الأدلة على جواز الاحتفال بمولد النبي

الأدلّة على جواز الاحتفال بمولد النبيّ(ص)

السؤال:

ما هو الدليل على جواز إقامة الاحتفالات في أفراح محمّد وآل محمّد؟ على أن يكون الجواب من المصادر السنّية، جزاكم الله خير الجزاء.

الجواب:

هناك استدلالات عديدة لجواز الاحتفال بمولد النبيّ(صلى الله عليه وآله) وأهل بيته(عليهم السلام)، استدلّ بها علماء الفريقين ردّاً على الوهّابية التي ترى أنّ الاحتفال بمولده(صلى الله عليه وآله) بدعة، من الأدلّة:

۱ ـ قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ الله فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾(۱)، باعتبار أنّ شعائر الله تعالى هي أعلام دينه، خصوصاً ما يرتبط منها بالحجّ؛ لأنّ أكثر أعمال الحجّ إنّما هي تكرار لعمل تاريخي، وتذكير بحادثة كانت قد وقعت في عهد إبراهيم(عليه السلام)، وشعائر الله مفهوم عامّ شامل للنبيّ(صلى الله عليه وآله) ولغيره، فتعظيمه(صلى الله عليه وآله) لازم.

ومن أساليب تعظيمه، إقامة الذكرى في يوم مولده ونحو ذلك، فكما أنّ ذكرى ما جرى لإبراهيم(عليه السلام) يعدّ تعظيماً لشعائر الله سبحانه، كذلك تعظيم ما جرى للنبيّ الأعظم محمّد(صلى الله عليه وآله) يعدّ هو الآخر تعظيماً لشعائر الله سبحانه.

۲ ـ قوله تعالى: ﴿ذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ الله﴾(۲)، فإنّ المقصود بأيّام الله، أيّام غلبة الحقّ على الباطل، وظهور الحقّ، وما نحن فيه من مصاديق الآية الشريفة فإنّ إقامة الذكريات والمواسم فيها تذكير بأيّام الله سبحانه.

۳ ـ قوله تعالى: ﴿قُلْ بِفَضْلِ الله وَبِرَحْمَتِـهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ﴾(۳)، ومن المصاديق الجلية لرحمة الله سبحانه، هو ولادة النبيّ(صلى الله عليه وآله) الذي أرسله الله رحمة للعالمين، فالفرح بمناسبة ميلاده(صلى الله عليه وآله) مطلوب ومراد.

۴ ـ قوله تعالى: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾(۴)، فإنّ الاحتفالات بميلاده(صلى الله عليه وآله) ما هي إلّا رفع لذكره وإعلاء لمقامه.

۵ ـ قوله تعالى: ﴿قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلاَّ الْموَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾(۵)، بأنّ مودّة ذوي القربى مطلوبة شرعاً، وقد أمر بها القرآن صراحة، فإقامة الاحتفالات للتحدّث عمّا جرى للأئمّة(عليهم السلام)، لا يكون إلّا مودّةً لهم، إلّا أن يُدّعى أنّ المراد بالمودّة الحبّ القلبي، ولا يجوز الإظهار.

۶ ـ قوله تعالى: ﴿فَالَّذِينَ آمَنُواْ بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ﴾(۶)، باعتبار أنّ إقامة الاحتفال للتحدّث عنه(صلى الله عليه وآله) فيه نوع من التعظيم والنصرة له.

۷ ـ قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا أَنزِلْ عَلَيْنَا مَآئِدَةً مِّنَ السَّمَاء تَكُونُ لَنَا عِيداً لأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِّنكَ وَارْزُقْنَا وَأَنتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾(۷)، فقد اعتبر يوم نزول المائدة السماوية عيداً وآية، مع أنّها لأجل إشباع البطون.

فيوم ميلاده(صلى الله عليه وآله) ويوم بعثته، الذي هو مبدأ تكامل فكر الأُمم على مدى التاريخ؛ أعظم من هذه الآية، وأجلّ من ذلك العيد، فاتّخاذه عيداً يكون بطريق أولى.

۸ ـ قوله تعالى: ﴿وَالضُّحَى * وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى﴾ ، قال الحلبي: «أي وقد أقسم الله بليلة مولده(صلى الله عليه وآله) قوله تعالى: ﴿وَالضُّحَى * وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى﴾ ، وقيل: أراد بالليل ليلة الإسراء، ولا مانع أن يكون الإقسام وقع بهما، أي استعمل الليل فيهما»(۸).

۹ ـ إنّ الاحتفال بالمولد سنّة حسنة، وقد قال(صلى الله عليه وآله): «من سنّ سنّة حسنة كان له أجرها وأجر من عمل بها»(۹).

