وتأملت فيه مولد قائمنا وغيبته وإبطائه وطول عمره وبلوى المؤمنين ) به من بعده ( في ذلك الزمان وتولّد الشكوك في قلوبهم من طول غيبته ، وارتداد أكثرهم عن دينه ، وخلعهم ربقة الإسلام من أعناقهم ، التي قال الله تقدس ذكره : ( وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ في عُنُقِهِ ) (۱) . يعني الولاية ، فأخذتني الرقة ، واستولت عليَّ الأحزان (۲) .

ولم نجد هذا الأسلوب الاستعراضي قد مورس أو أبرز مع أحد من الأئمة الباقين عليهم السلام .

كل هذه الأشياء قد ألفتت انتباهنا للدعوة إلى هذه الانطلاقة الجديدة لدراية القضايا المهدوية من خلال ما وردنا عن المعصومين عليهم السلام في أدعيتهم وزياراتهم له ( عليه السلام ) .

ومن نافلة القول فإنَّه لا يعني اهتمامنا المَعْرِفي بتلك الأدعية المسلكية مجالاته الموضوعية ، وكما قيل : فإن الطرق إلى الله تعالى بعدد أنفاس الخلائق .

ونحن في الوقت الذي نؤكد على ضرورة انبثاق طريق معرفي جديد لدراسة القضايا المهدية ينطلق من قالب الأدعية والزيارات له ( عليه السلام ) ، فإننا نؤكد أيضاً أن لتلك الأدعية والزيارات خصوصياتها الغيبة في الثواب ، وقضاء الحاجات وتحصيل مرضاة الله عزَّ وجل والنبي صلى الله عليه وآله وسلم والأئمة عليهم السلام ونزول الخيرات والبركات ودفع البلايا والأمراض ، كما أن لها مواقعها الجليلة والعظيمة في السير والسلوك وتزكية الباطن والترقي في مدارج الكمال، وقطع مراحل السير إليه سبحانه .

هل صدرت الأدعية والزيارات المهدية عن المعصومين عليهم السلام أم هي من تأليف علمائنا المقدسين ؟

قد أُثير الإشكال على صدور كثير من تلك الأدعية والزيارات من عند المعصومين عليهم السلام ونسبت إلى المقدس السيد ابن طاووس رحمه الله لما وقع في ظاهر أسانيد بعضها الإرسال ، وما قيل بأنها مذكورة في كتب ابن طاووس رحمه الله ولم نجدها في غيرها .. وقد عرف عنه رحمه الله أنه كان يؤلف الأدعية ويسجلها ويثبتها في كتبه المختصة في الأدعية والزيارات كما هو الموجود في كتابه الشريف مهج الدعوات .

وقد عولج الإشكال بطريقين :

الطريق الأول :

لا ضرر من كون الأدعية والزيارات من تأليف بعض العلماء بعدما قرر في محله جواز تأليف الأدعية والزيارات وقراءتها لا بقصد الورود .

الطريق الثاني:

ردّ أصل الإشكال ، والقول بضرس قاطع أن الأدعية المؤلفة من قِبَل السيد ابن طاووس رحمه الله أو غيره إن وجد وبالطبع فإنه لم يعرف في طبقته ومَنْ قَبْله من نَهجَ منهجه في تأليف الأدعية والزيارات وكتب ما ألّفه في مضامين كتبه ومؤلفاته قد صرّح هو نفسه بها بأنه ألّف ذلك الدعاء المخصوص كما هو واضح جلي ومصرّح به في كتب السيد ( رضوان الله تعالى عليه ) وأما باقي الأدعية التي لم يُصرّح أو يُلمح إلى كونها من تأليفه فإنما هي رواية له عن المعصومين عليهم السلام بطرق وأسانيد ، خصوصاً أننا نجد في بعضها صريح قوله ( وروي ) ، وتكفي هذه العبارة على أن ما نقله كان ما بعدها رواية ولم يكن من تأليفه .

وربما يشاء البعض أن يعلق على هذه المسألة : بما أنه لا ضرر من العمل بالدعاء والزيارة إنشاءً ، فما هو الداعي والمقتضي لهذا الإصرار بالبحث لتأكيد أنّ ما رواه المتقدمون ومتأخري متقدميهم بل ومتقدمي المتأخرين كان رواية ولم يكن إنشاء .

