الأم-المثالي

«الأم المثالية».. أجمل هدي

داخل المنزل هي الجندي المجهول، والمربية التي ترعى كل احتياجات عائلتها وتوفرها لهم دون أن تنتظر أي مقابل.. وخارج المنزل هي الموظفة الأمينة على عملها والمنتجة الجديرة بالثقة التي أثبتت قدرتها على أن تكون شريكاً رئيساً في عملية التنمية المستدامة.. وفوق كل هذا هي الأُم التي أوصى بها نبيّ الإسلام محمد (ص)، خيراً بقوله: “أمك ثمّ أمك ثمّ أمك ثم أبوك”، والتي وصفها الشاعر حافظ إبراهيم: “الأُم مدرسة إذا أعددتها، أعددت شعباً طيب الأعراق”، من أجل هذه المرأة العظيمة التي بذلت كل غال ورخيص من أجل راحة عائلتها وأبنائها والقدرة على تحقيق التوازن بين الحياتين المهنية والأسرية تعد المفتاح الأساسي لنجاح المرأة في العمل ووصولها إلى مناصب قيادية مع المحافظة على نسيج الثقافة العربية، نقول لها كل عام وانتي بخير يا ست الحبابيب، في هذا التحقيق وقفة مع نساء عظيمات استحقوا المكافأة في مجال عملهم.

البداية كانت مع مديرة حضانة الجمارك مريم خليفة الشامسي، الحاصلة على جائزة أفضل أم عاملة في جمارك دبي لعام 2010 عن جميع الفئات، تقول الشامسي بحماسة: “بصراحة، كنت أتوقع الوصول إلى التصفية النهائية، والفوز بالجائزة الاولى عن الفئة الإدارية، خصوصاً وأنني سبق أن تأهلت لبرنامج الأداء الحكومي المتميز ووصلت إلى التصفيات النهائية، ولكنني لم أتوقع الفوز بهذه الجائزة، خصوصاً وأن في الجمارك كوادر نسائية مميزة جدّاً”. وعمّا إذا كانت تعتبر الجائزة هدية من أجل تكريم إنجازاتها بمناسبة عيد الأُم، أجابت إحدى بنائها وقالت: “نشعر اليوم بفرحة كبيرة لفوز والدتنا بالجائزة، ولكننا لم نكن ننتظر هذا التكريم لندرك كم هي امرأة مميزة ونفخر بها وبالإنجازات التي حققتها وتحققها يومياً. أمّا بالنسبة لعيد الأُم، فنحن نحضر لها مفاجأة كبيرة، خصوصاً وأنّ عيدميلادها يأتي في الفترة نفسها تقريباً”.

– الحضانة تسهل عمل المرأة:

وتعود الشامسي للتتحدث عن بدايات عملها، موضحة أنها تعمل في الجمارك منذ سبع سنوات، ومشيرة إلى أنها سبق لها أن عملت لمدة تسع سنوات في جمعية النهضة النسائية، وتقول: “عندما بدأت العمل كان لديّ فقط صبي وفتاة ورزقت ببقية أولادي خلال فترة عملي، ولكن لابدّ من الإشارة هنا إلى أنّ دوام الجمعية كان مناسباً جدّاً، الأمر الذي سمح لي بالتنسيق بين بيتي وعملي”. ومن منطلق تجربتها أكدت الشامسي موقفها الداعم لعمل المرأة حتى عندما يكون أولادها صغاراً حيث قالت: “تغير الأمر كثيراً فقد أصبحت طبيعة الحياة التي نعيشها، وظروف العمل مواتيتين أكثر لعمل المرأة، ففي جمارك دبي على سبيل المثال، افتتحت الدائرة حضانة للأطفال، ما أسهم في تدني نسبة الاستقالات وزيادة عدد طلبات الالتحاق بالدائرة، حيث أصبحت المرأة قادرة على الحضور إلى العمل وهي مطمئنة على أولادها، الأمر الذي يزيد من إنتاجيتها وتركيزها”.

وحول العوامل التي أسهمت في وصولها إلى هذه المرحلة قالت الشامسي ضاحكة: “أحب نفسي كثيراً، وأعمد إلى مكافأتها على جميع ما أحققه من إنجازات، فأنا بطبيعتي أحب أن أكون متميزةً وفريدةً في المحيط الذي أكون فيه، والأمر نفسه ينطبق على طريقة تربيتي لأولادي، حيث أسعى جاهدة إلى أن يكونوا متميزين، لذلك تجدينني أبذل كل جهد ممكن لتحقيق هذا”. وتتابع: “المشكلة أنّ هناك العديد من النساء اللاتي لا يحببن أنفسهنّ، على الرغم من أنّ هذا شرط أساسي للنجاح في الحياة، عندما ينعكس إيجاباً على حياة الآخرين”.

