النبي وأهل بيته » السیرة والتاریخ » الإمام الحسن المجتبى »

الإمام الحسن(ع) ورعاية مصلحة الإسلام العليا في عهد خلافة أبيه أمير المؤمنين/ 1

وفي هذا العهد كان الإمام الحسن السبط ( عليه السلام ) ظلاًّ لأبيه في كل ما تتطلبه مسألة الولاء لإمامه خليفة رسول الله ( صلى الله عليه وآله )، وجندياً واعياً مطيعاً لكل أوامره.

وقد تجلّى دوره هذا على طول الأيام الحاسمة، والصراع المرير الذي عاشه والده أمير المؤمنين (عليه السلام).

ومن مهماته المشهودة في تلك الفترة:

أ – دوره في حرب الناكثين المعروفة بحرب الجمل: وهي الحرب التي استعرت في إثر تمرّد طلحة والزبير في البصرة، ورفعهما السلاح بوجه أمير المؤمنين علي ( عليه السلام ) بقيادة عائشة.

وقد تمثل دور الإمام الحسن ( عليه السلام ) فيها بأمرين أساسيين:

أولاً:

لما توجّه أمير المؤمنين ( عليه السلام ) إلى ذي قار ونزلها، أرسل الإمام الحسن المجتبى ( عليه السلام ) إلى الكوفة مع عمار بن ياسر وزيد بن صوحان وقيس بن سعد، ليستنفروا أهلها لمساعدته على طلحة والزبير، وكان قد أرسل قبلهم وفداً فعارضهم أبو موسى ولم يستجب لطلب أمير المؤمنين ( عليه السلام )، ومضى الحسن بمن معه باتّجاه الكوفة، ولمّا دخلوها استقبلهم أهلها فقرأ عليهم كتاب أبيه ( عليه السلام )، ووقف أبو موسى نفس الموقف الذي وقفه مع الوفد الأول، وافتعل حديثاً عن النبي ليثّبط الناس عن مساعدة أمير المؤمنين، وادّعى أنه سمعه يقول: ستكون بعدي فتنة القاعد فيها خير من القائم، والنائم خير من القاعد.

فردّ عليه عمار بن ياسر وقال: إذا صح أنك سمعت رسول الله يقول ذلك فقد عناك وحدك، فالزم بيتك.

أمّا فأُشهد الله أن رسول الله قد أمر عليّاً بقتال الناكثين وسمّى لي منهم جماعة، وأمره بقتال القاسطين، وإن شئت لأقيمنّ لك شهوداً أن رسول الله قد نهاك وحدك وحذّرك من الدخول في الفتنة.

ووقف الحسن ( عليه السلام ) يستنفر الناس فحمد الله وصلّى على رسوله ثم قال: “أيها الناس، إنّا جئنا ندعوكم إلى الله وكتابه وسنّة رسوله، وإلى أفقه من تفقّه من المسلمين وأعدل من تعدلون وأفضل من تفضلون وأوفى من تبايعون، من لم يعبه القرآن ولم تجهله السنّة ولم تقعد به السابقة. ندعوكم إلى من قرّبه الله ورسوله قرابتين; قرابة الدين وقرابة الرحم، إلى من سبق الناس إلى كل مأثرة، إلى من كفى الله به رسوله والناس متخاذلون، فقرب منه وهم متباعدون، وصلّى معه وهم مشركون، وقاتل معه وهم منهزمون، وبارز معه وهم محجمون، وصدّقه وهم يكذبون، وهو سائلكم النصر ويدعوكم إلى الحق ويأمركم بالمسير إليه لتۆازروه وتنصروه على قوم نكثوا ببيعة، وقتلوا أهل الصلاح من أصحابه، ومثّلوا بعمّاله، ونهبوا بيت ماله. فأشخصوا إليه رحمكم الله”.