فيُجاب عليه بوجوه :

الوجه الأول :

إن قراءة المؤلَّف من غير المعصوم لا يدخله إلى دائرة المباح والمسموح والجواز بالمعنى الأخص .

وأما لو ثبت صدوره عن المعصوم ( عليه السلام ) فإنه سوف يرتضى به فيدخله ضمن دائرة المستحب أو المستحب المؤكد ، ويترتب عليه ما رسم له من الثوب الأخروي والأثر الدنيوي ، كما يلزم ولو من باب إكمال العمل أن يؤتى بما وظّف له من مقدمات وشروط كما هو المعهود في كثير من تلك الأدعية والزيارات حيث خصصت لها أوقاتاً معينة وشروطاً معروفة قد ذكرت متصلة بنفس الرواية ، أو منفصلة عامة قد ذكرت مستقلة في الروايات التي تحدثت عن عموميات شروط الزيارات والأدعية وهي مذكورة تفصيلاً في مجالها من كتب المزار أو الأدعية ، أو عمل اليوم والليلة.

الوجه الثاني :

إن الخط العام الذي حدّده أهل البيت عليهم السلام في قراءة الأدعية والزيارات هو الالتزام بالرواية ووجودها ، والبحث عنها في مصادرها في حال عدم وجودها ، كما ترشد إليه عملية توظيفهم عليهم السلام لنصوص الزيارات ، والأدعية والأعمال ، واهتمامهم عليهم السلام أن لا يفوتوا مناسبة من دون أن يحددوا الدعاء المخصص بها أو الزيارة المحددة ، أو الدعوة لشيعتهم للقيام بالوظائف العامة فيها ولو لما جاء في المطلقات والعمومات ، مما يولِّد عند الفقيه رؤية التأكيد على ضرورة إتّباع هذا الخط العملي بالزيارة والدعاء وتضييق الخناق على دائرة استخدام التأليف والابتداع في الدعاء والزيارة وإن لم يقصد به الورود ولم ينسب إلى المعصوم ( عليه السلام ) ( وأما مع قصد الورود أو نسبته إلى المعصوم ( عليه السلام ) مع العلم بعدم صدوره عنه ( عليه السلام ) فهو من أكبر الكبائر المحرَّمة الذي يستوجب فاعلها النار أعاذنا الله تعالى منها ) .

وهناك بعض النصوص المرشدة المؤيدة لهذه الحقيقة منها خبر عبد الرحيم البصير ) الذي رواه الشيخ الكليني بسند صحيح في الكافي ( الفروع ) : ج۳ : ص۴۷۶ : كتاب الصلاة عن علي بن إبراهيم ، عن أ،مد بن محمد بن أبي عبد الله ، عن زياد القندي ، عن عبد الرحيم القصير ، وتوثيق القصير لوقوعه في أسانيد تفسير على بن إبراهيم ، أو اعتباره لغيره من الوجوه كما ذكرناها في محلِّه من غير هذا البحث ( قال : دخلت على أبي عبد الله ( عليه السلام ) فقلت : جُعِلتَ فداك إنّي اخترعت دعاءاً .

قال: دعني من اختراعك ، إذا نزل بك أمر فافزع إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وصلِّ ركعتين تهديهما إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم … الخبر .

وأقلُّ ما يستفاد من قوله ( عليه السلام ) : ( دعني من اختراعك .. ) النهي الإرشادي ) إن صحّ في العبادات وإن كان خصوص المباحات منها ، مع أن الأقوى عدم وجود النهي الإرشادي في العبادات، وكل ما ورد فيها فهي نواهٍ مولوية وإنَّ أخفّها وأدناها مرتبة الكراهية ) .

وهو أحد أنواع الرد غير المرغوب به عند المعصوم ( عليه السلام ) ، وكيف لو استفاد منه الفقيه الردع المولوي وإن كان بمرتبته الدنيا يعني الكراهة ، مما يمكن أن يتفرع منها من الجواز يختص فيما لا نصّ فيه جزماً بعد البحث ، أو في المطلقات خاصة بحمل عمل القصير لقول الصادق ( عليه السلام ) ( إذا نزل بك أمر فافزع … ) على حالات نزول الأمر ، وهي مخصوصة لا مطلقة ، فيبقى الدعاء المطلق على حالة من الإباحة إما أصلاً أو لوجود المطلقات الكثيرة الدَّالة عليه ، فيكون جمعاً بين الأخبار .

