المذهب الشیعي » أصول الدین » الإمامة »

الأهداف الرسالية

أن تحقيق هذا الهدف الكبير في حركة الرسالة الإسلامية ، يحتاج إلى تحقيق ثلاثة أمور :

الأمر الأول :

إبلاغ هذه الرسالة للناس لهدايتهم بصورة طبيعية ، بحيث تقام الحجة في عملية الإبلاغ على الناس ، وتتحرك عملية الإبلاغ لتصل إلى البشرية كلها ولو بصورة تدريجية ، ولعل هذا هو ما يعبر عنه الإسلام بقضية الظهور على الدين كله ( هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون ) ( 1 )

والأمر الثاني :

هو فرض القدرة والسلطة والهيمنة الإسلامية على البشرية كلها تدريجيا ، من خلال حركة القوة والقدرة لإقامة الحق والعدل التي تواكب حركة الهداية والإرشاد وإقامة الحجة على الناس ، لأن فرض القدرة بالسلطة لا بد أن يكون بعد  إقامة الحجة على الناس وإبلاغ الرسالة لهم ، وهو أمر آخر مطلوب في الحركة الرسالية ، كما حدث ذلك بالنسبة إلى الرسالة الإسلامية في زمن النبي ، حيث أن النبي صلى الله عليه وآله قام بإقامة الحجة على الناس أولا ، ثم بعد ذلك قام بالتحرك السياسي والعسكري من أجل فرض هيمنة الحكم الإسلامي وإقامة الحق والعدل بين الناس ، وعندها تحققت الهيمنة للإسلام على الجزيرة العربية بصورة عامة في زمانه ، وإن لم تكن هذه الهيمنة – أيضا كما أشرنا سابقا – هيمنة كاملة ، ولكنها كانت هيمنة عامة للإسلام على الجزيرة العربية في هذه المدة المحدودة ، ولعل هذه الهيمنة السياسية العامة هي المقصودة بقوله تعالى ويكون الدين كله لله – والله العالم – قال تعالى :

( وقتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله فإن انتهوا فإن الله بما يعملون بصير ) ( 2 ).

الأمر الثالث :

المطلوب إنجازه في الرسالة الخاتمة هو تطبيق الحق العدل على الناس تطبيقا كاملا على مستوى الفرد والجماعة معا ، حيث يمكن أن نفترض بأن الحجة تقام على الناس وتفرض الهيمنة العامة بعد ذلك للمؤسسة السياسية التي نعبر عنها بالدولة أو الحكومة على الناس ، ولكن لا يتحقق التطبيق الكامل للشريعة الإسلامية على جميع هؤلاء الناس ، كما كان ذلك الأمر في زمن رسول الله صلى الله عليه وآله في حدود الجزيرة العربية ، فإن رسول الله صلى الله عليه وآله تمكن من فرض الهيمنة الإسلامية كدولة وقوة يخضع لها الناس في حدود الجزيرة العربية ، بعد أن أقام الحجة عليهم ، ولكن الكثير من هؤلاء الناس كان يرتكب الآثام – أيضا – ويحرف قوانين الحق والعدل التي شرعها الإسلام ، كما أشار القرآن الكريم إلى ذلك عند الإشارة إلى حركة المنافقين ، وإلى مجتمع الأعراب ومخالفات بعض المسلمين من المؤلفة قلوبهم ، أو ضعفاء الإيمان ، أو ضعفاء الإرادة والالتزام ، حيث كان ترتكب مثل هذه القضايا حتى في زمن رسول الله صلى الله عليه وآله ، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وآله يعلن – أحيانا – إنكاره وبراءته مما كان يرتكب في زمانه من هذه المخالفات ، إذ لم يطبق الحق تطبيقا كاملا على جميع هؤلاء الناس حتى في حدود الجزيرة العربية .

وهذا التطبيق الكامل هو الذي نعبر عنه في ثقافتنا وثقافة المسلمين بصورة عامة بقيام دولة الحق في زمان يخرج فيه الإمام المهدي عليه السلام فيملأ الأرض قسطا وعدلا كما ملئت ظلما وجورا .