– الجائزة دليل نجاحي:

مريم سالم، والدة لثلاثة أولاد، وجدة لاثنين، والفائزة بالمركز الثاني عن الفئة الميدانية، تؤكد أنّ الجائزة دليل على نجاحها في تربية أولادها وأداء دورها كوالدة، فهي بحسب قولها لم تجد صعوبة في التنسيق بين واجباتها المنزلية والمهنية لأنها ببساطة لم تدخل سوق العمل عندما كان أولادها صغاراً في السن. وتقول: “لست نادمة أبداً لأنني اخترت البقاء في المنزل عندما كان أولادي أطفالاً، ففي هذه المرحلة كانوا في حاجة لي أكثر من أيّ شخص آخر في العالم، ويمثلون الأولوية في حياتي”. وتضيف: “تطورت العلاقة بيني وبين أولادي كثيراً مع مرور الوقت، ففرق العمر بيننا ليس كبيراً، لذلك حاولت جاهدةً أن تربطني بهم علاقة صداقة لكي أكون قريبة منهم ومن مشكلاتهم فأساعدهم على حلها دون أن يشعروا للحظة بأنني بعيدة عنهم في عملي”. وفي ما يتعلق بالرسالة التي توجهها لكل أم شابة تقول: “أود أن أطرح عليها سؤالاً بسيطاً جدّاً هو: ما الذي يدفعها إلى الامتناع عن العمل والبقاء في المنزل؟ فمن خلال العمل يمكن للمرأة أن تطور نفسها وتغير حياتها”، غير أنّها تستدرك وتقول: “لن هذا يجب ألا يحصل إلا عندما يتخطى أطفالها سناً معينة، مشيرة إلى أنها تشجع ابنتها على العمل، عندما يكبر أولادها قليلاً، وبالطبع، القرار الأخير يعود إليها وإلى زوجها”.

– ابنتي سبب فوزي:

من جهتها تختصر خديجة أحمد عبدالله الزعابي، الفائزة بالمركز الثاني عن فئة التكريم الخاص، الحديث وتؤكد أنّ السبب الرئيس الذي أسهم في فوزها بالجائزة هو ابنتها التي تحتل المراكز الأولى في رياضة العدو على مستوى الإمارات، والمتفوقة دوماً في دراستها.. وتضيف: “على الرغم من أنني كنت أتوقع الفوز في المسابقة إلا أنّ الشعور بلحظة الفوز يبقى أمراً مختلفاً، ولا يمكن وصفه، وتقول: “بدأت العمل منذ نحو عشر سنوات، لأنني وجدت صعوبة كبيرة في ترك أولادي عندما كانوا أطفالاً، ولأنني من النساء اللاتي يرفضن أن تتولى الخادمة تربية الأطفال”. ولا تتردد الزعابي في تأكيد تشجيعها لبنائها على دخول سوق العمل بعد إنهائهن تحصيلهنّ العلمي وبلوغهنّ سن الخامسة والعشرين، لأنّها بحسب قولها تزوجت وهي صغيرة في السن، وتعي أهمية الدراسة والعمل في حياة المرأة وتقول “الحياة اليوم باتت مختلفة جدّاً، فالفرصة أصبحت متاحة أمام المرأة، من أجل تحقيق طموحاتها وأحلامها، وبالنسبة لبناتي أعتقد أنّ من واجبي كوالدة أن أشجعهنّ على العمل، لكنني في النهاية لا أستطيع أن أحدد مصيرهنّ، فهذا موضوع مرتبط بهنّ وبأزواجهنّ”. وبسؤال بناتها عن شعورهنّ وعما يقلنه في ما يتعلق بفوز والدتهنّ بالجائزة، قالت إحداهنّ: “لن نتمكن بالكلمات من التعبير عن الفرحة الكبيرة التي نشعر بها اليوم، لكن جوائز العالم كلها لن توفي والدتها حقها ولن تكافئها على التضحيات التي قدمتها من أجلنا”.

– قدوة ومثل أعلى:

محبوبة باقر، الفائزة بالمركز الأوّل عن الفئة الإدارية، تؤكد أنّ “أجمل عبارة يمكن أن تسمعها أي والدة سواء في عيد الأُم أو في أي وقت آخر هي الفوز بهذه الجائزة”. وتضيف: “ربما كان لنجاحي في الفصل بين مسؤولياتي العائلية والمهنية دور كبير في فوزي بها، فانا أحاول جاهدة إيجاد نوع من التوازن في حياتي، وحتى عندما أضطر إلى العمل في المنزل أحاول أن يكون أولادي إلى جانبي”. وتوضح باقر أنّها كانت تتوقع الفوز بالجائزة، ولكنها لم تكن تعلم في أيّ مركز. وتقول: “لقد قدمت الكثير في مجال عملي بالجمارك، كما أنني عملت جاهدة لكي أكون إنسانة متميزة، وحاولت نقل هذا الموضوع إلى أولادي، واليوم أود أن أؤكد لكل أم وشابة ولبناتي بالتحديد أنّ العمل لن يسبب لهنّ أي مشكلات أو ضغوط إضافية حتى وإن كان أولادهنّ صغاراً في السن، فليس هناك من داع لبقاء المرأة في المنزل”. وتضيف: “لكن يجب أن تعي المرأة أنّ التقدم في العمل ليس أمراً سهلاً. فقد حاولت شخصيّاً قدر المستطاع تثقيف نفسي والاستفادة من تجارب الآخرين وعدم تكرار أخطائهم. فالمرأة الآن تعمل في جميع المجالات، وهناك الوزيرة أو السفيرة والتي تقع على كاهلها مسؤولية أكبر بكثير من المسؤوليات الملقاة على عاتقي، فكيف يمكن أن تنجح هي، وألا أتمكن أنا من تحقيق هذا التوازن وأنا موظفة بسيطة”؟!

الموضوع لا يختلف كثيراً لدى صديقة يعقوب إبراهيم، الفائزة بالمركز الثالث عن الفئة الميدانية، والتي أكدت أن أولادها هم سبب نجاها، وتوضح صديقة وهي أم لثلاثة أولاد، أ نّها دخلت سوق العمل عندما كبر أولادها، وانطلاقاً من تجربتها الخاصة تنصح كل أم لديها أطفال صغار في السن بالبقاء في المنزل ورعايتهم والاهتمام بهم، لأنّهم حسب قولها في أمس الحاجة إليها في هذه السن، ولا يمكن لأي خادمة أن تلعب دور الأُم في توفير الحنان والرعاية اللذين يحتاجون إليهما”. وتقول: “على الرغم من أنني لم أترك أطفالي وهم صغار في السن، إلا أنني تركتهم وهم في سن المراهقة وهذه مرحلة عمرية حساسة جدّاً، لذلك تعبت كثيراً في البداية كي أنجح في التنسيق بين احتياجاتهم وواجباتي المهنية، وفي الوقت نفسه الإشراف على دراستهم وامتحاناتهم وما إلى ذلك”. وتضيف: “اليوم وبعد كلّ ما مرت به أرى أنّ الجائزة التي تلقيتها هي أجمل هدية يمكن أن تتلقاها أيّ أم في عيدها”.

– فريال توكل: الاختيار كان أمراً شديد الصعوبة:

لا توافق فريال توكل، المدير التنفيذي لقطاع الشؤون المجتمعية والشراكة الحكومية في جمارك دبي على أنّ الجوائز التي قدمت للأُمّهات هي بمثابة هدايا لهنّ بمناسبة عيد الأُم، وتقول: “ربما تتزامن الجائزة في دورتها الحالية مع عيد الأُم، ولكن هذا التكريم ليس هدية لها بمناسبة عيدها، فبرأيي يجب علينا تكريم الأم طوال العام وليس في هذا التاريخ فحسب”.

وأشارت توكل إلى أنها تفجأت بحجم الإقبال الكثيف للترشح للجائزة في دورتها الأولى، خصوصاً وأنّ الفكرة لا تزال جديدة على الجميع، وتقول: “إنّ تقدم 50 أماً من بين 200 أم عاملة في جمارك دبي للفوز بالجائزة يعد إنجازاً كبيراً”. وتضيف: “لقد أعجبت لجنة التحكيم كثيراً بحجم عطاء الموظفات المشاركات في المسابقة، وبقدرتهنّ على تحقيق التوازن بين الحياتين العملية والأسرية، حيث كان البحث عن أفضل أم عاملة بين طلبات المشاركة، أمراً شاقاً، لأنّ الفروقات كانت بسيطة جدّاً بينهنّ، وكان التحدي أمام اللجنة هائلاً، لأن اختيار الأُم المثالية، أمر شديد الصعوبة وسط عدد كبير من الأُمّهات اللاتي تعد كل واحدة منهنّ قدوة لأسرتها وأهلها ومجتمعها، ومن أجل ضمان حيادية ودقة النتائج التي تمّ التوصل إليها، وبسبب الصعوبة الكبيرة التي واجهتها اللجنة في الاختيار، لجأنا إلى المقابلة الشخصية التي كان لها الأثر الحاسم في اختيار الفائزات العشر وفقاً للمعايير الثلاثة التي وضعت وهي التميز الأسري والتميز الوظيفي الموازنة بين دور الأُم وتحقيق متطلبات العمل”. وفي هذا الإطار تلفت توكل إلى أنّ الذي أسهم في تشجيع المرأة على العمل والانضمام إلى الجمارك هو وجود حضانة تمكنهنّ من ترك أطفالهنّ في أمان خلال أوقات العمل”.

الکاتب : تحقيق: ديالا نحلي