۱۰ ـ إنّ جُلّ أعمال مناسك الحجّ ما هي إلّا احتفالات بذكرى الأنبياء(عليهم السلام)، فأمر الله تعالى باتّخاذ مقام إبراهيم مصلّىً إحياء لذكرى شيخ الأنبياء إبراهيم(عليه السلام)، أمّا السعي بين الصفا والمروة فهو تخليد لذكرى هاجر لمّا عطشت هي وابنها إسماعيل، فكانت تسعى بين الصفا والمروة، وتصعد علّها تجد شخصاً ما.

ورمي الجمار تخليد لذكرى إبراهيم(عليه السلام)، لمّا ذهب به جبرئيل إلى جمرة العقبة، فعرض له الشيطان، فرماه بسبع أحجار فساخ.

وذبح الفداء، إنّما هو تخليد لذكرى إبراهيم(عليه السلام) أيضاً، حينما أُمر بذبح ولده إسماعيل، ففداه الله بذبح عظيم.

وفي بعض الأخبار: إنّ أفعال الحجّ إنّما هي احتفال بذكرى آدم، حيث تاب الله عليه عصر التاسع من ذي الحجّة بعرفات، فأفاض به جبرئيل حتّى وافى إلى المشعر الحرام فبات فيه، فلمّا أصبح أفاض إلى منى، فحلق رأسه إمارة على قبول توبته وعتقه من الذنوب، فجعل الله ذلك اليوم عيداً لذرّيته.

فأفعال الحجّ كلّها احتفالات وأعياد بذكرى الأنبياء ومَن ينتسب إليهم، وهي باقية أبد الدهر.

وأخيراً: أكمل الأدلّة على جواز إقامة الاحتفال بمولد النبيّ(صلى الله عليه وآله) هو دليل الفطرة، والدين والشرع منسجمان تماماً مع مقتضيات الفطرة ومتطلّباتها، فقد اعتاد الناس انطلاقاً من احترامهم للمُثل والقيم التي يؤمنون بها، على احترام الأشخاص الذين بشرّوا بها وضحّوا في سبيلها، وارتبطوا بهم عاطفيّاً وروحيّاً كذلك.

ورأوا أنّ إحياء الذكرى لهؤلاء الأشخاص، لم يكن من أجل ذواتهم كأشخاص، وإنّما من أجل أنّهم بذلك يحيون تلك القيم والمُثل في نفوسهم، وتشدّ الذكرى من قوّة هذا الارتباط فيما بينهم وبينها، وترسّخها في نفوسهم، وتعيدهم إلى واقعهم.

وهكذا يقال بالنسبة للاحترام الذي يخصّون به بعض الأيّام، أو بعض الأماكن، وقديماً قيل:

مررت على الديار ديار ليلى ** وما حبُّ الديار شغفن قلبي

أقبّل ذا الجدار وذا الجدارا ** ولكن حبّ مَن سكن الديارا

يلاحظ: أنّ الاهتمام بإقامة الذكريات والاحتفال بالمناسبات التي تمثّل تحوّلاً من نوعٍ ما في حياة الناس عامّة، لا يقتصر على فئة دون فئة، ولا يختصّ بفريق دون فريق، فالكبير والصغير، والغني والفقير، والملك والسوقة، والعالم والجاهل، والمؤمن والكافر وغيرهم، الكلّ يشارك في إقامة الذكريات للمُثل والقيم، ومَن يمثّلها حسب قدراته وإمكاناته.

فهذه الشمولية تعطينا: إنّ هذا الأمر لا يعدو عن أن يكون تلبية لحاجة فطرية، تنبع من داخل الإنسان ومن ذاته، وتتّصل بفطرته وسجيّته، حينما يشعر أنّه بحاجة إلى أن يعيش مع ذكرياته وآماله، وإلى أن يتفاعل مع ما يجسّد له طموحاته.

فيوم ولادة النبيّ(صلى الله عليه وآله) هو يوم فرح المسلمين، ويوم عيد وبهجة لهم، ولا بدّ وأن يستجيب الإسلام لنداء الفطرة، ويلبّي رغباتها مادامت منسجمة مع منطلقاته وأهدافه، ولا يحرمها من عطاء رحمته وبرّه… مادام أنّه دين الفطرة، الذي يوازن بين جميع مقتضياتها، ويعطيها حجمها الطبيعي من دون أن يكون ثمّة إهمال مضرّ، أو طغيان مدمّر.

وهذه هي عظمة تعاليم الإسلام، وهذا هو رمز الخلود له، وفّقنا الله للسير على هدى هذا الدين، والالتزام بشريعة ربّ العالمين، إنّه خير مأمول، وأكرم مسؤول.

____________________

۱ـ الحجّ: ۳۲٫

۲ـ إبراهيم: ۵٫

۳ـ يونس: ۵۸٫

۴ـ الانشراح: ۴٫

۵ـ الشورى: ۲۳٫

۶ـ الأعراف: ۱۵۷٫

۷ـ المائدة: ۱۱۴٫

۸ـ السيرة الحلبية ۱/۸۶، السيرة النبوية لزيني دحلان ۱/۲۱٫

۹ـ مسند أحمد ۴/۳۶۲، المصنّف لابن أبي شيبة ۳/۳٫