ويؤكد ذلك فكرة ( الرجعة ) التي أشرنا إليها سابقا ، حيث يفهم من بعض النصوص أنه عندما تكتمل الدورة الإنسانية لإعداد الجماعة البشرية ، ويتحقق هذا الهدف العظيم

الذي جاءت به الرسالات الإلهية ، تبدأ البشرية بدورة جديدة يتجسد فيها حضور الأنبياء والأوصياء والأولياء والأئمة كلهم ، ليمارسوا دورهم الطبيعي في الحياة الإنسانية بصورة كاملة ، وفي مجتمع إنساني متكامل ، ويشهد فيه الكافرون والمنافقون

النصر الإلهي الذي حققه الله تعالى لأنبيائه وأوليائه ، قال تعالى : ( إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد ) ( 3 ).

دراسة حركة الرسالة

الثالث : القيام بدراسة تاريخية لحركة الرسالة الإسلامية ، منذ زمن النبي صلى الله عليه وآله والخلفاء الراشدين والخلافة الأموية والعباسية وحتى نهاية هذه المدة المفترضة ( 350 – 400 ) عاما ، ومتابعة ( المؤشرات ) الإيجابية والسلبية في هذه المدة التاريخية ذات العلاقة بهذا الهدف الرباني ، وهو تطبيق الحق والعدل بصورة كاملة ، بحيث تصبح الأمة رشيدة في هذا التطبيق ومؤهلة لهذه الخلافة الإلهية ، حيث يتبين من هذه الدراسة أن هذه المدة المفترضة كانت كافية للوصول بالأمة إلى هذه الدرجة العالية من الرشد والإعداد والتهيؤ لتحمل هذه المسؤولية العظمى ، لو كانت الأمور جرت على ما أمر الله به ، من استلام الأئمة الاثني عشر للإمامة خارجيا بكل أبعادها ، ومنها الحكم الإسلامي والمرجعية الفكرية والدينية الكاملة للمسلمين ، واستثمار فرص الهداية والبلاغ الإلهي .

ونشير – هنا – إلى نماذج من هذه المؤشرات التي يمكن متابعتها في هذه الدراسة التاريخية :

موازنة حركة الهداية والسلطة

المؤشر الأول : مدة الثلاث والعشرين عاما التي قضاها رسول الله صلى الله عليه وآله في إبلاغ الرسالة الإسلامية والتي تمكن فيها من فرض الهيمنة الإسلامية على الجزيرة العربية ، ومسيرة الدعوة الإسلامية فيها والإنجازات التي حققها النبي صلى الله عليه وآله في هذه المدة الزمنية على المستويات الثلاثة ، إقامة الحجة ، وفرض السلطة ، وإقامة الحق والعدل ، مقاسة بالعالم .

ويلاحظ في هذا المؤشر بصورة دقيقة مجموعة خصوصيات :

الأولى : إن قيادة الحكم كانت قيادة معصومة بكل أبعادها ، وهي في الوقت نفسه كانت قيادة مؤسسة تحملت آلام محنة وبلاغ الرسالة في بدايتها وقدسية الرسول والرسالة عند انتصار الرسالة .

الثانية : السرعة الفائقة التي تمكن أن يحقق فيها رسول الله صلى الله عليه وآله هذه الإنجازات الفريدة على المستويات الثلاثة السابقة :

ومن هذه الإنجازات : تأسيس مشروع الأمة الواحدة المتعددة الأطراف والخصوصيات ، من جماعات متفرقة ومتناحرة ومختلفة دينيا وثقافيا ، والتي حولها إلى أمة واحدة تتمتع بمعنويات عالية ، تمكنت من إدامة الزخم الرسالي ، وتحمل الكثير من أعباء حمل الرسالة والجهاد من أجل فرض سيطرتها .

