الإمام-علي(ع)-لم-يطالب-بحقه-في-الخلافة

الإمام الكاظم(ع) منارة علم ومعرفة

عاش وتربى الإمام موسى الكاظم في ظل أبيه الإمام جعفر الصادق عقدين من الزمن، ينهل فيها من آداب وأخلاق والده الكريم، و يغترف من علومه ومعارفه في مختلف الحقول المعرفية، وقد أصبح الإمام الكاظم بعد والده منارة علم ومعرفة، ومن أجل نشر علوم أهل البيت قام – من ضمن ما قام به من أنشطة وأعمال علمية- بما يلي:

أولاً- تأسيس مدرسة علمية:

أسس الإمام موسى الكاظم مدرسة علمية لمواصلة ما بدأه الإمام الصادق في مدرسته العلمية الضخمة، بهدف تربية وتعليم شخصيات علمية كبيرة، تكون بمستوى العطاء العلمي والفكري الذي تحتاجه الأمة، وترفد المجتمع بكفاءات علمية بارزة وقادرة على الإنتاج العلمي والمعرفي، والتصدي لأية إشكالات علمية تطرح من قبل أعداء الفكر الإسلامي.

وقد بدأ الإمام الكاظم بإلقاء الدروس والمحاضرات العلمية، ورواية النصوص والأحاديث في مختلف المعارف والعلوم كالفقه والحديث والعقائد والتفسير والأخلاق وغيرها من العلوم والمعارف الدينية على طلابه وتلامذته ومريديه.

وقد تخرج من هذه المدرسة العلمية نخبة من الفقهاء ورواة الحديث، قدر عددهم بـ(۳۱۹) عالماً وفقيهاً و (( لكن قد تميز من بين أصحابه ستة بالصدق والأمانة وأجمع الرواة على تصديقهم فيما يروونه عن الأئمة (عليهم السلام) على أنه اشتهر بين المحدثين ثمانية عشر فقيهاً ومحدثاً من أصحاب الأئمة الثلاثة: (ألباقر والصادق والكاظم) وهم المعروفون بأصحاب الإجماع، ستة من أصحاب ((أبي جعفر)) وستة من أصحاب ((أبي عبد الله))وستة من أصحاب ((أبي الحسن موسى))، وهم: ((يونس بن عبد الرحمن))، ((وصفوان بن يحيى بياع السابري))، و((محمد بن أبي عمير))، و((عبد الله بن المغيرة))، و ((الحسن بن محبوب السرّاد))، و((أحمد بن محمد بن أبي نصر البزنطي)) هذا في المجال الفقهي أما الميادين الفكرية الأخرى مثل الكلام والقرآن، واللغة وما شاكل ذلك فلها أيضاً نخبة متخصصة فيها[ ۱] .

وكتب السيد ابن طاووس: إنه كان جماعة من خاصة أبي الحسن موسى من أهل بيته وشيعته يحضرون مجلسه ومعهم في أكمامهم ألواح ابنوس لطاف وأميال، فإذا نطق بكلمة وأفتى في نازلة أثبت القوم ما سمعوا منه فيها[۲ ] .

ولم يقتصر طلاب مدرسة الإمام الكاظم العلمية على الشيعة فقط، بل شمل مختلف المذاهب الإسلامية، إذ صارت مدرسته حديث العلماء في كل الأمصار، ومهوى العلم والمعرفة من كل حدب وصوب، وأخذ الجميع بمن فيهم كبار العلماء من مختلف المذاهب يروون عن الإمام الكاظم .

فقد كان أحمد بن حنبل إمام المذهب الحنبلي يروي عن الإمام الكاظم ويقول: حدثني موسى بن جعفر، قال: حدثني أبو جعفر بن محمد، قال: حدثني أبو محمد بن علي قال: حدثني أبي علي بن الحسين، قال: حدثني أبي الحسين بن علي، قال حدثني أبي علي بن أبي طالب (عليهم السلام)؛ قال: قال رسول الله . ثم قال أحمد: وهذا إسناد لو قرئ على المجنون لأفاق[ ۳] .

وممن أخذ من الإمام الكاظم وروى عنه: الخطيب في تاريخ بغداد، والسمعاني في الرسالة القوامية، وأبو صالح أحمد المؤذن في الأربعين، وأبو عبد الله بن بطة في الإبانة، والثعلبي في الكشف والبيان[ ۴] .

وما كان لعلم الإمام الكاظم أن ينتشر في كل مكان لولا قيام تلامذته بدور هام في نشر علومه ومعارفه بين الخاصة والعامة، فقد خرجت مدرسة الإمام الكاظم نخبة متميزة من العلماء والفقهاء كالفقيه والمحدث الشهير محمد بن أبي عمير، والفقيه المتكلم هشام بن الحكم، وقد برع في علم الكلام، وفن المناظرة والجدل، وقد روى هشام الكثير من الروايات في الأحكام والعقائد والكلام والتفسير، وقد عُرف واشتهر بمناظراته القوية مع الكفار والملحدين والزنادقة وغيرهم، وكان يخرج في كل مرة منتصراً، حتى أن بعضهم كان يرجع إلى الحق.

