الإنتظار والصراع بين المستضعفين والمستكبرين

بعد سقوط الاتحاد السوفيتي، ظهر كاتب أميركي ياباني الأصل بكتاب يتنبّأ فيه بسقوط الحضارة الغربيّة بعد سقوط الاتحاد السوفيتي حيث يقول أنّ التاريخ يتحرّك بعامل التحدِّي والاستجابة، ويوم كان للغرب ند ومنافس على الصعيد العسكري والسياسي والعلمي، كان هذا التحدِّي المتقابل والاستجابة للتحدِّي عامل استمراريّة الحضارة في الغرب، وبعد أن سقط الاتحاد السوفيتي تعطّل هذا العامل بحكم حتميّات التاريخ، لم يعد ممكناً أن يطول بقاء الحضارة الغربية، نحن مع هذا الفهم ومع هذا التصوّر ولكن بغير هذا التحليل وإنّما بتحليل آخر، غير ما يذكره هذا الكاتب، نحن نفهم أنّ الحضارة الغربية فقدت مقوّمات بقائها، ولم يعد بإمكانها مواصلة الشوط بعد أن فقدت الايمان بالله والتوحيد، فالتوحيد من مقوّمات حياة الانسان على وجه الأرض والمعادلة الالهيّة التي يقوِّم بها الله تعالى حياة الانسان تعرّضت لهزّة عميقة فانشطرت البشرية الى شـطرين، المستكبرين والمستضعفين في الأرض، واسـتخدم المسـتكبرون في الأرض كل الوسائل لإذلال وتركيع المستضعفين في الأرض، وانتزعوا من يد الناس، من يد الصالحين القوّة والامكانات. يقول سبحانه وتعالى: (ونريد أن نمنّ على الّذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمّة ونجعلهم الوارثين ونمكِّن لهم في الأرض).

هذه الآية الكريمة تبيِّن تلك الحقيقة، فالمعادلة تختلّ ولكنّ الله تعالى يعيد كل شيء إلى نصابه، فهذه مشيئة الله، وهي فوق كلّ مشيئة وإرادته فوق كل إرادة، فإرادة الله قاهرة، لا توازيه حتميّة من حتميّات التاريخ، فالله عزّ وجلّ يريد أن يعيد القوّة والإمامة والمواريث إلى أيدي الصالحين من عباده الذين استضعفهم الفاسدون من الناس، هذه مسيرة منحرفة، والله عزّ وجلّ خلق القوّة العسكرية والمال والإعلام، هذه العناصر الثلاثة للسلطة حتّى تكون بيد الصالحين، إن كانت القوّة بيد الصالحين فهذه القوّة تبني وتُعمِّر وتُصلح وتُثمر، وإن تحوّلت هذه القوّ إلى يد الفاسدين فأ نّها تتحوّل من عنصر بناء إلى عنصر تخريب وتتحوّل من عامل اصلاح إلى عامل إفساد، والله عزّ وجلّ لا يمكن أن يترك مسيرة التاريخ وعجلته بيد الفاسدين من الناس، فلو لاحظنا النقاط الثلاث التي تبيِّنها الآية الكريمة، فالاُولى قيادة البشرية وهي الإمامة، والثانية هي القوّة، والثالثة هي الوراثة. الله عزّ وجلّ يقول انّ هذه النقاط الثلاث: القيادة والإمامة، والوراثة، والقوّة، يجب أن نحوّلها من يد المستكبرين إلى المستضعفين، من الفاسدين إلى الصالحين. فننزع القيادة والإمامة من الظالمين والفاسدين، ونعطيها للصالحين، فالقيادة للصالحين. والأمر الثاني هو الوراثة، فهذه الإمكانات الهائلة والضخمة التي بأيدي الفاسدين من الناس ينقلها الله عزّ وجلّ إلى الصالحين من الناس، يقول تعالى: (ونجعلهم أئمّة ونجعلهم الوارثين).

الصالحون من عباد الله لديهم ميراثين، ميراث يرثوه من الأسلاف الصالحين، وميراث آخر يرثوه من الطّغاة والجبابرة. أمّا ميراثنا من الأنبياء والصدِّيقين من نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ورسول الله محمّد (ص)، فهو التقوى والتوحيد والتضحية والقِيَم والعَطاء والفداء والانسانية، هذا هو ميراثنا من الصالحين، أمّا ميراثنا الآخر من الجبابرة والطّغاة فهو القوّة والمال والإعلام، أي السلطة، هذا هو ميراثنا من أيدي الجبابرة، فالله عزّ وجلّ ينقل لنا هذا الميراث بشطرين، يقول تعالى: (ونمكِّن لهم في الأرض) يعطينا القوّة والسلطان في وجه الأرض، هذه هي مشيئة الله تعالى وإرادته، ولكن ارادة الله في حياة الانسان قانون ليس عفواً، يقول تعالى: (إنّ الله لا يغيِّر ما بقوم حتّى يغيِّروا ما بأنفسهم)، صحيح لا شيء يفوق إرادة الله تعالى، وصحيح انّ عجلة التاريخ لا تتحرّك من دون إرادة الله، ولكن أيضاً صحيح أنّ إرادة الله قانون ونظام في حياة الانسان.