ومنها : تأسيس الدولة الإسلامية ، المشروع التطبيقي الفريد في تاريخ الرسالات الإلهية ، كما أشرنا إليه في حديث سابق ( 4 ).

ومنها : فرض الهيمنة على الجزيرة العربية كلها ، والدخول في فتح أبواب الهيمنة على المناطق المجاورة لإخضاعها .

ومنها : إقامة الحجة على الأمم المجاورة من خلال مخاطبته لها بالإسلام ، بصورة أولية من خلال الرسائل والمبعوثين .

ومنها : إبلاغ الرسالة وإكمال بيانها للناس ، من خلال تلاوة القرآن الكريم وحفظه وبيانات السنة النبوية العامة والخاصة ، وإلى غير ذلك من الإنجازات .

الثالثة : المقارنة الدقيقة في البحث والاستنتاج وموازنة تحقيق الأهداف بين حركة الهداية وإقامة الحجة على الناس ، وفرض الهيمنة السياسية على الجماعة ، حيث نلاحظ :

أولا : إن رسول الله كان يبذل في البداية كل الجهود من أجل الهداية بدون استخدام القوة ، وكان يقدم التضحيات الغالية من أجل ذلك ، ثم يبدأ بعملية استخدام القوة كعامل لإزالة الحواجز أمام حركة الهداية .

ثانيا : إن الهداية ، وإن كانت تحتاج إلى تضحيات وتواجه صعوبات وفترة زمنية كبيرة

نسبيا ، ولكنها كانت في الوقت نفسه تمثل أحد العوامل المهمة في إيجاد تسهيلات أمام حركة فرض السيطرة السياسية ، وتسليم الناس للإسلام وقبول الرسالة الإسلامية .

ولذلك كانت الفترة المكية لحركة الرسول أطول زمانا من الفترة المدنية ، والنتائج لفرض السيطرة السياسية للفترة المكية كانت محدودة جدا ، ولكنها كان لها تأثير مهم في النتائج التي حققها رسول الله بعد ذلك في الفترة المدنية ، من تسهيل فرض السيطرة فيها على الجزيرة العربية ، ومنها مكة المكرمة نفسها .

وكذلك نلاحظ – في هذا المجال – أن الجهود الكبيرة التي بذلها الرسول في معالجة قضية أهل الكتاب ، وتحمله المعاناة من أجل مخاطبتهم وإقامة الحجة عليهم ، كان لها دور كبير في تحقيق نتائج الهيمنة السياسية على مناطقهم المنيعة ( هو الذي أخرج الذين كفروا من أهل الكتب من ديرهم لأول الحشر ما ظننتم أن يخرجوا وظنوا أنهم مانعتهم حصونهم من الله فأتهم الله من حيث لم يحتسبوا وقذف في قلوبهم الرعب يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين فاعتبروا يا أولي الأبصار ) ( 5 ).

القيادة غير المعصومة

المؤشر الثاني : هو حركة الدولة الإسلامية في مدة الخلفاء الثلاثة الذين تولوا السلطة بعد الرسول والتي تم فيها إبعاد الإمام علي عليه السلام من قيادة التجربة الإسلامية بصورة عامة ، والدولة الإسلامية بصورة خاصة ، ولكنها مع كل ذلك كانت تتصف بدرجة معينة من الالتزام الديني العام والقرب الزمني من عهد رسول الله صلى الله عليه وآله ، بحيث كان يعبر عنها الإمام علي عليه السلام – أحيانا – بما روي عنه من قوله : ( ووالله لأسلمن ما سلمت أمور المسلمين ، ولم يكن فيها جور إلا علي خاصة ) ( 6 ) شك ، وكان يقدم فيها المشورة إلى الخلفاء ويشترك في إدارة بعض الأمور فيها ، وكان يشارك فيها أخيار الصحابة وصلحائهم وخاصتهم ، أمثال سلمان الفارسي – الذي يعبر عنه الرسول صلى الله عليه وآله بسلمان المحمدي – وعمار بن ياسر ، وحذيفة بن اليمان وعبد الله بن مسعود ، وغيرهم كثير . . .

