امام-حهدی

الإمام المهدي(ع) في الأديان السابقة

لا ريب أن الإيمان بحتمية ظهور المصلح الديني العالمي وإقامة الدولة الإلهية العادلة في كل الأرض، من نقاط الاشتراك البارزة بين جميع الأديان. وإنما الاختلاف بينها هو في تحديد هوية هذا المصلح الديني العالمي الذي يحقّق أهداف الأنبياء.

وهذه الحقيقة من الواضحات التي أقرّ بها كل مَن اطلع على عقيدة المصلح العالمي في الديانات السابقة، بل نجد أن المنكرين والمشكّكين في هذه العقيدة كبعض المستشرقين، اعترفوا بها كعقيدة عريقة للغاية في التاريخ الديني وجدت حتى في القديم من كتب ديانات المصريين والصينيين والمغول والبوذيين والمجوس والهنود والأحباش فضلاً عن الديانات الكبرى الثلاث اليهودية والنصرانية والإسلامية.

۱ـ المهدي والمصلح في الديانة اليهودية

إن الإيمان بفكرة ظهور المصلح ثابت عند اليهود مدوّن في التوراة والمصادر الدينية المعتبرة عندهم، وقد فصل الحديث عن هذه العقيدة عند اليهود كثير من الباحثين المعاصرين خاصة في الغرب مثل جورج رذ فورد في كتابه «ملايين من الذين هم أحياء اليوم لن يموتوا أبداً» والسناتور الأميركي بول منزلي في كتابه «من يجرؤ على الكلام»(۱) والباحثة غريس هالسل في كتابها «النبوءة والسياسة» وغيرهم(۲).

فقد جاء في سفر «اشعيا» ما ترجمته «ستخرج من القدس بقية من جيل صهيون غيرة رب الجنود ستصنع هذا»(۳)

وهذا الأمر واضح لا سيما لمن درس الديانة اليهودية، فأنه يلمس مدى رسوخ هذه العقيدة فيها.

وقد أفرزت هذه العقيدة عند اليهود تحركات سياسية واسعة بهدف الاستعداد لظهور المنقذ العالمي الذي يؤمنون به.

وسبب هذا التحرك عند اليهود في هذا المجال يشتمل على تحديد زمني لبدء مقدمات المنقذ العالمي الذي يبدأ من عام (۱۹۱۴م) ـ الذي هو عام تفجر الحرب العالمية الأولى ـ ثم عودة الشتات اليهودي إلى فلسطين وإقامة دولتهم التي يعتبرها اليهود من المراحل التمهيدية المهمة لظهور المنقذ الموعود ويعتقدون بأن العود إلى فلسطين هي بداية المعركة الفاصلة التي تنهي وجود الشر في العالم ويبدأ حينئذٍ حكم الملكوت في الأرض لتصبح الأرض فردوساً.

وبغض النظر عن مناقشة صحة ما ورد من تفصيلات في هذه العقيدة عند اليهود، فإن القدر المتيقن منها هو كونها فكرة متجذرة ومتأصلة في موروثاتهم الدينية بقوة بالغة، بحيث تمكنت اليهودية على أساسها أن تقيم تحرّكاً استراتيجياً طويل المدى وطويل النفس، استقطبت له الطاقات اليهودية المتباينة الأفكار والاتجاهات، ونجحت في تجميع جهودها وتحريكها باتجاه تحقيق ما صوّره قادة اليهودية لأتباعهم بأنه مصداق التمهيد لظهور المنقذ الموعود.

ومن الواضح إن الإيمان والاعتقاد بهذه الفكرة لو لم يكن راسخاً ومستنداً إلى جذور راسخة في التراث الديني اليهودي لما كان قادراً على إيجاد مثل هذا التحرك الدؤوب وبشكل واسع وشامل لمختلف الطاقات والإتباع، فمثل هذا لا يمكن أن يأتي من فكرة طارئة غير مستندة إلى جذور عميقة متفق عليها.

۲ـ المهدي والمصلح في الديانة النصرانية:

كذلك آمن النصارى بأصل هذه الفكرة استناداً إلى مجموعة من الآيات والبشارات الموجودة في الإنجيل، وقد صرح علماء الإنجيل بالإيمان والاعتقاد بحتمية عودة عيسى المسيح في آخر الزمان ليقود البشرية في ثورة عالمية كبرى يعم بعدها الأمن والسلام كل الأرض.

وقد لخّص الشهرستاني عقيدة النصارى في العبارة الآتية:

نؤمن بالله الواحد الأب مالك كل شيء وصانع ما يُرى وما لا يرى وبالابن الواحد يسوع المسيح ابن الله الواحد، بكر الخلائق كلها، الذي ولد من أبيه قبل العوالم كلها، وليس بمصنوع، إله حق من إله حق، من جوهر أبيه الذي بيده أتقنت العوالم وخلق كل شيء من أجلنا ومن أجل معشر الناس ومن أجل خلاصنا نزل من السماء وتجسّد من روح القدس وصار إنساناً وقتل وصلب أيام فيلاطوس ودفن ثم قام في اليوم الثالث وصعد إلى السماء وجلس عن يمين أبيه وهو مستعد للمجيء تارةً أخرى للقضاء بين الأموات والأحياء»(۴).

