مهدی

الإمام الحجة(ع)

بسم الله الرحمن الرحيم

ويقع الكلام ضمن نقاط وهي: ‏

النقط الأولى: الغيبة الصغرى والسفراء الأربعة

قال الإمام الصادق عليه السلام: “للقائم غيبتان يشهد في إحداهما المواسم، ‏يرى الناس ولا يرونه”(۱).‏

يقع الكلام هنا في موضوع الغيبة والتعريف فيها على الغيبة الصغرى ‏والكبرى أو ما يعبّر عنها قصيرة وغيبة طويلة، أو القصرى والطولى كما ‏عن الشيخ المفيد في الإرشاد(۲).‏

وقبل التعرف على القسمين نتعرض إلى أنّ هل غيبة الإمام هل هي غياب ‏هوية أم غياب شخصية؟ كي نتعرف على جانب مهم في هذه القضية: ربما ‏يتصور البعض أنه غياب شخصية، يعني الشخصية الطبيعة تغيبت، ولكن في ‏الواقع هي غياب هوية لا غياب شخصية، فإن شخصه عليه السلام موجود ‏ولكن الناس لا يشخصونه ولا يعرفونه بشخصه وهويته، ولهذا في الحديث: ‏‏”يشهد المواسم، يرى الناس ولا يرونه”(۳) وفي آخر: “لا يعلم بمكانه إلاّ ‏خاصة مواليه في دينه”(۴).‏

فالشخص موجود ويلتقي به بعض الخواص الأفذاذ ممن يليق أن يفوز بلقاء ‏الإمام صلوات الله عليه، ولقد أفرد العلماء كتباً في هذا الخصوص، مثل ‏الميرزا النوري، والسيد البحراني في تبصرة الولي فيمن رأى القائم المهدي، ‏وهناك ملحق في بحار الأنوار للعلامة المجلسي عليه الرحمة فيمن التقى ‏بالإمام (سلام الله عليه) في عهد الغيبة الكبرى.‏

وبهذا ندخل في البحث عن الغيبة الصغرى، والكلام يقع أولاً في تحديد مبدأ ‏الغيبة الصغرى، وهناك نظريات ثلاث:‏

النظرية الأُولى: هي أنّ غيبته من حين الولادة إلى آخر نائب من النواب ‏الأربعة وهو أبو الحسن علي بن محمّد السمري رحمه الله، ولكن يناقش في ‏ذلك بأنّ الإمام لم يكن غائباً بالمعنى المتعارف منذ ولادته، نعم كان محفوظاً ‏إلاّ عن الخاصة، وكان هناك تكتم على اللقاء به.‏

النظرية الثانية: الغيبة من حين الشهادة أي شهادة الإمام العسكري عليه ‏السلام، وبالضبط بعد صلاته ـ عجّل الله فرجه الشريف ـ على جنازة ‏الإمام العسكري في القضية التي رواها أبو الأديان البصري وما كان بين ‏الإمام وعمّه جعفر في الصلاة، وسحبه من ثيابه وقوله: “يا عم أنا أولى منك ‏بالصلاة”(۵).‏

وهذه النظرية يمكن الأخذ بها لولا النظرية الثالثة التي تقول ـ كما في كتاب ‏الغيبة للشيخ الطوسي ـ : إنّ غيبته بعد مولده بفترة، بدأت الغيبة وأعلن عن ‏غيبته نفس والده الإمام العسكري، وهذا ما فعله الإمام عليه السلام حينما ‏حضر عنده شعيته، قال عليه السلام: “ألا وإنّكم لا ترونه من بعد يومكم هذا ‏حتى يتم له عمر…”(۶). إلى آخر الرواية.‏

وبهذا نقول: إنّ الإمام عليه السلام بدأ بمراسم الإمامة بعد وفاة الإمام ‏العسكري، وبها تبدأ مسألة النواب الأربعة للإمام عليه السلام.‏

ولقد كان الإمام وثيق الصلة بقواعده الشعبية لكن بطريقة تتناسب مع الغيبة، ‏وهذه الطريقة هي عبارة عن السفراء. وربما قبل ذكر السفراء لابد من ‏ملاحظة شيء وهو كيف يمكن الوثوق بهؤلاء السفراء وإنّنا نعلم أنّ هناك من ‏ادعى السفارة كذباً وزوراً، ومن الذين ادعوا السفارة كذبا وزوراً.‏

