الإمام الخميني قارع أجراس الصحوة

كثيرا ما يؤرخ المفكرون والمثقفون تاريخ انتصار الثورة الإسلامية في إيران على أنه خط فاصل بين شيئين متناقضين، أو أنه تاريخ زلزال كبير غير وجهة الحياة إلى مسار جديد. ۱۹۷۹م كان نقطة التحول بين السبات واليقظة وبداية عودة الإسلام على محور الحركة وتثليث الصراع بين الشرق والغرب والإسلام.

فعلى أساس صفات قائدها المميزة يستعصي وصفه ووصف الانبهار الذي ولده خروجه بناء على الوضع السائد والشخصيات المعاصرة له. فإذا ما قورن المناخ بين ما قبل هذا القائد وما بعده والأمل المجهض في نبوءات التغيير والاحباط المعمم على أدمغة الشعوب وقضايا الأمة الموصفة بالاستعصاء، فسنجد المؤشر ينحرف بشكل مؤثر للغاية. لقد تمكن الإمام الخميني بصفاته الفريدة من بعث الإسلام من جديد إلى ساحة السياسة والحياة والحركة. فقد اشتمل الإمام الخميني على همة عالية مكنته من بلوغ مقصده رغم فارق الامكانات بينه وبين الظروف المقابلة. لقد كان ظهوره وانتصاره مع الأدوات التي استخدمها معجزة جديدة في حد ذاتها ما تكهن بها الكثيرون أن تلد ولادتها العسيرة.

فمنذ انهيار الدولة العثمانية وسقوطها ساد الاحباط الديني والسياسي ووصل إلى حده الأقصى وتفرقت معرِّفات الروابط بين الحدود الجغرافية واللغوية البعيدة عن أساسها الديني، وعم الوجود الغربي أقصاه حتى إلى عقول وقلوب الأمة حتى غزى العقل الديني أيضا. كان الدين وكما اصطلح من كبار منظري ما قبل الثورة الإسلامية يعد أفيونا للشعوب وعامل تخدير وتنويم عن الحقوق والثورة على الظلم، بل كان الدين عاملا يختفي وراءه الكثيرون من الظلمة ليبرر أعمالهم على غرار حسينية البلاط ومسجد القصر. كان أصحاب العقول والعلماء المؤثرون والمحللون الواعون يستبعدون تماما بلوغ حركة الإمام الخميني شرفة النور وكانوا يعتبرون حركته النهضوية حركة عبثية إلا ما استفرد به هو نفسه ومن يلوذون خلف مدرسته، فلم يكن بعد ذاك الفجر والفتح إلا الانبهار والاندهاش.

و على أنقاض زلزال الشيخ المسن في إيران نشأت التفاعلات النظرية والعملية في جسد الشرق والغرب كلٌ على مقاسه. لقد كانت كيميائية الخميني محكمة مؤثرة شديدة الانبعاث والنفاذ في الداخل والخارج بين أن تكون مناسبة لتأسيس النهضة وبين أن تكون باعثا على تطويرها. فبعد الخميني صار الأغلب الأعم ينادي بالإسلام ويتكلم باللهجة الدينية من حيث لم يحتسب. لقد تأثر الجميع بأجراسه الدوية بإرادة وبدون إرادة. تلك الأجراس الخمينية تمكنت من تنشيط الأديان كافة وتقوية اللهجة الدينية بين المسلمين والمسيحيين وكافة الأديان. فقد كانت حركة غريبة من حيث أساسها الديني الشعبي وبعدها الإلهي العرفاني الذي اتسم به هذا الرجل الفقيه السياسي العرفاني الشاعر المسن الشاب، أدار الخميني الثورة وأثر محور صفاته المميز عليها في تفاعل الناس، ولقد أحسن الخميني استخدام أدواته. لقد قرأنا كثيرا من الشواهد عن نظرة الناس بشكل عام عن الخميني الذي كان يأسر القلوب ويجذبهم نحو ما يدعو إليه و”كأنه أحد أنبياء العهد القديم”.