الوجه الثالث :

لو كانت تلك الأدعية والزيارات من إنشاء غير المعصوم ( عليه السلام ) ومِنْ أيِّ كان من العلماء الإجلاء فإنها سوف لا تصلح كمادة بحث أولية لاستكشاف الرؤية الدينية ، لأننا نفترض في النص المعصوم أنه يمتلك الدقة التامة في التعبير ، وفيه قابلية أن يضع المعاني وراء الحروف والألفاظ بما يفتح أمام الفقيه باباً واسعاً لقراءة ما وراء السطور وما بينها ، بالإضافة إلى حقيقة كون النص المعصوم قادر على معرفة تلك الخصوصيات الغيبية ، والسرية عن المهدية ، والإمام المهدي ( عليه السلام ) بما هو عالم عن قرب ومطّلع على الواقع مباشرة على نحو الخبر والممارسة ، بعكس ما لو افترضنا النَّص قد صدر عن غير المعصوم فإنه لا يخبر عن تلك القضايا الخارجية والشخصية إلا بنحو التحليل لنَّص آخر، أو قراءة لقرائن حالية أو مقالية لا تفيد في أحسن الصور أكثر من الظن أو الإحتمال ، وبالطبع فكلما نحى الرأي الفقهي ومن أي فقيه كان عاش في أي زمان متقدم ، أو متقدم المتقدم سيراً تحليلياً في رؤى فقهية فإنه سوف يكون في موقع أبعد عن واقع النص ، بمقدار تجاوز حدود الخبر المنصوص إلى التحليل المفترض .

وعليه فسوف لا يصلح النص المؤلف من قِبل الفقهاء غير المعصومين ليكون أداة كاملة لاستنباط أو معرفة المجهول العقائدي أو التراثي إلا بمقدار ما يعتمده النص غير المعصوم من استفادته الفعلية من نسّ معصوم اعتمده في تركيب دعائه أو زيارته .

وهذا يوصلنا إلى الباب الأول المغلق على ضرورة التعرف على النص الذي نقل منه ، او عنه ، وهل إنَّ ذلك النص ثابت سندياً أم يحتاج إلى علاجات سندية لإثباته ؟

وهو يرجعنا إلى نفس النقطة التي بدأناها بضرورة أن تكون تلك الأدعية والزيارات قد رويت عن نفس المعصومين ( عليهم السلام ) ، ولا نستفيد الإستفادة التامة المطلوبة من تلك التي قد رويت عن غير المعصومين ( عليهم السلام ) وإن كانوا من الفقهاء الأجلاء .

توثيق النص :

باستقراء الأدعية والزيارات المروية عن المعصومين ( عليهم السلام ) أمكننا تصنيف عناوينها ضمن عدّة قوائم .

القائمة الأولى الأدعية والزيارات المهدية : أدعية الغيبة

وجاءت تسميتها بأدعية الحيرة انسلالاً من تسمية الغيبة بالحيرة كما جاء في مجموعة من الروايات عن المعصومين ( عليهم السلام ) في تسمية الغيبة بالحيرة عندما تحدثت عن فتنة آخر الزمان وحيرتها الصمّاء الصيلم المظلمة التي ( يرجع عن هذا الأمر مَن كان يقول به ) (۳) فـ ( يضلّ فيها أقوام ويهتدي فيها أقوام ) (۴) يجأر الصالحون إلى الله عزّ وجل يطلبون النجاة من الضلالة لأنهم علموا أنه ( لا ينجو أي من هذه الفتنة ) (۵) ( إلا مَنْ أخذ الله ميثاقه وكتب الإيمان في قلبه ، وأيّده بروح منه ) (۶) فيتخلّصون من تضليل المضلّين أصحاب الآراء والبدع الكثيرة والمقالات المزوّقة المنمّقة ، الذين خلطوا حقاً بباطل ولبسوا الأمور على المؤمنين فـ ( لا يعرف أيّ من أي ) (۷) وقد نبّه الأئمة المعصومون ( عليهم السلام ) إلى هذه الحيرة والضلالة والفتنة بالروايات الكثيرة .. وجاء في بعض تلك الروايات الشريفة أنّهم ( عليهم السلام ) علّموا شيعتهم الأدعية التي إن واظبوا عليها واعتقدوا بما فيها فإنها سوف تخلّصهم وتُنجيهم .