‏۱ ـ الهلالي أحمد بن هلال العبرتائي (بغداد والكوت).‏

‏۲ ـ البلالي محمّد بن علي بن بلال.‏

‏۳ ـ محمّد بن نصير النميري.‏

‏۴ ـ الحسين بن منصور الحلاج الصوفي.‏

‏۵ ـ أبو محمّد الحسن السريعي أو الشريعي.‏

‏۶ ـ محمّد بن علي بن أبي العزاقر الشلمغاني الذي كان عالماً، والذي خرج ‏التوقيع من الناحية المقدسة بتحريم قراءة كتبه وأنّها كتب ضلال.‏

والآن نأتي إلى ثبوت السفراء الأربعة والذين هم:‏

‏۱ ـ عثمان بن سعيد العمري:‏

‏۲ ـ محمّد بن عثمان بن سعيد العمري.‏

‏۳ ـ الحسين بن روح النوبختي.‏

‏۴ ـ علي بن محمّد السمري.‏

الطريق الأوّل: كان ثبوت نيابتهم بشهادة الثقاة، وهم بالمئات في مجاميع ‏كثيرة، فلقد دلت شهادة الإمام العسكري على وثاقة عثمان بن سعيد العمري، ‏وإنّ الإمام المهدي (سلام الله عليه) أقره في منصبه في زمن الغيبة، وكان ‏يقول “اسمعوا له وأطيعوا”‏

ومحمد بن عثمان نص عليه المهدي والعسكري أيضاً بالوثاقة، وهو أطول ‏نواب الإمام فترة فكانت نيابته قرابة أربعين سنة، يعني من سنة مائتين وأربع ‏وستين إلى سنة ثلاثمائة وأربعة.‏

ومن بعده تولى النيابة الحسين بن روح النوبختي أبو القاسم رحمه الله، وقد ‏نص عليه السلام عليه ونص عليه أبو جعفر محمد بن عثمان النائب الثاني، ‏والحسين بن روح نص على أبي الحسن علي بن محمّد السمري.‏

فالطريق الأول لإثبات نيابتهم اتفاق ثقاة الرواة والعلماء على نص الإمام ‏المعصوم.‏

الطريق الثاني: نقلهم لخط الإمام المهدي المعروف، وهذا ما أشار إليه الشيخ ‏الصدوق والطوسي حيث قالا: ممّا كان يعرف به الناس أنّ هذا السفير صادق ‏أنّه هو الذي يتصدى لنقل خط الإمام وتوقيعاته المقدسة، وخطه معروف لأنّها ‏متصلة بزمن الحضور، ولقد اطلع الإمام العسكري عليه السلام شيعته على ‏ولده الإمام المهدي وعلى خطه فكان مألوفاً للناس.‏

الطريق الثالث: قضية الكرامات الكثيرة التي كانت تجري على أيديهم لإثبات ‏سفارتهم، فلقد روى الشيخ الصدوق في إكمال الدين: جاءت امرأة تسأل عن ‏نائب الإمام في الغيبة الصغرى وكانت أيام نيابة الحسين بن روح، فقال لها ‏رجل من قم: النائب هو الحسين بن روح، فدخلت على أبي القاسم فكانت ‏معها محفظة فيها بعض المجوهرات، فدخلت عليه وسألته ـ أرادت أن ترى ‏منه كرامة حتى تعرف أنّه هو النائب ـ فقالت: أخبرني بما تحت عباءتي؟ ‏فقال لها: (ألقيه في دجلة ثم أقبلي إلينا لوجهك) ـ يقول أبو علي البغدادي ‏والله إنّي أُشاهد هذه القضية ومازدت حرفاً ـ ففعلت ثم رجعت إلى الحسين ‏بن روح، وإذا بها تجد محفظتها بين يدي الحسين بن روح وهي لا تزال ‏مقفلة كما كانت.‏