إنه لطالما احتاجت الأديان إلى من يحركها ويبثها بعد الركود، فقد بعث الله الأنبياء واستعمل الأولياء من لدن آدم حتى يومنا هذا لتأكيد هذه الحقيقة، وإلا لاكتفت الإنسانية بمبلغ واحد يبلغ رسالة واحدة للناس دون الحاجة إلى من يسخنها في أجواء الزمن ويبث فيها روح الحياة. لقد كان الإمام الخميني ضرورة ملحة فرضها الموت المهيمن على جسد الإسلام ليحييه من جديد في وقت كان بعيدا كل البعد عن منصة التوقع والواقع الذي حاصرته العلمانية والشيوعية والرأسمالية والمادية والانحرافات الأخلاقية.

وحقيق إن أرخنا ۱۹۷۹م على أنه تاريخ بعث الصحوة الإسلامية الشيعية بصورة خاصة والسنية بصورة عامة بل حتى المسيحية بصورة أعم. حتى تأثر به حتى من يخالفه الأيدلوجيا، وفي رأيي فقد تأثر حتى السلفيون أنفسهم بصوت الخميني وجرسه الصداح واستلهموا كثيرا من القوة من الموضة الدينية الجديدة التي فرضتها الحركة الخمينية، لقد عاد السلفيون ليثقوا بسلفيتهم أكثر ويطرحونها على ميدان الحركة وكذلك الشيعة وكذلك المسيحيون وغيرهم، كرس الإمام ثورة الأديان قبل كل شيء. ولعلنا نثق أكثر بهذا التصور لو قرأنا تاريخ كل الحركات ما قبل الخميني وما بعده وربما في نفس العام الذي شهدته ثورته. وتزداد ثقتنا إذا استقرأنا كمية الكتب ونوعيتها التي كتبت في محاولة صد المد الخميني الذي خلفه زلزاله العنيف. ولا تناقض في الأمر، فالاستفادة لا تجيء ممن نتأثر بالاقتناع بكلامه فقط بل حتى ممن يعارضنا الرأي، وتجيء أيضا من المشترك الذي لمعته تلك الشخصية ـ وهو البعد الديني ـ وأنزلته بصورة جذابة مقدسة محبوبة مما أتاح للتيارات الأخرى الاستفادة مما أنتجته من رغبة وشهية جماهيرية من أبناء كل المذاهب نحو أديانها، فلم يكن لأحد أن يخفي الاعجاب بهذه الشخصية بين المبغض وبين المحب، ولم يكن تأثيره مختصرا على حدود حزب أو مجتمع ما ولا يمكن حصره كذلك.

و لا بد أن نقول أن مد الخميني لا زال ساخنا فاعلا يجرف ويغير من العراق وطبيعة تطور وتبلور النظرة السياسية إلى لبنان إلى كل مكان من الأقرب فالأقرب. وحقيق أن يكون عطاء شخصية فريدة باتساع شخصية الإمام الخميني متينا واسعا، فالخميني كان فيما لو أنصفناه أمة في رجل شاملا عالما رائدا راقيا فذا مؤثرا لا على سبيل المبالغة بكل تأكيد. لقد فهم الإمام الخميني الإسلام بأجلى صوره وفهم ثورة الإمام الحسين وأتقن ترجمتها على منصة الواقع. يكفي أن نقول أن الإمام الخميني كان إسلاما متحركا سليما أسلم الغاية والوسيلة، وهو القدوة المثلى لمن أراد الاستقامة.

يا آيـة العشق الـتي أنــزلتها في غصن قلب العاشقين فأزهرا

يا عـابرا صوب الضياء تـمهلا هـلا فتحت إلى ضيائك معبرا

صلت على وجه الخميني أحـرفي وتـجمعت غصنا طريا أخضرا

المصدر: دار الولاية للثقافة والاعلام