ولأهمية تلك الأدعية الشريفة نبتدأ هذا البحث بالحديث عن أسانيدها ، ليزداد المؤمن إيماناً والمنافق نفاقاً ، فإن مع إيماننا بصحّة ما جاء في تلك الأدعية الشريفة من المعاني الجليلة التي تكفي لجواز قراءتها ، لكننا آثرنا البحث في أسانيدها لتكون الحجّة أقوى ، ويعلم المؤمن أنّ أئمته الأطهار ( عليهم السلام ) لم يتركوه وحده في محنته يعاني آلامها وظلماتها ، وإنما كانوا معه من البداية يؤيّدوه ويسدّدوه ، وأنه ما زال مشمولاً بعناية ولي الله الأعظم ( أرواحنا لتراب قدميه الفدى ) إضافة إلى ما تقدم من التنبيهات الضرورية لرسم منهج معرفي جديد .

۱ـ روى الصدوق بالاسناد إلى عبد الله بن سنان قال : قال أبو عبد الله ( عليه السلام ) ستصيبكم شبهة فتبقون بلا علم يرى ، ولا إمام هدى ، ولا ينجو منها إلاّ من دعا بدعاء الغريق ، قلت : كيف دعاء الغريق ؟ قال : يقول : ( يا الله يا رحمن يا رحيم يا مقلّب القلوب ثبِّت قلبي على دينك ) فقلت : ( يا الله يا رحمن يا رحيم يا مقلّب القلوب والأبصار ثبّت قلبي على دينك ) ، قال : إنّ الله عز وجل مقلّب القلوب والابصار ولكن قُل كما أقول لك : ( يا مقلّب القلوب ثبِّت قلبي على دينك ) . (۸)

وقد ورد قريب من مضمونها في بعض أخبار العامة ، منها ما رواه الحاكم في المستدرك قال : أخبرنا أبو عبد الله محمد بن عبد الله الصفار ، ثنا محمد بن إبراهيم بن أرومة ، ثنا الحسين بن حفص عن سفيان الثوري عن الأعمش عن عمارة بن عمير عن حذيفة رض قال : يأتي عليكم زمان لا ينجو فيه إلا من دعا دعاء الغَرِيق ) . (۹)

ثم عقب عليه بقوله ( هذا إسناد صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه ) . (۱۰)

۲ـ روى الكليني بإسناده عن :

الحسين بن أحمد ، عن أحمد بن هلال ، قال : حدثنا عثمان بن عيسى ، عن خالد بن نجيح ، عن زرارة بن أعين قال : قال أبو عبد الله : لابدّ للغلام من غيبة . قلت : ولم ؟ قال : يخاف ـ وأومأ بيده الى بطنه ـ وهو المنتظَر وهو الذي يشكّ الناس في ولادته ، فمنهم من يقول : مات أبوه ولم يخلّف ، ومنهم من يقول : وُلد قبل موت أبيه بسنتين . قال زرارة : فقلت : وما تأمرني لو أدركتُ ذلك الزمان ؟ قال : ادعُ الله بهذا الدعاء : ( اللهمّ عرّفني نفسك فإنك إنْ لم تعرّفني نفسك لم أعرفك ، اللهم عرّفني نبيّك فإنك إن لم تعرّفني نبيك لم أعرفه قط ، اللهم عرّفني حجّتك فإنك إن لم تعرّفني حجّتك ضللتُ عن ديني ) .

قال أحمد بن هلال : سمعت هذا الحديث منذ ست وخمسين سنة . (۱۱)

وقد ورد الدعاء في كتاب الكافي للكليني بإسناده عن علي بن إبراهيم بنص مماثل (۱۲) وراه الصدوق بحذف كلمة ( عن ديني ) عن أحمد بن محمد بن يحيى في كمال الدين وتمام النعمة . (۱۳)

وروى النعماني في الغيبة يرفعه بإسناده عن أبي عبد الله الصادق (عليه السلام ) مثله . (۱۴)

۳ـ روى الصدوق في كمال الدين بإسناده التالي : حدثنا أبو محمد الحسين بن أحمد المكتب قال : حدثنا أبو علي بن همام بهذا الدعاء ، وذكر أن الشيخ العمري ( قدّس الله روحه ) أملاه عليه وأمره أن يدعو به وهو الدعاء في غيبة القائم ( عليه السلام ) .. ثم ذكر الدعاء بطوله وهو الدعاء الثاني من أدعية الغيبة الذي سوف نذكره إن شاء الله تعالى في هذه الرسالة .

