الإمام علي(ع) كما عرفه المفكرون

تنشأ الحضارات وتبني الأمجاد، لتدور دورتها الكاملة وفقا لقانون البدايات والنهايات، فلكل شيء بداية ونهاية تبدأ فتية وتستمر إلى ان تصل لشيخوخة الحضارة، ومن ثم موت الحضارة ولا يبقى منها إلا أطلال بالية، هنا وهناك تذكر بالماضي العريق المضمحل، فهي بدأت لتنتهي لأنها مادية شأنها شأن المادة تتكون من جزيئات وذرات ثم تنتهي ،هل يعني ذلك ان قانون البدايات والنهايات مهيمن على كل الحضارات، وما هو الموروث الحضاري الذي لا ينتهي ؟؟

لم تأت حضارة شاملة في التاريخ ككل كالحضارة الإسلامية، تلك الحضارة التي لها بداية وليس لها نهاية (( فالدين عند الله الإسلام )) وما عند الله باق لا ينتهي، فبدايته منذ ان خلق الله الأرض ومن عليها ومنذ ان أراد ان يجعل فيها خليفة، واستمرت البدايات مع ركب الأنبياء عليهم السلام ،لتصل لخاتم الأنبياء الذي أكمل الله الإسلام به وبعلي عليه السلام، فهما من شجرة واحدة (( ياعلي أنا وأنت من شجرة واحدة أنا أصلها وأنت فرعها والحسن والحسين أغصانها فمن تعلق بغصن من أغصانها أدخله الله تعالى الجنة ).

ولقد سبر المفكرون أغوار التاريخ الإسلامي، بحثا عن النموذج الأسمى الذي يمثل الإسلام بكل أبعاده، فلم يجدوا إلا علي ولو بحثوا وبحثوا ليطول بهم الزمن، فلن يجدوا غير علي الذي يمثل الإسلام بكل صوره، فالحضارة الإسلامية تجسدت فيه فهو أمة وحضارة في رجل، وكيف لا وهو الوصي والولي بأمر من الله (( إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون )) أنستكثر على أمير المؤمنين هذه المنزلة وقد شهدت بفضله الأمم بكل انتماءاتها وطوائفها، فالإمام عليه السلام يعتبر مدرسة فكرية وعلمية وأخلاقية كان لها الفضل فيما أضفته بظلالها الورافه على الحضارات الإنسانية .

لندع العقاد يحدثنا عما يجول بفكره عن الإمام علي عليه السلام قائلا (( في كل ناحية من نواحي النفوس الإنسانية ، ملتقى بسيرة علي بن أبي طالب رضوان الله عليه ، لأن هذه السيرة تخاطب الإنسان حيثما إتجه إليه الخطاب البليغ في سير الأبطال والعظماء ، وتثير في أقوى ما يثيره التاريخ البشري من ضروب العطف ومواقع العبرة والتأمل )) نعم ففي كل ناحية من النفوس هناك علي عليه السلام وفي كل علم تجد علي ولم يشأ العقاد ان يفارق فكره علياً عليه السلام ليعاود التحليق في سماء علي وآنا له الإحاطة بكل أبعادها قائلا (( وخلاصة ذلك كله ، أن ثقافة الإمام هي ثقافة العلم المفرد ، والقمة العالية بين الجماهير ، في كل مقام وإنها هي ثقافة الفارس المجاهد في سبيل الله ، يداول بين القلم والسيف ، ويتشابه في الجهاد بأسه وتقواه ، لأنه بالبأس زاهد في الدنيا ، مقبل على الله ، وبالتقوى زاهد في الدنيا ، مقبل على الله ، فهو فارس يتلاقى في الشجاعة دينه ودنياه ، وهو عالم يتلاقى في الدين والدنيا ، بحثه ونجواه )).

ولم يتفرد العقاد في التحليق في سماء علي فالإمام سماء يحلق فيها المفكرون بكل طوائفهم فالإمام ليس حكرا على المسلمين فقط فالمفكرون المسيحيون كان لهم نصيب من فكر علي عليه السلام فها هو المفكر والأديب الكبير ميخائيل نعيمة يحدثنا عن الإمام علي عليه السلام قائلاً ((ورأيي أنه من بعد النبي سيد العرب على الإطلاق ( يقصد بذلك أمير المؤمنين عليه السلام ) بلاغة وحكمة وتفهما للدين وتحمسا للحق ، وتساميا عن الدنايا فأنا ما عرفت في كل من قرأت لهم من العرب رجلا دانت له اللغة مثلما دانت لأبن أبي طالب ، سواء في عظاته الدينية ، وخطبه الحماسية ، ورسائله التوجيهية أو تلك الشذور المقتضبة التي كان يطلقها من حين لحين ، مشحونة بالحكم الزمنية والروحية ، متوهجة ببوارق الأيمان الحي ، ومدركة من الجمال في البيان حد الأعجاز إن عليا لمن عمالقة الفكر والروح والبيان في كل زمان ومكان )) .

وللأديب الكبير جبران خليل جبران حديثا عن كنه روح الإمام علي يقول (( في عقيدتي إن إبن أبي طالب كان أول عربي لازم الروح الكلية وجاورها وسامرها وهو أول عربي تناولت شفتاه صدى أغانيها على مسمع قوم لم يسمعوا بها من ذي قبل ، فتاهوا بين مناهج بلاغته ، وظلمات ماضيهم )) هذا على المستوى العربي الإسلامي والمسيحي ، أما على المستوى غير العربي فسيرة الإمام علي عليه السلام شغلت المفكرون بسحرها فحتى العلماء الغربيين ابو إلا المشاركة في التحليق في سماء علي عليه السلام فهذا الفيلسوف الانجليزي كارليل يقول في علي عليه السلام مقولته الرائعة (( أما علي ، فلا يسعنا إلا ان نحبه ونتعشقه ، فإنه فتى شريف القدر ، عالي النفس ، يفيض وجدانه رحمة وبرا ، ويتلظى فؤاده نجدة وحماسة ، وكان أشجع من ليث ، ولكنها شجاعة ممزوجة برقة ولطف ورأفة وحنان )) وكيف من عرفك لا يحبك يا أمير المؤمنين فهذا العالم عشق الإمام وعبر عن حبه الداخلي له بمجرد ان غاص في فكره الوقاد ، وقد شارك كارليل الباحث الفرنسي البارون كاراديفو بقوله في فروسية وجهادية علي عليه السلام قائلا (( وحارب علي بطلا مغوارا إلى جانب النبي وقام بمآثر معجزات ، ففي موقعة بدر كان علي وهو في العشرين من عمره ، يشطر الفارس القريشي ، شطرين بضربة واحدة من سيفه وفي أحد تسلح بسيف النبي ذي الفقار ، فكان يشق المغافر بضربات سيفه ، ويخرق الدروع )).

لم يغفل الفلاسفة والمفكرون عن الأجزاء الدقيقة من حياة علي عليه السلام فقد درسوه من عدة أبعاد ولكن في اعتقادي أنهم لن يصلوا لكل الأبعاد فمعرفتهم بعلي عليه السلام معرفة يقصر مداها عن إدراك علم علي وما قالوه هو قطرة في محيط علي عليه السلام فلا يعرف علي إلا الله ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم ..

الکاتب: محمد العرادي