نحن في عصر الانتظار، الانتظار في القيم الانسانية قيمة كبيرة، فقد ورد في الأحاديث: «المتنظِر لأمرنا كالمتشحِّط بدمه في سبيل الله».

وللانتظار معنيين، المعنى السلبيّ للانتظار والمعنى الإيجابيّ للانتظار، وانّ معنى من معاني الانتظار الترقّب. فأنا أنتظر كسوف الشمس وخسوف القمر، وهي أشياء خارجة عن إرادتي، هذا الانتظار نسمِّية الترقّب، وهذا الانتظار لا يغيِّر ولا يبدِّل الواقع ولا يحوِّل الواقع، ويبقى عامل الانتظار بمعزل عن الحدث الذي يتوقّعه الانسان تماماً. أريد أو لا أريد، أنتظر أو لا أنتظر، هذا الأمر لا يقدِّم ولا يؤخِّر لحظة واحدة، في كسوف الشمس لا يقرِّبه أو يبعده، ولكن لدينا نوعاً آخر من الانتظار الايجابيّ، الانتظار الّذي يتعلّق بالدور وفي صناعة الحدث. فالقائد الذي ينتظر النصر هو الذي يصنع النصر إذا كان يخطِّط ويعمل ويعبِّأ ويحشِّد الامكانات، إذا كان يوجِّه قدراته وقوّاته يستطيع أن يقرِّب النصر، وعندما لا يتحرّك يستطيع أن يبعد النصر، وعندما لا يتحرّك أكثر يمكن أن يتحوّل من النصر إلى الهزيمة، هذا نوع من الانتظار، الانتظار الذي نعيشه هو الانتظار الثاني، فالتاجر الذي ينتظر الرِّبح لو يجلس في بيته لا يتحرّك، لا يذهب إلى السوق، لا يسوِّق بضاعته، ولا يطّلع على الأسعار، مثل هذا التاجر يجب أن لا ينتظر الرِّبح، إنّما يصحّ أن نقول انّه ينتظر الرِّبح إذا كان يتحرّك وينزل إلى السوق ويسوِّق البضاعة ويعرف الأسواق العالميّة ويكون على صلة مباشرة، يحرِّك بضاعته ويحرِّك رأسماله، مثل هذا التاجر ينتظر ويتوقّع الرِّبح.

إنّ انتظارنا للامام المهدي (عج)، والّذي هو قيمة من القيم بالمعنى الثاني، المعنى الأوّل ننتظر الامام (عج) عندما يظهر الامام، هذا الانتظار عند الصيحة مثلاً، هذا الانتظار هو انتظار سلبيّ لا يشكِّل قيمة كالتي يقول عنها الإمام «المنتظِر لأمرنا كالمتشحِّط بدمه في سبيل الله»، هذا الانتظار ليس بقيمة ولا يشكِّل حركة أو تغيير في واقعنا، ويعبِّر عن المعنى الصحيح، يجب أن يكون انتظاراً يساهم في صناعة الحدث.

فظهور الامام (عج) شيء مرتبط بحركتنا، ومن الخطأ أن نتصوّر أنّ ظهور الامام (عج) منفصل عن حركتنا ووعينا وحياتنا السياسية والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، منفصل عن جهدنا وجهادنا وتحرّكنا، هذا الفهم السلبيّ للانتظار فهم خاطئ وغير ايجابيّ، والانتظار لا يشكِّل بذلك المعنى الذي ذكرته.

انّ الامام (عج) ينتظر حركتنا ولسنا نحن الذين ننتظر ظهور الامام، نستطيع أن نقلب المعادلة، نقول الحقيقة أنّ الامام ينتظر حركة هذه الاُمّة ووعيها.

فالانتظار يعني التحدِّي، فالإنسان الذي تلتهمه أمواج البحر وهو يرى أنّ قارب النجاة يقترب إليه بالتدريج، هذا يختلف عن الانسان الذي تبتلعه أمواج البحر عندما ينظر يميناً فلا يرى أملاً ينظر شمالاً فلا يرى أملاً، ينظر أمامه وخلفه لا يرى شيئاً، حينذاك يستسلم لأمواج البحر، أمّا الانسان الذي يرى أنّ قوارب النجاة تسعى إليه من الساحل، هذا الانسان يقاوم أمواج البحر.

فالانتظار إعداد، فكلّما أعددنا أنفسنا، أعددنا القوّة،أعددنا لأنفسنا وعياً،ووطّنّا أنفسنا لظهور الإمام(عج)كلّما اتّحدنا كثر، نقرِّب ظهور الامام إذا تآلفنا، إن وضعنا أيدينا بيد بعض، وجعلنا قلوبنا مع بعض، إن وحّدنا كلمتنا نقرِّب ظهور الامام، وإن اختلفنا وتشتّتنا، وإن انتزعنا أيدينا من بعض نبعد ظهور الامام (عج)، فظهور الامام شيء من واقعنا السياسي وواقعنا الحركي والاجتماعي.

الکاتب: الشيخ محمّد مهدي الآصفي