۴ ـ وقال الشيخ الطوسي في مصباحه : وما روي عن أبي عمرو بن سعيد العمري رض ، أخبرنا جماعة عن أبي محمد هارون بن موسى التلعكبري أن أبا علي محمد بن همام أملاه عليه وأمره أن يدعو به وهو الدعاء في غيبة القائم من آل محمد (عليه وعليهم السلام ) .. ثم نقل الدعاء . (۱۵)

۵ ـ وقال السيد جمال الدين بن طاووس في جمال الأسبوع : أخبرني الجماعة الذين قدمت الإشارة إليهم بإسنادهم إلى جدي أبي جعفر الطوسي رضوان الله جلّ جلاله عليه قال : أخبرنا جماعة عن أبي محمد هارون بن موسى التلعكبري : أن أبا علي محمد بن همام أخبره بهذا الدعاء ، وذكر أن الشيخ أبا عمرو العمري قدس الله روحه أملاه عليه وأمره أن يدعو به ، وهو الدعاء في غيبة القائم من آل محمد ( عليه وعليهم السلام ) ، وحدث أبو العباس أحمد بن علي بن محمد العباس بن نوح ( رضي الله عنه ) قال : أخبرنا أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين بن بابويه رض قال : حدثنا أبو محمد الحسين بن أحمد المكتب قال : حدثني أبو علي محمد بن همام رحمه الله بهذا الدعاء ، وذكر أن الشيخ العمري ( قدّس الله روحه ) أملاه عليه وأمره أن يدعو به . (۱۶)

۶ ـ وقال الشيخ الطوسي في مصباحه :

( الدعاء لصاحب الأمر ( عليه السلام ) المروي عن الرضا عليه السلام : روى يونس بن عبد الرحمن أن الرضا ( عليه السلام ) كان يأمر بالدعاء لصاحب الأمر بهذا (۱۷) .. ثم ذكر الدعاء الثالث الذي ذكرناه في هذه الرسالة .

وقال السيد رضي الدين بن طاووس في جمال الأسبوع :

( ذكر الدعاء لصاحب الأمر المروي عن الرضا ( عليهما أفضل السلام ) :

حدثني الجماعة الذين قدّمت ذِكرهم في عدّة مواضع من هذا الكتاب بإسنادهم إلى جدي ابي جعفر الطوسي تلقاه الله جلّ جلاله بالأمان والرضوان يوم الحساب قال : أخبرنا ابن أبي الجنيد عن محمد بن الحسن بن سعيد بن عبد الله والحميري وعلي بن إبراهيم ومحمد بن الحسن الصفار ، كلّهم عن إبراهيم بن هاشم ، عن إسماعيل بن مولد وصالح بن السندي ، عن يونس بن عبد الرحمن ، ورواه جدي أبي جعفر الطوسي فيما يرويه عن يونس بن عبد الرحمن بعدّة طرق تركت ذكرها كراهية للإطالة في هذا المكان ، يروي عن يونس بن عبد الرحمن : أن الرضا ( عليه السلام ) كان يأمر بالدعاء لصاحب الأمر ( عليه السلام ) بهذا (۱۸) .. ثم ذكر الدعاء .

ثم عقّب على هذا الدعاء بقوله : قد تضمّن هذا الدعاء قوله عليه السلام : ( اللهمّ صلِّ على وُلاة عهده والأئمة من بعده ) ولعل المراد بذلك أنّ الصلوة على الأئمة الذين يرتّبهم في أيامه للصلوة بالعباد في البلاد والأئمة في الأحكام في تلك الأيام، وأن الصلوة عليهم تكون بعد ذِكر الصلاة عليه صلوات الله عليه بدليل قوله : ( ولاة عهده ) ، لأن ولاة العهد يكونون في الحياة ، فكأن المراد : اللهمّ صلّ بعد الصلاة عليه على ولاة عهده والأئمة من بعده .

وقد تقدّم في الرواية عن مولانا الرضا ( عليه السلام ) : ( والأئمة من ولده ) ، ولعلّ هذه قد كانت : ( صلّ على ولاة عهده والأئمة من ولده ) فقد وجدت ذلك كما ذكرناه في نسخة غير ما رويناه ، وقد روي أنهم من أبرار العباد في حياته . ووجدت رواية متصلة الإسناد بأن للمهدي ( صلوات الله عليه ) أولاداً جماعة ولاة في أطراف بلاد البحار على غاية عظيمة من صفات الأبرار ، وروى تأويل غير ذلك مذكور في الأخبار .