ثانياً- إرساء قواعد المنهج الاستدلالي:

أرسى الإمام الكاظم قواعد منهج الاستنباط والتفقه في الدين؛ إذ نلتقي في تراث الإمام الكاظم بنصوص ترتبط بحرمة القول بغير علم وحجية الظواهر وحجية خبر الواحد ونصوص ترتبط بعلاج حالات التعارض بين الأحاديث ونصوص ترتبط بالمنع من القياس ونصوص ترتبط بأصالة البراءة ووجوب الموافقة القطعية في أطراف العلم الإجمالي والاستصحاب وعدم جواز الرجوع إلى الأصل قبل الفحص عن الدليل… وهذه النصوص تشير إلى أن الإمام كان بصدد إرساء قواعد ومنهج الاستنباط والتفقه في دين الله.

وإذا لاحظنا النصوص التي تقدم لنا مجموعة مهمة من القواعد الفقهية إلى جانب غيرها من النصوص التي تتضمن الأحكام الفقهية التي أثرت عنه فإننا نستيقن بأن الإمام كان يخطط لتكامل المدرسة الفقهية الاجتهادية ويربّي العلماء على منهجها بحيث يضمن للرسالة ولخط أهل البيت (عليهم السلام) الدوام والحضور الفاعل في ميادين الحياة رغم كل التحديات[ ۵] .

وقد أراد الإمام الكاظم بذلك التخطيط العلمي لآليات استنباط الأحكام الشرعية، لحجز الأمة عن اتباع مناهج وآليات غير سليمة في مجال الاستنتاج، مما يؤدي إلى نتائج معكوسة في مجال الحياة العامة، ويخلق مجتمعاً غير مستند إلى روح الشريعة ومقرراتها وأهدافها، يسير بشكل عشوائي نحو الفوضى والخواء والفناء.

فالتجديد ينبغي أن يتم في إطار النصوص الإسلامية الثابتة، وإلا فهو ابتعاد عن الحقيقة وتقليد محض يكرّس إشكالية التبعية لإنتاج أزمات متتالية[۶] .

ووجود القواعد الفقهية والأصولية التي وضعها أئمة أهل البيت للرجوع إليها في عملية التطبيق العملي لاستنباط الرأي الشرعي أكبر ضمانة لمنع الوقوع في الخطأ، الذي يقع فيه أصحاب المناهج ذات التفكير الحر، الذي لا يرى نفسه مقيداً بضوابط وآليات المنهج الاستدلالي، ويرى نفسه مجتهداً قبال النصوص الدينية، ومنفلتاً من أية آليات علمية ليضع لنفسه آليات خاصة خاضعة لذوقه واستحسانه الشخصي، وهو الأمر الذي يوقع صاحبه في إشكاليات مضاعفة.

إن الإمام الكاظم وهو يقعد القواعد، ويؤصل الأصول إنما أراد زيادة رسم المنهج الاستدلالي لأهل البيت ليكون واضحاً ومفصلاً بحيث يستوعب المتغيرات الزمانية والمكانية.

وبالإضافة إلى ذلك، فقد ورد عن الإمام الكاظم مجموعة مهمة من النصوص والأحاديث في المجال الفقهي، وهي تشكل بمجموعها مرجعية في الاستنباط الفقهي، والاستدلال على الأحكام الشرعية.

وكان الإمام الكاظم يحث أصحابه على التفقه في الدين، ومعرفة الأحكام الشرعية، إذ يقول : (( تفقهوا في دين الله، فإن الفقه مفتاح البصيرة، وتمام العبادة، والسبب إلى المنازل الرفيعة والرتب الجليلة في الدين والدنيا، وفضل الفقيه عن العابد كفضل الشمس على الكواكب، ومن لم يتفقه في دينه لم يرضً الله له عملاً)) [۷] .

_______________

[۱] – أعلام الهداية: الإمام موسى بن جعفر الكاظم، المجمع العالمي لأهل البيت، قم – إيران، الطبعة الأولى ۱۴۲۲هـ، ص ۱۱۰٫

[۲] – الأنوار البهية في تواريخ الحجج الإلهية، الشيخ عباس القمي، دار الأضواء، بيروت – لبنان، الطبعة الأولى ۱۴۰۴هـ – ۱۹۸۴م، ص ۱۵۸٫

[۳] – مناقب آل أبي طالب، أبو جعفر محمد بن علي بن شهر آشوب، دار الأضواء، بيروت – لبنان، الطبعة الثانية ۱۴۱۲هـ – ۱۹۹۱م، ج۴، ص ۳۴۱ – ۳۴۲٫

[۴] – مناقب آل أبي طالب، أبو جعفر محمد بن علي بن شهر آشوب، دار الأضواء، بيروت – لبنان، الطبعة الثانية ۱۴۱۲هـ – ۱۹۹۱م، ج۴، ص ۳۴۱٫

[۵] – أعلام الهداية: الإمام موسى بن جعفر الكاظم، المجمع العالمي لأهل البيت، قم – إيران، الطبعة الأولى ۱۴۲۲هـ، ص ۱۵۴٫

[۶] – الفكر الإصلاحي للإمام موسى بن جعفر محمد سعيد الأمجد، المركز الإسلامي المعاصر، بيروت، الطبعة الأولى ۱۴۲۴هـ – ۲۰۰۳م، ص ۱۰۳٫

[۷] – بحار الأنوار، العلامة المجلسي، ج۷۵، ص ۳۲۱، رقم۱۹٫

الكاتب: الشيخ عبدالله اليوسف