حيث تمكنت هذه الدولة في فترة ربع قرن من الزمان من أن تفرض هيمنتها على جزء كبير من العالم المتحضر في ذلك العصر ( الدولة الفارسية ) بكامل أجزاءها والقسط الأعظم من ( الدولة الرومانية ) وقسم كبير من إفريقيا .

وحركة الهداية وإقامة الحجة في هذه الفترة الزمنية ، وإن لم تكن في مستواها المطلوب ، قد واكبت حركة الهيمنة والسلطة ، ولكنها كانت حركة قائمة وتحضى باهتمام مناسب من الدولة ، ولا سيما وأن النبي كان قد شرع فيها قبل وفاته .

ولكن هذه الحركة الرسالية ( حركة إقامة الحجة ) لو كانت بالمستوى المطلوب ، لأمكن أن يتحقق إنجاز أعظم على مستوى تثبيت القواعد والدعائم في هذه المنطقة ، ولأمكن فرض السيطرة الكاملة – أيضا – على جميع أجزاء الدولة الرومانية .

ولكن بسبب التلكؤ في حركة الهداية من ناحية ، وإقصاء الإمام علي عليه السلام عن قيادة الحكم من ناحية أخرى ، بقيت الجيوش الإسلامية تواجه مقاومة داخلية وخارجية ، أي في داخل الجزيرة العربية من خلال حركة الارتداد والتمرد والاختلاف في تفسير

النصوص الإسلامية ، أو من خارج الجزيرة في مناطق إيران وتركيا وإفريقيا ، وغيرها من المناطق التي وقعت تحت سيطرة الجيوش الإسلامية ، وكذلك كانت تواجه مقاومة خارجية من الدولة الرومانية في آسيا وعمقها الجغرافي في أوربا وبعض مناطق إفريقيا .

ومن ناحية ثالثة كانت الاختلافات الداخلية التي بدأت ونمت وتجذرت في زمن الخليفة عثمان بسبب الانحرافات في السلطة ، ثم تفجرت في زمن الإمام علي عليه السلام عليه

والإمام الحسن عليه السلام من بعده بسبب تمرد معاوية على السلطة الشرعية ، كل هذه العوامل كانت وراء التلكؤ في حركة الهداية .

وهذا هو ما تنبأت به الزهراء عليها السلام في خطبتها المعروفة حول الخلافة والبيعة والمطالبة بحقوقها ( 7 ) وما تنبأ به سلمان الفارسي – أيضا – في تلك المناسبة عندما كان يردد قول : ( والله لو وليتموها عليا لأكلتم من فوقكم ومن تحت أرجلكم ) .

وقد كان في النموذج الذي قدمه الإمام علي عليه السلام في السنوات الأربع من حكمه ، بالرغم من انشغاله بالحروب الداخلية ، أفضل دليل على ما كان يمكن أن يتحقق على مستوى الخط الثالث من حركة الرسالة ، وهو التطبيق الكامل للأحكام الشرعية .

مشاكل الدولة وتراجعها

المؤشر الثالث : حركة الدولة الإسلامية في عهد الأمويين والعباسيين ، فإنه بالرغم من وجود فوارق رئيسية بين العهدين لا مجال لبحثهما ( 8 ) .

فإنه بالرغم من القوة والمنعة اللتان كانتا تتمتعان بهما ، ولا سيما في العهد العباسي والتطور الكبير الذي شهده في القدرة المادية والتنظيم الإداري والمدني ، إلا إن حركة الدولة فيهما كانت تتصف – بصورة عامة – بصفتين سلبيتين رئيسيتين :

إحداهما : أن القضية الأولى والهم الأعظم للدولة في هذين العهدين كان هو فرض السلطة السياسية وبسط الهيمنة المادية والحصول على الإمكانات والثروات على الأرض ، سواء في داخل الدولة الإسلامية أو في خارجها ، وهو ما نعبر عنه نظريا بالاتجاه إلى تحويل الدولة إلى دولة كسروية وقيصرية ، وبذلك تخلت الدولة – لا الأمة – عن مشروعها الرسالي الأساس .