ووجدت هذا الدعاء برواية تغني عن هذا التأويل ونذكرها ، لأنها أتمّ في التفصيل ، وهي ما حدَّث به الشريف الجليل أبو الحسين زيد بن جعفر العلوي المحمدي قال : حدثنا أبو الحسين إسحاق بن الحسن العفراني قال : حدثنا محمد بن همام بن سهيل الكاتب ومحمد بن شعيب بن أحمد المالكي جميعاً عن شعيب بن أحمد المالكي ، عن يونس بن عبد الرحمن ، عن مولانا أبي الحسن علي بن موسى الرضا ( عليهما السلام ) أنه كان يأمر بالدعاء للحجة صاحب الأمر ( عليه السلام ) ، فكان من دعائه له ( صلوات الله عليهما ) (۱۹) ثم ذكر الدعاء .

وهناك صيغة أخرى لهذا الدعاء ذكرها السيد بن طاووس في جمال الأسبوع وهي قريبة جداً لنص هذه النسخة منه إلا بزيادة كلمات أو نقيصتها .

ــــــــــــــــــــ

(۱) من سورة الاسراء : من الآية ۱۳ .

(۲) كمال الدين : ج۲ : ص۳۵۳ : باب ۳۳ : ح۵۱ . الغيبة : الطوسي : ص ۱۶۸۱۶۹ : الطبعة المحققة .

(۳) كما ورد ذلك في الرواية عن الإمام الكاظم ( عليه السلام ) وقد رواها المسعودي في إثبات الوصية/ ۲۲۹ ـ ۲۳۰ .

(۴) كما ذلك في الرواية عن الإمام محمد بن علي الباقر ( عليه السلام ) وقد رواها الصدوق في كمال الدين/ ص ۳۳۰ ـ باب ۳۲/ ح ۱۴ .

(۵) ما بين القوسين ليس من الرواية .

(۶) كما ورد ذلك في الرواية عن الإمام الصادق ( عليه السلام ) فيما رواه النعماني في غيبته/ ص ۱۵۱/ باب۱۰/ ح۹ .

(۷) كما ورد ذلك في الخبر المروي عن الإمام الصادق ( عليه السلام ) ( ولترفعن اثنتا عشرة راية مشتبهة لا يعرف أي من أي ) في الغيبة للنعماني/ ص ۱۵۲ـ باب ۱۰/ ح ۹ .

(۸) كمال الدين/ ص ۳۵۲/ ح ۴۹ .

(۹) المستدرك على الصحيحين/ الحاكم النيسابوري/ ج۴/ ص ۴۲۵ .

(۱۰) المستدرك على الصحينحين/ ج۴/ ص ۴۲۵ .

(۱۱) الكافي/ ج۱/ ص ۳۴۲/ كتاب الحجة/ باب في الغيبة/ ح۲۹ .

(۱۲) الكافي/ ج۱/ ص ۳۴۲/ كتاب الحجة/ باب في الغيبة/ ح ۲۹ .

(۱۳) الكافي/ ج۱/ ص ۳۴۲/ كتاب الحجة/ باب في الغيبة/ ح۲۹ .

(۱۴) الكافي/ ج۱/ ص ۳۴۲/ كتاب الحجة/ باب في الغيبة/ ح۲۹ .

(۱۵) مصباح المجتهد/ ص ۳۶۹/ الطبعة الحجرية، وص ۴۱۱ الطبعة الحديثة .

(۱۶) جمال الأسبوع/ ص ۳۱۵/ الفصل ۴۷/ الطبعة الحديثة، وص ۵۲۱/ الفصل ۴۷/ الطبعة القديمة .

(۱۷) مصباح المجتهد/ ص ۳۶۶/ الطبعة الحجرية/ وص ۴۰۹/ الطبعة الحديثة .

(۱۸) جمال الأسبوع/ ص ۵۰۶ـ ۵۰۷ الطبعة الحجرية، وص ۳۰۷ الطبعة الحديثة .

(۱۹) جمال الأسبوع ص ۳۱۰ الطبعة الحديثة، ص ۵۱۱ الطبعة الحجرية .