النبي وأهل بيته » السیرة والتاریخ » الإمام الحسن المجتبى »

الإمام الحسن(ع) ورعاية مصلحة الإسلام العليا في عهد خلافة أبيه أمير المؤمنين/ 2

دوره في حرب القاسطين المعروفة بحرب صفين: وهي حرب البغاة في الشام التي التي قادها معاوية بن أبي سفيان خروجاً على خلافةأمير المؤمنين ( عليه السلام )، وهكذا أيضاً كان دورالإمام الحسن ( عليه السلام ) فيها كدوره في حرب الجمل، بل زاد عليه; حيث قام بتعبئة المسلمين للجهاد وبذل جهده لإحباط مۆامرة التحكيم والاحتجاج على المنادين به. ونلخص هذا الدور بما يلي:

أولاً:

وقف الإمام الحسن ( عليه السلام ) خطيباً يعبّئ المسلمين لجهاد القاسطين البغاة بقيادة معاوية بن أبي سفيان فقال: “الحمد لله لا إله غيره ولا شريك له، وإنه ممّا عظّم الله عليكم من حقّه وأسبغ عليكم من نعمه مالا يحصى ذكره ولا يۆدّى شكره ولا يبلغه قول ولا صفة، ونحن إنّما غضبنا لله ولكم، وإنه لم يجتمع قوم قطّ على أمر واحد إلاّ اشتدّ أمرهم واستحكمت عقدتهم، فاحتشدوا في قتال عدوكم معاوية وجنوده، ولا تتخاذلوا، فإن الخذلان يقطع نياط القلوب، وإن الإقدام على الأسنّة نخوة وعصمة. لم يتمنّع قوم قطّ إلاّ رفع الله عنهم العلّة، وكفاهم حوائج الذلّة. وهداهم إلى معالم الملّة” ثم أنشد:

والصلح تأخذ منه ما رضيت به —- والحرب يلفيك من أنفاسها جرع (1)

ثانياً:

لقد عبّر الإمام الحسن ( عليه السلام ) عن ولائه المطلق لأبيه أمير المؤمنين ( عليه السلام ) في محنته هذه، مستخفّاً بإغراء البغاة له بالخلافة دون أبيه. فقد روي أن عبيد الله بن عمر أرسل إلى الحسن بن علي أن لي حاجة، وكان إلى جانب معاوية بن أبي سفيان، فلقيه الإمام أبو محمد الحسن، فقال له عبيد الله: إن أباك قد وتر قريشاً أولاً وآخراً، وقد شنئه الناس، فهل لك في خلعه وتتولّى أنت هذا الأمر؟ فقال له الحسن ( عليه السلام ): “كلاّ، والله لا يكون ذلك أبداً”.

ومضى يقول: “يابن الخطّاب، والله لكأنّي أنظر إليك مقتولاً في يومك أو غدك. أما إن الشيطان قد زيّن لك وخدعك حتى أخرجك متخلّقاً بالخلوق; ترى نساء أهل الشام موقفك، وسيصرعك الله ويبطحك لوجهك قتيلاً”.

ثم انصرف كل منهما إلى جهته. ونقل أحد الرواة قال: فو الله ما كان إلاّ بياض ذلك اليوم، حتى قتل عبيد الله وهو في كتيبة رقطاء تدعى الخضرية، وكان في أربعة آلاف عليهم ثياب خضر، فمرّ الحسن بن علي ( عليه السلام )، وإذا برجل متوسّد برجل قتيل قد ركز رمحه في عينه وربط فرسه برجله، فقال الحسن لمن معه: “أنظروا من هذا؟” فإذا رجل من همدان، وإذا القتيل عبيد الله بن عمر بن الخطاب قد قتله الهمداني في أول الليل وبات عليه حتى أصبح.(2)

ثالثاً:

كان للامام الحسن ( عليه السلام ) دور مشهود في الاحتجاج على من نادى بالتحكيم وقبل به، كاشفاً عن حقيقة الموقف وما يكمن وراءه من مۆامرة شيطانية لتفريق جيش أمير المؤمنين ( عليه السلام )، وتمزيقه داخليّاً.