ثانيهما : الصراعات الداخلية وأولوية القضاء على الخصوم السياسيين الداخليين ، سواء التقليديين منهم أو الأقربين ، وممارسة عمليات القمع السياسي ، حتى لو لم يكن ذا طابع عسكري مسلح ، الأمر الذي أدى إلى إضعاف القدرة الإسلامية ، وتبديد الطاقات والإمكانات التي كانت تملكها الأمة .

ومن الظواهر والنتائج التي تؤشر على هذه الحقيقة :

1 – ظاهرة القمع الوحشي لحركة الإصلاح – الخروج على الدولة – المبررة شرعا في الواقع أو الظاهر والتي بدأت بنهضة الإمام الحسين عليه السلام واستمرت بصور متعددة ، مثل حركة المدينة المنورة ووقعة الحرة ، وحركة ابن الزبير ، وحركة التوابين والمختار الثقفي ، وحركة زيد بن علي وأولاده ، وحركة الحسين بن علي صاحب فخ ، وقبله محمد وإبراهيم ابني عبد الله بن الحسن المثنى .

2 – ظاهرة التوقف ، ثم تراجع الدولة الإسلامية في حركة الفتح الإسلامي على أبواب أوربا الغربية وأفريقيا الجنوبية وأسيا الوسطى والجنوبية .

3 – ظاهرة انتشار الهدى في بعض المناطق داخل الدولة الإسلامية أو المجاورة لها على أيدي المشردين والمطاردين السياسيين من أهل البيت وأبنائهم وشيعتهم ، كما في بعض مناطق الغرب العربي وإفريقيا السوداء وبلاد الترك والديلم ، وغيرها من البلاد .

4 – ظاهرة سيطرة القبائل والشعوب حديثة العهد على مقدرات الدولة ، لأسباب التترس بها في الصراعات الداخلية .

5 – ظاهرة الحروب والغزوات ذات الطابع العدواني والمكاسب المادية في الغنائم والإماء ، الأمر الذي أدى إلى بروز ظاهرة الدفاع عن النفس في الشعوب المجاورة ، وتنافي المشاعر القومية والطائفية .

6 – ظاهرة الانشقاقات العنيفة في داخل السلطة الواحدة والبيت الواحد ، مثل بعض الأحداث التي وقعت في زمن الأمويين والعباسيين ، ومنها اقتتال المأمون والأمين ولدي هارون الرشيد .

وإلى غير ذلك من الظواهر السيئة البعيدة عن الإسلام وأهدافه وقيمه ومثله .

وبذلك يمكن أن نفهم الكثير من المواقف والإدانات التي كانت تصدر عن أهل البيت بالنسبة إلى هذه الظواهر .

مثل رفض وإدانة التعاون مع حكام الجور .

وظاهرة رفض المشاركة في الحروب والغزوات وإدانتها ، مع التأكيد على وجوب المرابطة والدفاع .

وظاهرة الطعن بشرعية أموال الغنائم وتملك الإماء في هذه العمليات العدوانية .

وكذلك يمكن أن نفهم السبب في وقوف الجيوش الإسلامية المنظمة والقوية عاجزة أمام القبائل الأوربية الوحشية وغير المنظمة المستقرة في مجاهل أوربا والاكتفاء بالاستقرار في الأندلس وحدها ، ثم التراجع عنها .

وكذلك السبب في وقوفها عاجزة أمام قبائل المغول الوحشية وغير المنظمة في مجاهل آسيا ، ثم التراجع أمامها ، بحيث أدى إلى سقوط أكثر العالم الإسلامي بيدهم .

وكذلك السبب في تحول الدولة الإسلامية إلى يد الدولة المغولية في إيران أو العثمانية في تركيا . . . الخ .