قال: أو أُخبرك بما فيها؟ قالت: وما؟ قال: فيها كذا من مجوهرات، كذا من ‏الذهب، كذا سوار، وكذا خصوصيات… إلى آخره. يقول: فو الله لقد دهشت ‏أنا والمرأة وعجبنا وسألناه: ممّ علمت ذلك؟ فقال: دلني على ذلك سيدي ‏صاحب الأمر صلوات الله عليه(۷).‏

وبهذا اتضح لنا وجود الإمام في الغيبة الصغرى بأمرين:‏

الأمر الأوّل: السفراء الأربعة، والأمر الثاني: خط الإمام عليه السلام الذي ‏كان يعرفه الخاصة من شيعة الإمام العسكري كما ذكرنا.‏

والطريق الثالث على وجوده: إقامة المعجز والكرامة، حيث كان الإمام (سلام ‏الله عليه) تجري المعاجز والكرامات على يده أحياناً من قبيل ما نقل عن ‏محمّد بن شاذان بن نعيم رضوان الله عليه،يقول: اجتمع عندي من الحقوق ‏الشرعية خمسمائة درهم إلاّ عشرين درهماً، فاستحيت أن أبعث بها للإمام ‏عليه السلام دون أن أتممها، فأتممتها بخمسمائة وأوصلتها إلى الإمام عليه ‏السلام، فجاء الجواب لمّا وصلت له: “وصلت خمسمائة درهم لك منها ‏عشرون درهماً”(۸).‏

وغيرها من المعاجز، فراجع كمال الدين والغيبة للطوسي.‏

وبهذا تمت الغيبة الصغرى بوفاة آخر سفير وبها تم المطلوب على وجود ‏الإمام عليه السلام في الغيبة الصغرى.‏

وعليك ملاحظة الظروف والتفكر بها قبل الدخول في الأدلّة تلاحظ كيف كان ‏الإمام عليه السلام في تلك الظروف التي حاول فيها الحفاظ على الإمام الحجة ‏عجّل الله فرجه يحيل على أم الإمام الحجة، ولعلّه يذكرنا بسيد الشهداء الإمام ‏الحسين كيف كان يحيل على زينب سلام الله عليها من باب الحفاظ على ‏الإمام زين العابدين، فكانت زينب هي المسؤولة وكان ما يخرج هو من ‏الإمام زين العابدين بعد وفاة الإمام الحسين عليه السلام.‏

النقطة الثانية: طول عمر الإمام عليه السلام:‏

قال الإمام الصادق عليه السلام “للقائم غيبتان يشهد في إحداهما المواسم، ‏يرى الناس ولا يرونه”(۹).‏

قال صلى الله عليه وآله وسلّم: “لا تقوم الساعة حتى تمتلئ الأرض ظلماً ‏وعدواناً، ثم يخرج رجل من عترتي، أو من أهل بيتي ـ الترديد من الراوي ‏ـ يملؤها قسطاً كما ملئت ظلماً عدواناً”(۱۰).‏

تقدم الكلام في الأمر الأول وهو الغيبة الصغرى، وبقى الكلام في الغيبة ‏الكبرى، والكلام يدور هنا حول محورين:‏

المحور الأول: طول عمر الإمام عليه السلام.‏

والمحور الثاني: ما الفائدة والعلة من غيبة الإمام وما هي الظروف التي ‏جعلته يغيب؟

الكلام الآن في طول عمر الإمام عليه السلام ولعل بسبب هذا الأمر ـ وهو ‏طول العمر ـ كان الاستبعاد دائماً في وجود الإمام، ولكن إذا حصل ما يرفع ‏الاستبعاد فلا يبقى إلا الاعتراف به صلوات الله عليه أو الهزل والسخرية كما ‏يفعل البعض.‏

