النبي وأهل بيته » السیرة والتاریخ » الإمام الحسن المجتبى »

الإمام الحسن(ع) ورعاية مصلحة الإسلام العليا في عهد عثمان

ونستلّ من سيرة الإمام الحسن المجتبى ( عليه السلام )، في هذا العهد مجالين هما:

أ – مشاركته في الكثير من حروب الدفاع عن بيضة الإسلام، وفي كثير من الفتوحات الإسلامية أيام خلافة عثمان، منطلقاً من مقولة أبيه أمير المۆمنين ( عليه السلام ) في رعاية مصلحة الإسلام العليا التي كررها في أكثر من موضع:”والله لأسلمن ما سلمت أمور المسلمين، ولم يكن جورٌ إلاّ عليّ خاصّة”. (1)

وقد نقلت لنا كتب التاريخ ومروياته هذه الحقيقة، وممّا جاء فيها: إن الإمام أبا محمد الحسن ( عليه السلام ) كان قد بلغ العشرين عاماً أو تزيد، وقد برز بين أعيان المسلمين في مواهبه العالية وتطلعاته إلى حقائق الأمور ومشكلاتها، ومضى مع أبيه يتجرع مرارة تلك الأحداث القاسية، ويترقب معه الوقائع والأحداث، ويعملان لصالح الإسلام. وانضمّ الحسن إلى جنود المسلمين الذين اتّجهوا إلى أفريقيا بقيادة عبد الله بن نافع وأخيه عقبة في جيش بلغ عشرة آلاف مجاهد، كما جاء في العبر لابن خلدون، وتطلع المسلمون إلى النصر والفتح متفائلين بوجود حفيد الرسول وحبيبه يجاهد معهم، وكانت الغزوة ناجحة وموفقة كما يصفها المۆرخون، وعاد الحسن منها إلى مدينة جده وقلبه مفعم بالسرور، وعلامة الارتياح بادية على وجهه الكريم لانتشار الإسلام في تلك البقعة من الأرض.

كما جاء في تاريخ الأمم والملوك في حوادث سنة ثلاثين للهجرة أن سعيد بن العاص غزا خراسان، ومعه حذيفة بن اليمان وناس من أصحاب رسول الله والحسن والحسين إلى جرجان، فصالحوه على حد تعبير الطبري على ساحل البحر، فقاتلهم أهلها قتالاً شديداً وصلّى المسلمون صلاة الخوف، وأخيراً انتصر المسلمون في تلك المناطق كما نصّ على ذلك ابن خلدون وغيره من المۆرخين.

وجاء في الفتوحات الإسلامية وغيرها أن سعيد بن العاص غزا طبرستان سنة ثلاثين من الهجرة، وكان الأجهيد قد صالح سويد بن مقرن على مال بذله في عهد عمر بن الخطاب، وفي عهد عثمان بعد استيلائه على السلطة بخمس سنوات تقريباً، جهز إليهم جيشاً بقيادة سعيد بن العاص، كان فيه الحسن والحسين وعبد الله بن العباس وغيرهم من أعيان المهاجرين والأنصار، وتم لهم الاستيلاء على تلك المناطق والتغلب عليها.

وتۆكد أكثر المرويات أن الحسن والحسين قد اشتركا في كثير من الفتوحات الإسلامية، وكان لهما دور بارز في سير تلك المعارك التي كانت تدور رحاها بين المسلمين وغيرهم.(2)

ب – كان موقفه من خلافة عثمان وما آلت إليه هو موقف أبيه أمير المۆمنين ( عليه السلام )، معبّراً فيه عن كامل الطاعة والالتزام بأوامره وتوجيهاته في تلك الفترة العصيبة والفتنة العمياء، خصوصاً بعد أن ملّ المسلمون سياسة عثمان وأعوانه وعمّاله.

وتنقل لنا كتب التاريخ وقائع تلك الفترة، ومنها أنه بعد فشل كل المحاولات التي بذلها المسلمون لإصلاح سياسة عثمان وأعوانه وعماله، وخوفهم على دينهم ودنياهم، زحفوا إليه من جميع الأقطار، ودخلوا في مفاوضات معه يطالبونه بإصلاح ما أفسده هو وعمّاله، أو بالتخلي عن السلطة، وكان أمير المۆمنين ( عليه السلام ) وولده الحسن وسيطين بين الخليفة ووفود الأمصار في محاولة للإصلاح، ووضع حدّ للفساد الذي شمل جميع مرافق الدولة، وكانا كلما أشرفا على النجاح، ووضعا الحلول الكفيلة بالإصلاح وإرجاع الثوار إلى بلادهم، جاء مروان ونقض كل ما أُبرم بين الطرفين من حلول واتفاقات، حتى تعقّدت الأمور أخيراً وهاجمه الثوار بتحريض من عائشة وطلحة والزبير، وقالت لهم عائشة كما تۆكد ذلك أكثر المرويات: اقتلوا نعثلاً فقد كفر.

وأخرجت للمسلمين قميص رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) وقالت بصوت سمعه الجميع: هذا قميص رسول الله لم يبل وقد أبلى عثمان سنّته. كما تۆكد المصادر الموثوقة أن طلحة لم يقتصر دوره على التحريض على عثمان، بل اشترك معهم وسهّل لهم الوصول إلى داره للقضاء عليه، في حين أن أمير المۆمنين – كما يدعي الرواة – قد أرسل ولديه حسناً وحسيناً ليدفعا عنه الثوار.

وجاء في رواية ابن كثير أن الحسن بن علي قد أُصيب ببعض الجروح وهو يدافع عنه.

ومما لا شك فيه أن أمير المۆمنين وولديه الحسن و الحسين ( عليه السلام )، كانوا كغيرهم من خيار الصحابة ناقمين على تصرّفات عثمان وأنصاره وعماله، ومع ذلك لم يبلغ بأمير المۆمنين ( عليه السلام ) الحال إلى حدود الرضا بقتله والتحريض عليه، بل وقف منه موقفاً سليماً وشريفاً، أراد من عثمان أن ينتهج سياسة تتفق مع منهج الإسلام، وأن يجعل حدّاً لتصرفات ذويه وعماله الذين أسرفوا في تبذير الأموال واستعمال المنكرات، وأراد من الثائرين عليه أن يقفوا عند حدود المطالبة بالإصلاح الشامل لجميع مرافق الدولة، وألاّ تتّخذ ثورتهم طابع العدوان والانتقام، واستطاع في المراحل الأولى من وساطته أن يضع حدّاً للصراع القائم بين الطرفين بما يحفظ لكل منهما حقّه، لولا أن مروان بن الحكم قد أفسد كل ما أصلحه الإمام ( عليه السلام ) وظلّ الإمام إلى آخر لحظة يتمنى على عثمان أن يتخذ موقفاً سليماً حتى يُتاح له أن يعالج الموقف في حدود ما أنزل الله.(3)

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1- نهج البلاغة – الخطبة 74.

2- الحسني، سيرة الأئمة الاثني عشر 1: 482 – 483. وراجع: تاريخ الأمم والملوك 1: 175، والفتوحات الإسلامية 1: 175، والكامل لابن الأثير 3: 109.

3- راجع سيرة الأئمة الاثني عشر للحسني 1: 485 – 486.