الاستنتاج

إن دراسة هذه الأمور الثلاثة الرئيسية مع خصائصها وظواهرها ومؤشراتها ، سوف ينتهي بنا إلى هذا التصور – الذي ذكرناه – في تفسير ظاهرة الأئمة الاثني عشر ، وهو أن مدة إمامة هؤلاء الأئمة بحسب تقدير الحكمة والعدل الإلهي في هداية الناس ، تمثل دورة زمنية مناسبة لإعداد الأمة وتأهيلها للقيام بهذا الواجب الإلهي ، وهو الخلافة لله تعالى في الأرض كأمة وجماعة ، وتكون بذلك مصداقا لقوله تعالى :

( كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر . . . ) ( 9 ) ولقوله تعالى : ( الذين إن مكنهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عقبة الأمور ) ( 10 ) وبذلك يعم العدل ويقوم القسط بين الناس ويحكم الحق فيهم ويتحقق الوعد الإلهي لهم ( وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا يعبدونني لا يشركون بي شيئا . . . ) ( 11 ).

إن هذه الدراسة ، سوف توضح أن زخم الهدى والصلاح الذي تركه رسول الله في أصحابه لو استمر بالطريقة التي شرعها الله تعالى ، وبلغها رسول الله لأمته وبذل كل جهده لإقامة الحجة عليها ، بحيث تحفظ فيها موازنة حركة الهداية مع حركة السلطة ، كان كفيلا بتحقيق هذا الهدف الكبير في هذه المدة الزمنية ، هذا الزخم الذي رأينا أثره وفعله وتأثيره في العالم المحيط بالمسلمين – بالرغم من الانحراف الذي تعرضت له في المسيرة في أهم موقع لها – بحيث تداعت أركان الدولة الفارسية بأكملها ، وكادت أن تسقط به – أيضا – أركان الدولة الرومانية ، وهما الدولتان المتحضرتان القويتان في ذلك العصر ، وتفتح فيه أبواب القبائل الوثنية المشتتة في العالم ، في مدة لا تزيد على ربع قرن من الزمن ، كل ذلك لتحقق ، لو كانت القيادة لهذا الزخم الرسالي الإلهي قيادة ربانية مدعومة بمسيرة الهدى والصلاح وإقامة الحجة على الناس ، وتذليل النفوس والقلوب قبل تذليل الأجساد والقوى المادية؟!

إن تنسيق حركة الهدى مع حركة الهيمنة وتقدمها على حركة القدرة والسلطة ، قد يؤجل بسط الهيمنة المادية بعض الوقت ، ولكنه سوف يفرض تصاعدا حتميا مثمرا في الخط البياني لمسيرة الخطوط الثلاثة ، الأمر الذي يؤدي إلى تحقيق هذا الهدف الحتمي الإلهي العظيم ( ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون * إن في هذا لبلاغا لقوم عبدين * وما أرسلناك إلا رحمة للعلمين ) ( 12 ).

كما أن ( عملية ) بسط العدل والحق المطلق والهيمنة الكاملة لها وحل جميع معالم وصور الاختلاف بين الناس التي أشارت إليها آية سورة النور السابقة ، قد تحتاج إلى وقت أطول من وقت عملية إقامة الحجة وعملية بسط الهيمنة السياسية ، لأنها أكثر تعقيدا من العمليتين الأخيرتين ، ولكن هذا الوقت المفترض وهذه المدة المحدودة تكفي – بأذن الله – في تحقيق كل ذلك ، كما تشير إليه هذه الملاحظات ( 13 ) وعندما يتحقق هذا الهدف الكبير قد ينتهي بذلك بعض أدوار الإمامة المعصومة ، بعد أن تكون الأمة قد بلغت الرشد في حركة الهداية ، وأصبحت معصومة كأمة ، وتمت سيطرة الإيمان والدين سياسيا حتى لا تكون فتنة ويقوم القسط بين الناس ، ووضعت أوزار الخلافات والخصومات ، وأصبحت العبادة لله تعالى وحده دون غيره ، لا يشرك بعبادته أحد من الناس ، وتصبح الحجة لله البالغة على الناس ، ويبدأ دور جديد للإمامة المعصومة هو دور ( الرجعة ) .