ويظهر منها صراحة استعداد المسيح للنزول إلى الأرض لينقذ المظلومين.

۳ـ بشارة يوحنا وصيحة السماء بخروج المهدي:

وردت عدة عبارات في الإنجيل المسيحي، منها ما ورد في سفر يوحنا إشارة إلى النداء السماوي بخروج المهدي ما ترجمته :«ثم رأيت ملاكا طائرا في وسط السماء معه بشارة أبدية ليبشر الساكنين على الأرض وكل امة وقبيلة ولسان وشعب مناديا بصوت عظيم: خافوا الله وأعطوه مجد لأنه قد جاءت ساعة حكمه واسجدوا لصانع السماء والأرض والبحر وينابيع المياه)(۵) فان في هذا النص إشارة إلى صيحة الحق كما في قوله تعالى : (وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ مِن مَّكَانٍ قَرِيبٍ، يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ)(۶).

۴ـ لا تطبيق للبشارات إلا على الإمام المهدي «عجل الله فرجه»

لا تنحصر فكرة المنقذ بالأديان السماوية، بل إن الإيمان بحتمية ظهور المصلح العالمي ودولته العادلة التي تضع فيها الحرب أوزارها ويعم السلام والعدل العالم، هذه الفكرة نجدها في مختلف المذاهب والفلسفات غير الدينية، فنجد في التراث الفكري الإنساني الكثير من التصريحات بهذه الحتمية، فمثلاً يقول المفكر البريطاني الشهير براتراند رسل: «إن العالم في انتظار مصلح يُوحّده تحت لواء واحد وشعار»(۷).

ويقول اينشتاين صاحب النظرية النسبية: «اليوم الذي يسود العالم كله فيه السلام والصفاء ويكون الناس متحابين متآخين، ليس ببعيد»(۸).

وكلام رسل واينشتاين هنا لم يحددا فيه مصداقاً معيناً للمصلح، فهما يؤمنان بأصل ضرورة قيامه.

والأكثر من هذا كله ما صرّح به المفكر الايرلندي المشهور برناردشو فقد بشّر بصراحة بحتمية ظهور المصلح وبلزوم أن يكون عمره طويلاً ربما يقترب من عقيدة الإمامية في طول عمر الإمام المهدي (عجل الله تعالى فرجه الشريف) ويرى ذلك ضرورياً لإقامة الدولة الموعودة، قال في كتابة «الإنسان والسوبرمان» في وصف المصلح بأنه «إنسان حيٌّ ذو بنية جسدية صحيحة وطاقة عقلية خارقة، إنسان أعلى يترقّى إليه هذا الإنسان الأدنى بعد جهد طويل، وانه يطول عمره حتى ينيف على ثلاثمائة سنة ويستطيع أن ينتفع بما استجمعه من أطوال العصور وما استجمعه من أطوار حياته الطويلة»(۹).

ومن الواضح أن ما يعتقدون به من ظهور مصلح في آخر الزمان لا يمكن تفسيره إلا على الإمام المهدي الحجة بن الحسن العسكري (عجل الله تعالى فرجه الشريف) لما هو ظاهر بالضرورة في معتقدنا (الشيعة الإمامية).

_________________

(۱) كتاب من يجرؤ على الكلام لبول منزلي ص۴۹۱ ط. بيروت لبنان.

(۲) أهل البيت في الكتاب المقدس / أحمد الواسطي ص ۱۲۱ ـ ۱۲۳٫

(۳) سفر شعيا نقلا عن كتاب اهل البيت في الكتاب القدس ص۱۲۲٫

(۴) الملل والنحل / الشهرستاني، ج ۱ ص ۲۲۷٫

(۵) أهل البيت في الكتاب المقدس/ أحمد الواسطي ص ۱۲۸، نقلاً عن سفر يوحنا ۱۴ : ۶ ـ ۷٫

(۶) تفسير القمي: ج ۲ ص ۳۴۴ وتفسير الآية ۴۱ ـ ۴۲ من سورة (ق).

(۷) المهدي الموعود ودفع الشبهات عنه / السيد عبدالرضا الشهرستاني: ص ۶٫

(۸) المهدي الموعود ودفع الشبهات عنه / السيد عبدالرضا الشهرستاني: ص ۶٫

(۹) برناردشو / عباس محمود العقاد: ص ۱۲۴ ـ ۱۲۵٫

المصدر: مؤسسة الكوثر