فنقول لمن يدّعي عدم إمكان وجوده: ما هو المقصود من كلمة الإمكان هنا؟

‏۱ ـ الإمكان العملي.‏

‏۲ ـ الإمكان العلمي.‏

‏۳ ـ الإمكان المنطقي أو الفلسفي.‏

والمقصود من الإمكان العملي أن يكون الشيء ممكناً على نحو يتاح لي ولك ‏أن نحققه وهذا يمكن تحققه في الإمام المهدي عجّل الله فرجه، وهناك من ‏المعمرين جماعة كان لهم العمر الطويل في هذه الدنيا ويعتبرون من ‏المعتقدات ولم يخضعوا إلى قانون الشيخوخة، فنقول: إنّ إطاعة عمر الإنسان ‏كنوح قروناً متعددة هي على خلاف القوانين، وعيسى عليه السلام حتى ‏الدجال الذي هو مثبت عندكم، ولكن العجب أيكون قانون الشيخوخة والهرم ‏أشد صرامة من قانون انتقال الحرارة في الجسم الأكثر حرارة إلى الجسم ‏الأقل حرارة حتى يتساويان؟ وهذا ما حصل وعطل القانون لحماية إبراهيم ‏عليه السلام للحفاظ عليه “قُلْنَا‎ ‎يَا‎ ‎نَارُ‎ ‎كُونِي‎ ‎بَرْدًا‎ ‎وَسَلامًا‎ ‎عَلَى‎ ‎إِبْرَاهِيمَ”(۱۱).‏

هذا هو الإمكان العملي

أمّا الإمكان العلمي فلا يوجد عالم ما يبرر رفض ذلك من الناحية النظرية، ‏وهذا بحث يتصل في الحقيقة بنوعية الإنسان بلحاظ الشيخوخة والهرم لدى ‏الإنسان؛ لأنّه إذا طال عمر الإنسان يحصل تناقض في كفاءة الأنسجة ‏والخلايا الجسمية للقيام بأدوارها نتيجة الصراع مع عوامل خارجية بسبب ‏التسمم أو الميكروبات التي بسببها يتسرب إلى الجسم.‏

فنقول إذا عزلت هذه الأنسجة والخلايا الموجودة في جسم الإنسان عن العامل ‏الخارجي، وقد استطاع عملياً حجز الكائن الحي عن العالم الخارجي والعوامل ‏التي تؤدي تلف الخلايا وتسبب نقص كفاءة الأنسجة بظروف معينة، فأطالوا ‏عمر بعض الحيوانات مئات المرات بالنسبة على أعمارها الطبيعية بسبب ‏ظروف تؤجل فاعلية الشيخوخة، وقد ثبت ذلك عملياً، ولكن بلحاظ الإنسان ‏الكائن المعقد لم تجر عليه هذه التجربة بسبب الصعوبة والتعقيد في داخل هذا ‏الإنسان. فالإمكان العلمي حاصل وبه يتم المطلوب من هذه الجهة.‏

أما الإمكان المنطقي أو الفلسفي فالمقصود به عدم مانع عند العقل من إمكان ‏وجوده في عالم الخارج بسبب التجربة، ولا شك في أنّ امتداد الإنسان آلاف ‏السنين ممكن منطقي لأنّ ذلك ليس مستحيلاً.‏

ومع كل هذا نقول: الذي أمكن في النار أن تكون برداً وسلاماً على إبراهيم ‏فهذا ممكن، إذن لا مانع من وجوده، وهو موجود فعلاً.‏

ويمكن إثباته بطرق أُخرى وهي على نحوين: الوجود الحسي، والتباني ‏الموجود عند الشيعة.‏

وقد أثبت الوجود الحسي وجود الإمام بالوجدان كما شهد الكثير برؤية الإمام ‏عليه السلام وإذا أثبت الوجدان لنا ذلك فأي مانع للتصدي به وهو عن طريق ‏رؤية بعض الشيعة للإمام المهدي عجّل الله فرجه الشريف.‏

والأمر الثاني: التباني الموجود عند الشيعة واتفاقهم على رؤية الإمام عجل ‏الله فرجه، وهذا في الواقع ما هو إلاّ نتيجة رفع الموانع التي تقول بعدم إمكان ‏حدوث هذا العمر الطويل، فلقد نقل لنا الثقاة حدوث هذا الأمر برؤية الإمام ‏عجّل الله فرجه، ونؤكد هنا أيضاً أنّ الإمام الحجة غائب الهوية لا الشخصية، ‏لأنّه “يشهد في أحداهما المواسم، يرى الناس ولا يرونه” وقوله: ‏‏”المواسم” دلالة وقرينة؛ إذ المواسم تطلق على الكثرة. وقرينة على الغيبة ‏الكبرى من قوله: “يرى الناس ولا يرونه” ففي الغيبة الصغرى كان يرى ‏الخواص والسفراء فقط.‏