ولكن شاء الله تعالى أن تجري الأمور بطريقة أخرى ، لمزيد من الامتحان والابتلاء والاختبار لهذه الأمة ، ولمزيد من التكامل الإنساني من خلاله مما جعل المدة أطول ، فكانت الغيبة الصغرى والكبرى .

( . . . إن الله بلغ أمره قد جعل الله لكل شئ قدرا ) ( 14 ).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

( 1 ) التوبة : 33 .

( 2 ) الأنفال : 39 .

( 3 ) غافر : 51 .

( 4 ) يراجع – أيضا – في ذلك بحثنا حول ( العالمية والخاتمية والخلود ) من خصائص

الرسالة الإسلامية ، وبحثنا حول الهجرة ومعطياتها .

( 5 ) الحشر : 2 .

( 6 ) نهج البلاغة : خطبة 74 .

( 7 ) ( . . . والله لو تكافوا عن زمام نبذه رسول الله صلى الله عليه وآله إليه لاعتلقه ، ولسار بهم سيرا سجحا ، لا يكلم خشاشه ، ولا يتعتع راكبه ، ولأوردهم منهلا نميرا فضفاضا تطفح ضفتاه ولأصدرهم بطانا ، قد تحير بهم الري غير متحل منه بطائل إلا بغمر الماء وردعة شررة الساغب ، ولفتحت عليهم بركات من السماء والأرض ، وسيأخذهم الله بما كانوا يكسبون .

. . . أما لعمر إلهك لقد لقحت فنظرة ريث ما تنتج ثم احتلبوا طلاع القعب دما عبيطا ، وذعافا ممقرا ، هنالك يخسر المبطلون ، ويعرف التالون ، غب ما سن الأولون ، ثم طيبوا عن أنفسكم أنفسا ، وطأمنوا للفتنة جأشا ، وأبشروا بسيف صارم ، وهرج شامل ، واستبداد من الظالمين يدع فيئكم زهيدا ، وزرعكم حصيدا فيا حسرتي لكم ، وأنى بكم ، وقد عميت ( قلوبكم ) عليكم أنلزمكموها وأنتم لها كارهون . ) ، البحار 43 : 158 – 159 ، حديث 8 .

( 8 ) تناولناها في بعض محاضراتنا حول الإمام الصادق عليه السلام ، وسوف نتحدث عنها – إن شاء الله – عند الحديث عن أدوار أئمة أهل البيت عليهم السلام ومواقفهم .

( 9 ) آل عمران : 110 .

( 10 ) الحج : 41 .

( 11 ) النور : 55 .

( 12 ) الأنبياء : 105 – 107 .

( 13 ) لقد كانت هذه النتائج هي التي أشارت إليها الزهراء عليها السلام في خطبتها المعروفة ، وسلمان الفارسي في تعليقته – كما أشرنا إلى ذلك – وبهذا الصدد تنقل طريفة تعبر عن جانب من هذه الرؤية ، وهي أن أحد المستشرقين البريطانيين الذين كانوا يصطحبون القوات البريطانية في فتحها للعراق في الحرب العالمية الأولى ، دخل إلى مسجد الكوفة بعد الفتح وشاهد بناءه المتواضع ومواضع الإمام علي عليه السلام فيه وفي الكوفة ، فعلق على ذلك بما معناه ( أن لمعاوية وابن ملجم – قاتل الإمام علي – فضل كبير على الأمة البريطانية ، إذ لولاهما لرأيت مسجد الكوفة هذا يعج بالقبعات البريطانية المؤمنين).

( 14 ) الطلاق : 3 .

المصدر: أهل البيت(عليهم السلام) في الحياة الإسلامية/ السيد محمد باقر الحكيم