المذهب الشیعي » أصول الدین » الإمامة »

الإسلام والعلاقات العشائرية

وكذلك المفاهيم الواسعة التي طرحها القرآن الكريم في تفسير المفردات الاجتماعية وطبيعة علاقاتها ، من تقسيم الإنسان إلى شعوب وقبائل قال تعالى : ( يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير ) ( 1 ) فإن الناس وإن كانوا قد خلقوا من ذكر وأنثى ، ولكنهم قد قسموا إلى شعوب وقبائل ، لتقوم علاقات التعارف والتعاون بينهم ، فهو تقسيم معترف به إسلاميا .

وهكذا عندما يتحدث القرآن الكريم عن موضوع ( الولاء ) ، حيث يشير – أيضا – إلى أن قضية الولاء في داخل العشيرة أمر طبيعي مثل ولاء الآباء والأبناء والإخوان ، فهو ولاء مقبول ، ولكنه يجب أن يكون في إطار ولاء الله تعالى ، ولا يصح أن يخرج عن حالة الولاء لله تعالى ، أو أن يكون في مقابل الولاء لله تعالى ، وأعطى القرآن الكريم عناوين عديدة لذلك في التأكيد على هذا النوع من الولاء في آيات عديدة ( . . . وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتب الله . . . ) ( 2 ) ، وكذلك التأكيد عليه في مجال الانفاق على ذوي القربى – كالتأكيد على الانفاق على المساكين والمحتاجين – كمورد من موارد الانفاق .

وفي الجملة نلاحظ في الكثير من معالم الشريعة الإسلامية وجود هذا الاتجاه في تحكيم أواصر العشيرة والأسرة والقبيلة ، لا على تفكيكها وإضعافها .

وهذا التحكيم – كما ذكرت – إنما يكون صحيحا في إطار الشئ الأعظم والاهم من العلاقة ، وهو حب الله سبحانه وتعالى ، والولاء لله تعالى والارتباط به ولا يكون خارجا على ذلك ، وفي داخل هذا الإطار العام ، كما أكد عليه قوله تعالى : ( قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزوجكم وعشيرتكم وأمول اقترفتموها وتجرة تخشون كسادها ومسكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره والله لا يهدي القوم الفاسقين ) ( 3 ) وبهذا نرى أن الإسلام عندما أراد بناء المجتمع ، وضع أحد الأسس التي تحكم هذا البناء الاجتماعي وتجعله أكثر ترابطا هو إحكام هذه العلاقات الأسرية بين هؤلاء الناس ، وحاول في الوقت نفسه أن يعالج خطر تحول العشيرة إلى صنم يعبد من دون الله بأسلوبين :

أحدهما : تأكيد أن يكون هذا الولاء ضمن إطار الولاء لله تعالى .

والآخر : هو كسر الحواجز الاجتماعية والنفسية التي قد تنمو بين الشعوب والقبائل من

خلال الحث على التعارف بينها والزواج والاتصال والمساواة في القيمة الإنسانية .

وهذا الأمر في الواقع يمكن أن يذكر كأحد العناصر المهمة في تفسير هذه الظاهرة الاجتماعية ، ولذلك نرى المجتمع ينظر إلى ابن الأسرة وإلى ابن البيت الذي يكون قريبا من صاحب البيت ينظر له ويتفاعل معه ، نظرة تختلف عن نظرته إلى الأجنبي عن ذلك البيت ، وهذه الحقيقة من الحقائق القائمة اجتماعيا .

ولذلك نحن ننظر إلى الزهراء عليها السلام في قربها لرسول الله صلى الله عليه وآله من خلال أمور كثيرة ، ولكن أحد هذه الأمور التي ننظر فيها إلى الزهراء عليها السلام هي هذا القرب من رسول الله صلى الله عليه وآله ( 4 ) إذن ، فهذا الانتماء يعطي الوصي والخليفة والإمام موقعا ( اجتماعيا ) متميزا في الحركة الاجتماعية ، ولعل ذلك أحد العوامل والأسباب في هذا الامتداد .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــ

( 1 ) الحجرات : 13 .

( 2 ) الأنفال : 75 .

( 3 ) التوبة : 24 .

( 4 ) ذكرت في محاضرة سابقة ، أن الزهراء عندما أرادت أن تستثير المسلمين تجاه

مظلوميتها ، تحدثت في البداية عن حقوقها المغتصبة ، في الخطبة المعروفة التي يتحدث عنها خطباء المنبر ، ولكن في حركة أخرى دخلت الزهراء عليها السلام إلى المسلمين من هذا المدخل ، أي مدخل أنها ابنة رسول الله ، ويجب أن تحمى باعتبار هذه القرابة وهذه الصلة برسول الله ، وعندما تحدثت مع الأنصار الذين كانوا قد دخلوا مع رسول الله صلى الله عليه وآله في ميثاق وعهد بأن يحموا رسول الله وأهله ، وقد تخلفوا عن هذه الحماية بعد وفاته ، تحدثت معهم من هذا المدخل وخاطبتهم بصورة خاصة ( أيها بني قبله ) ، وهذا المنطلق يعبر عن حقيقة كانت قائمة في الحالة الاجتماعية حينذاك .

المصدر: أهل البيت(عليهم السلام) في الحياة الإسلامية/ السيد محمد باقر الحكيم