النقطة الثالثة: الغاية من غيبة الإمام المهدي عليه السلام:‏

قال تعالى: “أَحَسِبَ‎ ‎النَّاسُ‎ ‎أَن‎ ‎يُتْرَكُوا‎ ‎أَن‎ ‎يَقُولُوا‎ ‎آمَنَّا‎ ‎وَهُمْ‎ ‎لا يُفْتَنُونَ”(۱۲).‏

قبل التحدث عن الغاية وما هي الفوائد من غيبة الإمام صاحب العصر ‏والزمان ـ عجل الله فرجه ـ لابد أولاً من التحدث عن الخوف على الإمام ‏من قبل السلطات،و الذي أكدت عليه أحاديث أهل البيت أنّه من عوامل ‏الغيبة، منها: ما روى عن أبي عبد الله عليه السلام قال: “لابد للغلام من ‏غيبة. فقيل له: ولِمَ؟ قال: يخاف القتل”(۱۳).‏

وربما كان هذا العامل غير مختص بالغيبة الصغرى، بل يشمل الغيبة بشكل ‏عام. ‏

وجاء عن زرارة كذلك قال: سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول: “إنّ للغلام ‏غيبة قبل ظهوره” قلت: ولم؟ قال “يخاف” وأومأ بيده إلى بطنه، قال ‏زرارة: يعني القتل(۱۴).‏

وهذا قد حصل في زمان بني العباس، أي في زمان الإمام العسكري، فلقد ‏كانت تقطع الرؤوس من لعلويين وتأخذ إلى الخلفاء زمن المعتز والمهتدي ‏والمعتمد، ومنهم من يقتل في السجن، وذلك بسبب الصراع والخوف على ‏العرش والكرسي من بني العباس. فراجع مقاتل الطالبيين.‏

بل الملاحظ في تسمية بعض خلفاء بني العباس أنّه كان بسبب العداء لأهل ‏البيت، يقول المسعودي: (إنّ السر في تسمية نفسه بالمنصور لأنّه انتصر ‏على العلويين) كما في كتاب التنبيه والاشراف. وهذا خلاف ما يدعيه بعضهم ‏من العلاقة الطبيعية بين بني العباس وبني علي، حيث أصبح الظلم أُنشودة ‏الشعراء، فيقول الشاعر:‏

تالله ما فعلت أمية فيهم معشار ما فعلت بنو العباس

وقال أبو عطاء أفلح بن يسار السندي:‏

يا ليت جور بني مروان دام لنا وليت عدل بني العباس في النار

ويكفينا ما فعلوه عند ولادته عليه السلام بجواري الإمام العسكري عليه السلام ‏وزوجاته، وهذه لعلها تكون حكمة لغيبة الإمام لفترة وإن كان بعضهم قال: ‏إنّها لم تكن فقط خوفاً على الإمام، بل خوف على الأُمة من باب أنّه حماية ‏لأهل الأرض فبموت الإمام ينتقي الأمان لأهل الأرض، وهذا ما يذكر من أنّ ‏الإمام أمان لأهل زمانه كما أخرجته جملة من الأحاديث: “النجوم أمان أهل ‏السماء وأهل بيتي أمان أهل الأرض، فإذا هلك أهلي بيتي جاء أهل الأرض ‏من الآيات ما كانوا يدعون”(۱۵).‏

وهم كسفينة نوح في النجاة كما قال (صلى الله عليه وآله): “مثل أهل بيتي ‏مثل سفينة نوح، من ركب فيها نجا، ومن تخلف عنها غرق”.‏

إذن هو الأمان والنجاة لنا وهو القائد لنا، فغيبة الإمام من الغايات لها حفظ ‏الأُمة، وهذا ما يستفاد من الأحاديث الدالة على عدم خلو الأرض من حجة ‏كما قال الرسول (صلى الله عليه وآله): “لا تخلو الأرض من حجة”(۱۶).‏

