الإنسان والبحث في متاهات المعرفة عن الروح

أكثر شيء اختلف فيه الناس جميعاً منذ الخلق الأول وحتى يومنا هذا وإلى يوم البعث الكبير هو (الروح)، ولم يقتصر هذا الاختلاف على أهل الديانات فقط بل شمل سائر العقائد السماوية وحتى الوضعية، وقد بدأ مبحث الروح منذ ارسطو وأفلاطون وسقراط واستمر على ألسنة الفلاسفة حتى جاء الماديون الجدد لينفوا كلية وجود الروح.
فما هو الروح؟ وما معنى قوله تعالى “خلقته من روحي”؟ وهل هذا يعني أن في الإنسان شيئاً يشبه الله؟
تزوير حديث النبي الأكرم
خرجت من بطن التاريخ الإسلامي فئة من المسلمين تقول بتشبيه الله عزوجل لعباده، ولها اليوم اتباع في عصرنا الحاضر، وقد حكمت جميع الفرق الإسلامية بكفر هذه المجموعة وبشركها البين من خلال أفكارها التي تنزل فيها الباري عزوجل إلى مرتبة خلقه في تشبيهها له لهذا الخلق الضعيف.
وكانت تلك الفئة التي ظهرت بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تقتطع شيئاً من مقالة النبي الأعظم وتقول بأن النبي تحدث بكذا وكذا… وكانت من جملة مزاعمها (أن الله خلق آدم على صورته) وينقلون هذا الكلام على أساس أنه حديث لرسول الله صلى الله عليه وآله، ومن يقرأ هذا الكلام يجد أنه تام المعنى ولايشعر فيه شيء من النقص.
الإمام الرضا سلام الله عليه يحل هذا اللغز ويفضح هؤلاء المشركين المتلاعبين بالدين وبأحاديث الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله، ففي رواية عن الهمداني عن علي عن أبيه عن علي بن معبد عن الحسين بن خالد قال: قلت للرضا عليه السلام: يا ابن رسول الله، إن الناس يروون أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: إن الله خلق آدم على صورته، فقال: قاتلهم الله لقد حذفوا أول الحديث، إن رسول الله صلى الله عليه وآله مر برجلين يتسابان، فسمع أحدهما يقول لصاحبه قبح الله وجهك و وجه من يشبهك! فقال صلى الله عليه وآله: يا عبد الله لاتقل هذا لأخيك فإن الله عزوجل خلق آدم على صورته. (البحار، ج۴، ص۱۱).
من الواضح إن الذين نقلوا الحديث بهذه الصورة، كانوا قد اقتطعوه حتى يوافق افكارهم ورؤاهم المنحرفة والضالة، بمعنى أنهم يستفيدون من النصوص الدينية لمعارضة الدين وإسقاط مفاهيمه، وهذه الظاهرة لم تقتصر على مثل هذه المجموعة الضالة بل كانت شائعة حتى بين الفئات السياسية آنذاك.
المهم في الموضوع الذي بين أيدينا هو أن “خلقته من روحي” لاتعني أنه عزوجل خلقه على شاكلته، فهذه الكلمة تحتمل معاني كثيرة من بينها:
أولاً: خلقته من روحي بمعنى خلقته بقدرتي؛ فبالقدرة الإلهية خلق آدم عليه السلام من غير أن يشبهه شيء، فعن أبي عبد الله عليه السلام في قوله عزوجل: “فإذا سويته ونفخت فيه من روحي” قال: من قدرتي.
ثانياً: خلقته من روحي بمعنى خلقته لأجلي، واصطفيته من بين الخلائق ليكون خليفتي في الأرض وفي هذا ورد عن أبي عبد الله الصادق عليه السلام قال: “سألته عن الروح التي في آدم، قوله: “فإذا سويته ونفخت فيه من روحي”، قال: هذه روح مخلوقة لله، والروح التي في عيسى بن مريم مخلوقة لله”. (البحار، ج۴، ص۱۳).
وفي رواية أخرى عن أبي أيوب، عن محمد بن مسلم قال: سألت أبا جعفر الباقر عليه السلام عما يروون أن الله عزوجل خلق آدم على صورته، فقال: هي صورة محدثة مخلوقة إصطفاها الله واختارها على سائر الصور المختلفة فأضافها إلى نفسه كما أضاف الكعبة إلى نفسه، والروح إلى نفسه فقال: بيتي وقال: “نفخت فيه من روحي”. (ذات المصدر).
