الإرهاب الاستكبار

يعيش العالم – وخصوصاً العالم الإسلامي – دائماً وبالخصوص هذه الأيام، في دوّامة هاتين المقولتين، أعني؛ الإرهاب والاستكبار. وهاتان الآفتان الخطيرتان تنمّي إحداهما الأخرى وتعمّقها في الواقع، ويبقى الاستكبار هو الأساس لمعضلة الإرهاب وباقي المعضلات الاجتماعية الأخرى.

ولأجل تجلية الموقف تجاه هاتين المقولتين، والعلاقة القائمة بينهما، نعرض لهما بشيء من التفصيل نظريّا وتطبيقيّاً.

أوّلاً: الإرهاب

الإرهاب كمفهوم لغوي يقترب من التخويف، وهو لا يختزن معناً سلبيّاً قبيحاً، بل هو مفهوم محايد، يتحدّد مضمونه من حيث الحسن أو القبح في ضوء مورد استعماله ودائرة تفعيله، وبعبارة أخرى: يتحدّد حسنه أوقبحه على ضوء متعلّقه. فإذا استعمل وفعّل في دائرة الردع عن الظلم والتجاوز والاعتداء، وبعبارة أخرى: تعلّق بالظالمين والمعتدين. في محاولة لردعهم ومنعهم من التمادي في غيّهم. فمثل هذا الاستعمال ليس فقط ليس قبيحاً بل هو عمل ممدوح، ويعبّر عن أسلوب تربوي تؤمن به جميع المدارس التربويّة إلى جنب اسلوب الترغيب. وإذا استعمل في مجال التعدّي والتجاوز والظلم للآخرين، وبعبارة أخرى: تعلّق بالأبرياء والضعفاء لأجل سلب حقوقهم، أو تضليلهم. فهو عمل قبيح ومرفوض.

ثمّ إنّ الإرهاب ليس من مقولة الفعل الخارجي، بل هو من مقولة الغرض والغاية والهدف من الفعل الخارجي، فالفاعل يأتي بالفعل لغرض معيّن، ومن تلك الأغراض الترهيب. وعلى هذا الأساس نقول؛ إنّ الإستعمال المتداول هذه الأيام للإرهاب ليس دقيقاً وليس متطابقاٌ مع معناه اللغوي، فحقّ ما يطلق عليه الإرهاب هذه الأيام أن يطلق عليه الإعتداء والظلم، والإعتداء والظلم كما هو واضح مرفوض على الإطلاق، وهو الحريّ بالمواجهة والمحاربة والإجتثاث من العالم . وقد يقال: هو اصطلاح، ولا مشاحّة في الاصطلاح. ولكن الصحيح أنّه ليس اصطلاحاً عفوياً بريئاً، حتّى لا يهمّنا مناقشته. بل هو اصطلاح مدروس أريد منه التعمية على الحقيقة، وخلط الأوراق من جهة، والتشنيع على المصطلح القرآني الرفيع للإرهاب من جهة أخرى. ولذلك عدلوا عن مصطلح الإعتداء واضح المعالم والدلالات، إلى مصطلح الإرهاب غير المعرّف وغير المحدّد.

والقرآن الكريم في هداه الواضح، وبيّناته الساطعة، يضع كلاً من الإرهاب والإعتداء في إطاره المناسب. فهو يتبنّى الإرهاب الممدوح ويدعو له، حيث يقول تعالى: { وأعدّوا لهم ما استطعتم من قوّة ومن رباط الخيل ترهبون به عدوّ الله وعدوّكم .. }الأنفال/۶۰، ويرفض الإرهاب المذموم الذي يتعلّق بالأبرياء والضعفاء في محاولة لتضليلهم وسلب حريّة التفكير عندهم، قال تعالى: { .. واسترهبوهم وجاءو بسحر عظيم }الأعراف/۱۱۶٫ ويقف بقوّة وبنحوٍ مطلق أمام الإعتداء والظلم، حيث يقول سبحانه: { .. ولا تعتدوا إنّ الله لا يحبّ المعتدين }البقرة/۱۹۰٫ وقال عزّاسمه: { .. والله لا يحبّ الظالمين }آل عمران/۵۷ .

ثانياً: الاستكبار

الاستكبار مفهوم قبيح ومذموم في الدائرة الإنسانيّة، لما يتضمنّه من معاني التعالي والاستبداد والتعدّي على الآخرين. وهو أساس جميع المفاسد والمشاكل السياسيّة والاجتماعيّة في هذا العالم. وهو العمق النفسي لحالات الظلم والإعتداء والتجاوز السياسي والاجتماعي الذي يمارس في العالم. فهو إذن المنبع الذي يغذّي الإرهاب في المصطلح المتداول، والاعتداء والظلم والإجرام في المصطلح القرآني. فلابدّ إذن لاجتثاب الإرهاب من تجفيف منابعه واجتثاث أسبابه ومنها الاستكبار. لا مواجهة الإرهاب بمنطق الاستكبار ، وهل هذا إلاّ – كما يقول المثل – زيادة الطين بلّة. فلا حلّ إذن لمشكلة الإرهاب وغيرها من مشاكل العالم السياسيّة والاجتماعيّة إلاّ بحاكميّة العدالة والانصاف، ورعاية الحقوق الإنسانيّة لجميع البشر من غير تمييز، والتعاون على الخير .. .

ونظرة موضوعيّة حرّة لمجريات الأمور في الساحة العالميّة كفيلة باكتشاف مواقع الخلل في السياسة العالميّة، وأسباب التوتّر في الساحات المختلفة في العالم. ولكن المشكلة تكمن في فقدان الإرادة الصادقة، النابعة من المبادئ الواقعيّة.

والقرآن الكريم باعتباره مصدر الهداية، وميثاق العدالة، يندّد بقوّة بالاستكبار ومعطياته، قال تعالى: {.. فاستكبروا وكلنوا قوماً مجرمين }الأعراف/۱۳۳، وقال سبحانه: { .. يقول الذين استضعفوا للذين استكبروا لولا أنتم لكنّا مؤمنين… وقال الذين استضعفوا للذين استكبروا بل مكر الليل والنهار .. }سبأ/۳۱،۳۳ ، وقال عزّاسمه: { استكباراً في الأرض ومكر السيء ..}فاطر/۴۳، وقال عزّ وجل: { .. إنّه لا يحبّ المستكبرين }النحل/۲۳، إلى غيرها من الآيات الكثيرة في هذا الاتجاه. ويقرّر الحل في التزام العدالة وتجنّب البغي، قال تبارك وتعالى: { إنّ الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلّكم تذكّرون }النحل/۹۰ .

الکاتب: السيّد مجيد المشعل