الحكمة الثانية: الابتلاء والاختبار.‏

والابتلاء والامتحان هو من السنن الإلهية التي درجت عليها السماء “أَحَسِبَ‎ ‎النَّاسُ‎ ‎أَن‎ ‎يُتْرَكُوا‎ ‎أَن‎ ‎يَقُولُوا‎ ‎آمَنَّا‎ ‎وَهُمْ‎ ‎لا يُفْتَنُونَ”.‏

فالاختبار هو الذي يميز الرديء من الجيد، وهو الذي يخرج الذهب من باقي ‏المعادن، ولذلك ورد عن الصادق عليه السلام: “إنّ لصاحب هذا الأمر غيبة ‏لابد منها، يرتاب فيها كل مبطل”. فهي غيبة كاشفة للمحق والمبطل.‏

وهذا أيضاً ورد عن الرضا عليه السلام: “كأنّي بالشيعة عند فقدانهم الثالث ‏من ولدي كالنعم يطلبون المرعى فلا يجدونه. قلت له: ولم ذلك يا بن رسول ‏الله؟ فقال: “لأنّ إمامهم يغيب عنهم “(۱۷).‏

وطلب المرعى هو طلب الملجأ والأمان، أي أنّهم في بحث عن الحقيقة ‏والتمييز، وهذا دلّت عليه التواريخ الكثيرة التي بيّنت لنا ما حصل من فتن ‏عند البعض في قضية الإمام الحجة صلوات الله عليه.‏

الحكمة الثالثة: أن لا تكون في عنقه بيعة لظالم، كما عن أبي عبد الله عليه ‏السلام قال: “صاحب هذا الأمر تعمى ولادته على هذا الخلق لئلاّ يكون في ‏عنقه لأحد بيعة”(۱۸).‏

وقال الصادق عليه السلام: “يبعث القائم وليس في عنقه لأحد بيعة”(۱۹).‏

وأيضاً ما ورد في التوقيع المقدس: “إنّه لم يكن لأحد من آبائي إلاّ وقعت في ‏عنقه بيعة لطاغية زمانه، وإنّي أخرج حين أخرج لا بيعة لأحد من الطواغيت ‏في عنقي”(۲۰).‏

الحكمة الأخيرة وهي أنّ هذه البيعة سر من أسرار الله. إنّ هذه الغيبة لابد ‏منها لأنّه مهدي هذه الأُمة، ولأنّ الله وعد رسول الله (صلى الله عليه وآله) ‏أن يظهر هذا الدين وتدين جميع الخلق به، وهذا الوعد جاء ضمن آيات ‏ثلاث، إحداها: “هُوَ‎ ‎الَّذِي‎ ‎أَرْسَلَ‎ ‎رَسُولَهُ‎ ‎بِالْهُدَى‎ ‎وَدِينِ‎ ‎الْحَقِّ‎ ‎لِيُظْهِرَهُ عَلَى‎ ‎الدِّينِ‎ ‎كُلِّهِ‎ ‎وَلَوْ‎ ‎كَرِهَ‎ ‎الْمُشْرِكُونَ”(۲۱) وهذا بقوله: “هُوَ‎ ‎الَّذِي” تأكيد أن هذا الدين جاء ‏لتلبية حاجة الإنسانية في أكمل صورها.‏

ولقد وعد الله هذه الاُمة بالخير وأنّه لن يخلف وعده، ولن يتحقق هذا الأمر ‏إلاّ على يد آخر حجج الله؛ لأنّه آخر الحجج، وطبعاً لن يرسل الله رسولاً لأنّ ‏محمّداً خاتم النبيين، ولن يأتي بإمام يعيش عيشته الأولى في هذه الأرض. ‏وهذا الذي لم يحصل أنّ الناس قد اهتدوا بهدي النبي، والوجدان مثبت لذلك ‏فمتى الوعد؟ ومتى الصدق؟ لا يكون إلاّ بالمهدي. وهذه حكمة وسرّ ربما ‏أظهره للمؤمنين.‏

ولكن هناك حكمة أنّه لا ينكشف إلاّ بعد ظهوره، كما لم ينكشف وجه الحكمة ‏لموسى لمّا أتاه الخضر إلاّ وقت افتراقهما، وهذا ما ورد عن الصادق لأبي ‏الفضل عبد الله بن الفضل الهاشمي عندما سأله عن وجه الحكمة في ‏غيبته(۲۲).‏