وممّا روي في ذلك أن أمير المؤمنين ( عليه السلام ) بعد أن أعيته السبل في التحذير من التحكيم وأنه خدعة ومۆامرة، استسلم مكرهاً لرغبة القوم، فكانت مهزلة التحكيم التي انتهت بخذلان أبي موسى الأشعري للامام علي ( عليه السلام )، فساد الاضطراب معسكر أمير المؤمنين ( عليه السلام )، وبدت ظواهر التمزق والتفرق تسود أوساط جيشه، وأخذ كلّ فريق يتبرّأ من الآخر ويشتمه، فلم يجد الإمام علي ( عليه السلام ) سبيلاً لدرء هذه المفسدة وبيان الحقّ وكشف حقيقة التحكيم وبطلانه، إلاّ أن يقدّم الإمام الحسن المجتبى ( عليه السلام ) ليقوم بهذه المهمة الرسالية قائلاً له: “قم يا بني فقل في هذين الرجلين عبد الله بن قيس، وعمرو بن العاص”، فقام الإمام السبط خطيباً فقال: “أيّها الناس، قد أكثرتم في هذين الرجلين، وإنّما بعثا ليحكما بالكتاب على الهوى، فحكما بالهوى على الكتاب، ومن كان هكذا لم يسمَّ حَكماً ولكنه محكوم عليه، وقد أخطأ عبد الله بن قيس إذ جعلها لعبد الله بن عمر، فأخطأ في ثلاث خصال: واحدة أنه خالف أباه إذ لم يرضه لها، ولا جعله في أهل الشورى، وأخرى أنه لم يستأمره في نفسه، وثالثة: أنه لم يجتمع عليه المهاجرون والأنصار الذين يعقدون الإمارة ويحكمون بها على الناس، وأمّا الحكومة فقد حكّم النبي ( صلى الله عليه وآله ) سعد بن معاذ، فحكم بما يرضى الله به.

ولا شكّ لو خالف لم يرضه رسول الله ( صلى الله عليه وآله )”.(3)

وبذلك أظهر الإمام السبط حقيقة الموقف، وكشف عن زيف التحكيم، وخطّل رأي أبي موسى الأشعري الذي انتخبته الغوغاء من جيش الإمام علي ( عليه السلام ) ومكّنته من الموقف دون رويّة وتدبّر، رغم أنه معروف بسوء سريرته.

وهكذا كان الإمام الحسن ( عليه السلام ) سنداً وظهيراً لأبيه أمير المؤمنين ( عليه السلام ) إلى آخر لحظة من حياته، وكان يعاني ما يعانيه أبوه من أهل العراق ويتألّم لآلامه ومحنه، وهو يرى معاوية يحوك المۆامرة تلو الأخرى، ويبثّ مرتزقته في أنحاء العراق لتثبيط المسلمين عن أمير المؤمنين ( عليه السلام )، ويغري القادة والزعماء بالأموال والمناصب حتى فرّق أكثرهم عنه، وأصبح أمير المؤمنين يتمنى فراقهم بالشهادة في سبيل الله، ولطالما بكى وقبض على كريمته وهو يقول: “متى يُبعث أشقاها فيخضّب هذه من هذا”؟!، والحسن ( عليه السلام ) يرى كل ذلك وتأخذه الحسرة والألم لما يحيط بأبيه من المتاعب والمحن والفتن.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1- القرشي: حياة الإمام الحسن ( عليه السلام ) 1: 480. الحسني: سيرة الأئمة الاثني عشر 1: 495.

2- الحسني، سيرة الأئمة الاثني عشر 1: 496.

3- القرشي، حياة الإمام الحسن ( عليه السلام ) 1: 530.