وفي رواية ثانية عن جابر بن يزيد أنه قال: حدثني تميم بن جذيم التاجي أن الحسن بن علي ( عليه السلام ) وعمار بن ياسر قدما الكوفة يستنفران الناس إلى علي ( عليه السلام ) ومعهما كتابه، فلما فرغا من قراءته قام الحسن فرماه الناس بأبصارهم وهم يقولون: اللّهم سدّد منطق ابن بنت نبيّك، فوضع يده على عمود يتساند إليه، وكان عليلاً من شكوى به، فقال: “الحمد لله العزيز الجبار الواحد الأحد القهار الكبير المتعال، سواء منكم من أسرّ القول ومن جهر به ومن هو مستخف بالليل وساربٌ بالنهار، أحمده على حسن البلاء وتظاهر النعماء، وعلى ما أحببنا وكرهنا من شدة ورخاء، وأشهد أن لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له، وأنّ محمداً عبده ورسوله، امتنّ بنبوته واختصه برسالته وأنزل عليه وحيه واصطفاه على جميع خلقه، وأرسله إلى الإنس والجنّ حين عُبدت الأوثان وأُطيع الشيطان وجُحد الرحمن، فصلّى الله عليه وعلى آله وجزاه أفضل الجزاء، أما بعد فإني لا أقول لكم إلاّ ما تعرفون; إن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب أرشد الله أمره وأعزّ نصره بعثني إليكم يدعوكم إلى الصواب والعمل بالكتاب والجهاد في سبيل الله، وإن كان في عاجل ذلك ما تكرهون، فإن في آجله ما تحبّون إن شاء الله، ولقد علمتم بأنّ عليّاً صلّى مع رسول الله وحده، وأنه يوم صدّق به لفي عاشرة من عمره، ثم شهد مع رسول الله جميع مشاهده، وكان من اجتهاده في مرضاة الله وطاعة رسول وآثاره الحسنة في الإسلام ما قد بلغكم، ولم يزل رسول الله راضياً عنه حتى غمّضه بيده وغسّله وحده والملائكة أعوانه، والفضل ابن عمّه ينقل إليه الماء، ثم أدخله حفرته، وأوصاه بقضاء دينه وعداته وغير ذلك من أموره، كل ذلك من منّ الله عليه، ثم – والله – ما دعا إلى نفسه، ولقد تداكّ الناس عليه تداكّ الإبل الهيم عند وردها فبايعوه طائعين، ثم نكث منهم ناكثون بلا حدث أحدثه ولا خلاف أتاه حسداً له وبغياً عليه، فعليكم عباد الله بتقوى الله وطاعته والجدّ والصبر والاستعانة بالله، والإسراع إلى ما دعاكم إليه، عصمنا الله وإيّاكم بما عصم به أولياءه وأهل طاعته، وألهمنا وإيّاكم تقواه وأعاننا وإيّاكم على جهاد اعدائه. واستغفر الله لي ولكم”.

وبعد جدال طويل وحوار بين عمّار بن ياسر والحسن بن علي ( عليه السلام ) من جهة، وبين أبي موسى الأشعري التفت الحسن ( عليه السلام ) إلى أبي موسى وقال له: “اعتزل عملنا لا أمّ لك وتنحَّ عن منبرنا”.

وظلّ أبو موسى على موقفه المتصلّب يخذّل الناس ويوحي إليهم بأن رسول الله قد أمرهم باعتزال هذه الفتنة، حتى جاءمالك الأشتر ودخل القصر وأخرج منه الحرس، هذا وأبو موسى في جدال مع الحسن ( عليه السلام ) وعمّار، فجاءه الغلمان والحرس يشتدون إليه وأخبروه بما صنع الأشتر، فخرج من المسجد مذموماً مدحوراً، واستجاب الناس لنداء الحسن ( عليه السلام )، وخرج معه إلى البصرة اثنا عشر ألفاً، وكان أمير المؤمنين قد أخبر بعددهم وهو في ذي قار كما جاء في رواية الشعبي عن أبي الطفيل، وأضاف إلى ذلك أبو الطفيل يقول: والله لقد قعدت على الطريق وأحصيتهم واحداً واحداً فما زادوا رجلاً ولا نقصوا رجلاً.(1)

ثانياً:

شارك الإمام الحسن ( عليه السلام ) في حرب الجمل إلى جنب أمير المؤمنين ( عليه السلام )، وحمل رايته وانتصر بها على الناكثين. ومما أجمع عليه المۆرخون في ذلك أنه لمّا زحف أمير المؤمنين في كتيبته الخضراء التي جمعت المهاجرين والأنصار، وحوله أولاده الحسن والحسين ومحمد بن الحنفية، وكان قد أعطاه الراية، فحمل بها على أنصار عائشة ومضى يتقدم بها حتى تزعزعت صفوفهم، فقال له الأنصار: والله يا أمير المؤمنين لولا ما جعل الله تعالى للحسن والحسين لما قدّمنا على محمد أحداً من العرب، فقال لهم أمير المؤمنين: “اين النجم من الشمس والقمر؟ أما إنه قد أغنى وأبلى وله فضله، ولا ينقص فضل صاحبيه عليه، وحسب صاحبكم ما انتهت به نعمة الله تعالى عليه”. فقالوا له: يا أمير المؤمنين، إنّا والله لا نجعله كالحسن والحسين، ولا نظلمهما له ولا نظلمه لفضلهما عليه حقّه. فقال: “اين يقع ابني من ابني بنت رسول الله؟”.(2)

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1- شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 3: 295. القرشي: حياة الإمام الحسن ( عليه السلام ) 1: 433.

2- شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 3: 9، 1: 283.