ومن الروايات ما ورد عن الرسول العظيم (صلى الله عليه وآله): “إنّما مثل ‏قائمنا أهل البيت كمثل الساعة لا يجلّيها لوقتها إلا هو، ثقلت في السماوات، ‏لا يأتيكم إلاّ بغتة”.‏

وبهذا أيضاً نهى الإمام الحجة ـ عجل الله فرجه ـ بقوله: “أغلقوا السؤال ‏عمّا لا يعنيكم ولا تتكلفوا ما قد كفيتم وأكثروا من الدعاء بتعجيل الفرج فإن ‏في ذلك فرجكم”(۲۳)‏

فهو سرّ في غيبته وفي وجوده وفي نموه، فهو سرّ من أسرار السماء. لاحظ ‏وتفكر في نمو الإمام في الرواية التي تقول: عندما دخل عليه شيعة فقالوا في ‏وصفه: وإذا غلام كأنه قطعة قمر، أشبه الناس بأبي محمد الحسن ‏العسكري(۲۴).‏

والغلام تطلق على الصبي المميز، بينما الإمام كان عمره قرابة خمس سنوات ‏بل أقل من ذلك، ولكن في ذلك رواية في قضية نموه ـ صلوات الله عليه ـ ‏‏: “ينمو في الشهر ما ينموه في السنة في دور صباه”.‏

يعني النمو غير طبيعي في دور الصبا، كما ورد في الزهراء عليها السلام ‏ولا سيما للإمام والزهراء التي أعدتها عناية الله سبحانه وتعالى، أمّا للإمام ‏الحجة فهو اليوم الموعود، وأمّا الزهراء فمن أجل الأئمة الأطهار، فسلام الله ‏عليه وعجّل الله فرجه الشريف.

____________

(۱) الكافي: ۱، ص ۱۲ ح ۳۳۹٫‏

‏(۲) الإرشاد: ج ۲، ص ۳۴۰٫ ‏

‏(۳) الغيبة للنعماني: ص ۱۷۵ ح ۱۵٫‏

‏(۴) الغيبة للنعماني : ص ۱۷۰ ح ۱ و۲٫‏

‏(۵) أنظر بحار الأنوار: ح ۵۰، ص ۳۳۲٫‏

‏(۶) الغيبة: ح ۳۵۷، ص۳۱۹٫‏

‏(۷) كمال الدين وتمام النعمة: ص ۵۱۹، ح ۴۷٫‏

‏(۸) كمال الدين وتمام النعمة: ص ۵۰۹، ح ۳۸، الغيبة: ص ۴۱۶، ح ۳۹۴٫‏

‏(۹) الكافي: ج۱، ۳۳۹، ح ۱۲٫‏

‏(۱۰) كتر العمال: ح ۱۴، ص ۲۷۱، ح ۳۸۶۹۱٫‏

‏(۱۱) الأنبياء: ۶۹٫‏

‏(۱۲) العنكبوت: ۲٫‏

‏(۱۳) الكافي: ج۱، ص ۳۴۲، ح ۲۹٫‏

‏(۱۴) كمال الدين وتمام النعمة: ص ۴۸۱، ح۹٫‏

‏(۱۵) انظر بحار الأنوار: ج ۲۷، ص ۳۰۹٫‏

‏(۱۶) بحار الأنوار: ج ۲۳، ص ۱۱۹٫‏

‏(۱۷) كمال الدين وتمام النعمة: ص۴۸۰، ح ۴٫‏

‏(۱۸) كمال الدين وتمام النعمة: ص ۴۷۹، ح۱٫‏

‏(۱۹) كمال الدين وتمام النعمة: ص۴۸۰، ح۲٫‏

‏(۲۰) الاحتجاج: ج ۲، ص ۵۴۴، ح۳۴۴٫‏

‏(۲۱) التوبة: ۳۲٫‏

‏(۲۲) كمال الدين وتمام النعمة: ص ۴۸۲، ح۱۱٫‏

‏(۲۳) كمال الدين وتمام النعمة: ص ۴۸۵، ح ۴٫‏

‏(۲۴) بحار الأنوار: ج ۵۱، ص ۳۴۶٫‏

الكاتب: الشيخ عبد الجليل المكراني