وأما الذين قالوا بأن روح الإنسان هي من روح الله فإنما كان مرادهم القول بألوهية الإنسان وأنه ذاته معاذ الله لاتختلف عن الذات الإلهية في شيء، وهذا الكلام باطل ولا يجب أن يقبل به عاقل، إذ كيف ترضى أيها الإنسان أن تعبد الهاً ناقصاً، لأن تشبيه الرب حاشا ذكره بخلقه بأي صورة من الصور معناه وصفه بالنقص والضعف والعجز – تعالى الله عن ذلك-.
اننا نلاحظ مستوى العجز والضعف الإنساني، حتى إذا قلنا بقوة الروح وتسلطها على البدن، فإننا أيضاً نستطيع أن نكتشف وبسهولة عجز الروح وضعفها إذ هي الآن محصورة في قفص الجسد، ولو كانت هذه الروح ذات صفات ربانية أو ألوهية لكانت قد حررت نفسها من سجن الجسد لأنها بطبعها تميل إلى العلو والسمو والطيران واختراق الأجساد الصلبة المادية، فمع اعترافنا بامتلاك الروح لمثل هذه القدرات خارج إطار الجسد، لكن تبقى قدراتها محدودة بما حددها الله عزوجل لها، بل هي الآن أسيرة تحولات وأوضاع الجسد.
المعرفة الأقل بالروح أسلم!
الجهل هي مشكلة الإنسان الأساس، فهو بسبب جهله بحقيقة الروح وماهيتها تأخذه في ذلك ظنوناً شتى، ولا تربطه أي واحدة منها بالحقيقة التامة، فما هي الروح؟
عندما سُئل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن الروح. لم يُجب عن ذلك وقال: أنها من أمر ربي، وحتى الأئمة الأطهار عليهم أفضل الصلاة والسلام لما تحدثوا عن الروح وتحدثوا عن طبعها وخصائصها فإنهم لم يتكلموا أبداً عن ذات الروح والسبب أن القرآن الكريم نفسه أحجم عن الاجابة عن هذا الموضوع، ولم يكشف هذه الحقيقة، قال تعالى: “وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً” (الإسراء /۸۵).
فالروح هي من أمر الله ولايطلع على أمر الله أحد من خلقه لأن فيه أسرار الخلق والكون مما لاينبغي أن يطلع عليه الناس، فلو افترضنا تعرّف الانسان على المكون العلمي للروح فإنه بلاشك سيقدم على خلق الأرواح والتلاعب بأمور الخلقة والكون، وموضوع الاستنساخ خير دليل على ذلك، فالأفضل للإنسان والحياة البشرية أن يظل هذا الموضوع طي الكتمان حتى تصل الحياة إلى مقصودها بسلام وأمان.
ومما ذكره الأئمة الأطهار سلام الله عليهم في وصف الروح أنها جسم رقيق لايمازج البدن ولايؤاكله ولايتداخل فيه وقد جاء في الأحاديث الشريفة عن أبي بصير عن أحدهما (عليهما السلام): سألته عن قوله: “ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي” قال: التي في الدواب والناس قلت: وما هي؟ قال: هي من الملكوت، من القدرة. (البحار، ج۶۱، ص۴۲) فالروح هنا هي التي تهب الحياة للجسد فهو يتحرك بها. فالروح تحيط البدن وهي كاللباس الشفاف بالنسبة إليه، هذا ما ذكره الإمام الصادق عليه السلام ايضاً وقال: (الروح جسم رقيق قد البس قالباً كثيفاً)، فالبدن هو قالب ثقيل بالنسبة إلى الروح التي هي من جنس وعنصر وجسم رقيق.
ولابد أن نعرف بأن للروح حالات كما للجسم، غير أن حالات الروح مختلفة عن حالات الجسم. يذكر ذلك أمير المؤمنين سلام الله عليه الذي قال: (إن للجسم ستة أحوال: الصحة، والمرض، والموت، والحياة، والنوم واليقظة، وكذلك الروح، فحياتها علمها، وموتها جهلها، ومرضها شكها، وصحتها يقينها، ونومها غفلتها، ويقظتها حفظها). (نفس المصدر)
وكما يبدو فأن للبدن حاجة وللروح حاجة، ومن الصعب تلبية حاجة الاثنين، لأن التوفيق بينهما يبدو أنه غير متحقق في عالم الدنيا، لأن حاجات البدن تعارض في معظم الأحيان حاجات الروح، ولابد من خلق التوازن بين حاجات هذين الجنسين أو العنصرين اللذين ينتمي كل واحد منهما إلى عالم يختلف عن عالم الآخر، فالروح هي من عالم الملكوت والبدن من أدنى عالم وهو الأرض وتحقيق الوفاق بين الأرضي والملكوتي هو أمر صعب.

الکاتب: يونس الموسوي