الإيمان أساس لانطلاقة الإنسان وحركته

بسم الله الرحمن الرحيم

يقول (عليه السلام): (الإيمان سبيلٌ أبلجُ المنهاج، أنورُ السراج)، والمراد من الإيمان هنا هو ما دعت اليه الأديان من الإيمان بالتوحيد والمعاد والنبوة، وطبعاً لا شك في أهمية الايمان بوصفه أساساً لانطلاقة الإنسان وحركته، فما لم يكن هناك دافع لدى الانسان لا يكون هناك معنىً لحركته.

هناك فرق بين الإيمان والعلم، فقد تكون عالماً بشيءٍ دون أن يكون لك موقف او سلوك عملي تجاهه، بخلاف ذلك في حالة الإيمان، حيث لا يكفي مجرد العلم اذا لم يكن مصحوباً بالعمل، نعم ان العلم عنصر حيوي بالنسبة الى الإيمان اذ لا ايمان مع الشك، إلا ان العلم لوحده ليس كافياً، كما نجد ذلك في القرآن الكريم حكاية عن قصة موسى (عليه السلام) وفرعون، اذ يقول تعالى: ((وجحدوا بها واستيقنتها انفسهم ظلماً وعلواً))۱٫

فحينما صدع موسى (عليه السلام) بدعوته وجاء لهم بتلك المعجزة الكبرى التي اذهلت السحرة انفسهم -بعد ان تصوروا أنّها من قبيل اعمالهم- فسجدوا لموسى (عليه السلام) وآمنوا به رغم تهديد فرعون لهم، عندها أيقن الملأ من قوم فرعون بصدق موسى (عليه السلام) ودعوته، بيد انهم جحدوها وانكروها، وذلك لظلمهم وعلوّهم، ولان تكبّرهم لم يكن يسمح لهم بالاذعان والتسليم الى الحق.

ومن هنا كان الايمان تسليماً للحقيقة خلافاً للعلم المجرد، فأحياناً يحاط الانسان علماً بمسألة دون ان يذعن بها بل وقد يقف أمامها ويصدّ عنها.

ومن هنا كان الجهل والشك في مقابلة العلم، في حين ان الجهل لا يكون في مقابلة الايمان، وانما يكون في قباله الكفر، بمعنى التغطية، فبعد ان يصل الى اليقين يقوم بتغطيته وستره، وعليه فالنقطة المقابلة للتغطية هي الايمان بمعنى التسليم والاذعان والانقياد، فكل ما ترونه حقيقةً وتؤمنون به يشكّل أساساً ومنطلقاً لسلوككم.

ترون حالياً من يدافع عن مذهباً اقتصادياً او اجتماعاياً ويضحي من أجله ويدفع عنه بالغالي والنفيس، والمثال الواضح لذلك ظهور بعض الانتماءات الماركسية في أيام شبابنا، وهناك من أدرك تلك المرحلة منكم، حيث كان هناك، المؤمنين بالفكر الماركسي من يضحّي بنفسه من أجل تلك المفاهيم، وما ذلك إلا لإيمانهم الذي يشكل دافعاً لسلوكهم العملي، حتى لو كان على مستوى الجود بالنفس، دون ان يكون بحاجة الى دافع خارجي مضاف الى ايمانه، فالايمان لوحده كافٍ لتحريكه، وهو ما سأتطرق اليه في الجملة اللاحقة.

قلت: إن مراد أمير المؤمنين (عليه السلام) هو الايمان الديني دون الايمان بالامور الباطلة كالاوثان ونحوها، حيث يقول: (سبيل أبلج المنهاج) فلو سلكه الانسان يعقله وفطرته لوجده واضحاً لا شبهة فيه، ولوجده (أنور السراج).

ثمّ أضاف قائلاً: (فبالايمان يستدل على الصالحات، وبالصالحات يستدل على الإيمان)، أي هناك تأثير وتأثر متقابل بين الايمان والعمل الصالح، ويبدو لي ان هذه نقطة مهمة جدّاً، فعلينا ان نعمل على تقوية ايماننا من خلال القيام بصالح الاعمال، كما يجب تحديد العمل الصالح من خلال الايمان.

تلاحظون ان عدداً من المسلمين الأوائل لا يتجاوز الخمسين، قد أخلّوا بالواقع الاسلامي الى يومنا هذا بسبب تخلفهم عن اوامر النبي صلى الله عليه وآله ، فانهم وان لم يكونوا طالحين وكانوا من البدريين الا انهم خدعوا وتركوا مواقهم للحصول على الغنائم، مما هيّأ الفرصة المناسبة للعدو في السيطرة على الموقف وإراقة تلك الدماء الطاهرة، كدم حمزة سيد الشهداء، وادى ايضاً الى اصابة النبي صلى الله عليه وآله بالجراحة.

وقد قال تعالى بشأن هؤلاء النفر: (ان الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان إنّما استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا)۲، أي ان عملهم هذا كان ناشئاً عن أخطاء سابقةٍ صدرت عنهم، فكل زلّة تتبعها زلاّت أخر، أي انها تضعف دعامة الايمان، واذا ضعف الايمان أثّر سلبياً على العمل دون علم الانسان بذلك، كسائر التغييرات التي تطرأ على الانسان طوال حياته دون ان يشعر بها.

رحم الله السيد الخاتمي والد رئيس الجمهورية المحترم، فذات يومٍ حينما رجعت من المنفى عام ۱۳۵۷ هـ ش، ذهبت اليه في (أردكان) وكان له من العمر آنذاك خمس وسبعون سنة، الا انه قال لي حينها: اقول بلساني اصبحت هرماً الا انني لا استشعر ذلك واتصور انني لا زلت في الثلاثين من عمري، وهذا ما نستشعره نحن حالياً ايضاً، اذ لا ندرك هذا التغير الذي يطرا علينا برغم وضوحه، وهكذا الامر بالنسبة الى الايمان؛ أي ان الانسان لا يشعر بالنقص الحاصل في إيمانه.

إن التأثير السلبي للايمان على العمل وبالعكس يؤدي الى ما حصل في احد من الانتكاس وغيره من الانتكاسات من قتل الامام الحسين (عليه السلام) بعد خمسين سنة من ذلك، وقد ذكرت مرة ان هذه عبر تاريخية، وانها أبلغ تأثيراً من الدروس.

جاء في الحكمة الثلاثين من نهج البلاغة سؤال (عليه السلام) عن الايمان، فقال: (الايمان على اربع دعائم)، أي أن هذه الدعائم اذا كانت متينة ومحكمة كان الايمان مستقراً وثابتاً، وبخلافه لو كانت متداعية او متزلزلة، وان هذه الدعائم الاربع هي: (الصبر واليقين والعدل والجهاد). فالدعامة الاولى هي الصبر والاستقامة في كافة المجالات، فلو كان لديكم برنامج محدد، امضوا عليه واصبروا عليه حتى النهاية، فلو طرأت عليكم مصيبة في الاثناء، فلا ينبغي لتلك المصيبة ان تفتّ من عزائمكم، ولو واجهتم معصية فعليكم ان تقاوموا ولا تستسلمو لها، فالصمود يختلف باختلاف المواقف والحالات، الا ان معناه واحد فيها جميعاً، اذ يعني قدرة الانسان على التحمّل، كالصبر على الطاعة والصبر عن المعصية او الصيبة.

الدعامة الثانية هي اليقين، وكما قلنا فان اليقين هو العلم، فلا ينبغي زعزعة الايمان بالشك، نعم لو طرأ على الذهن تساؤل بشكل طبيعي، فلا بد من السعي للعثور على جوابه حتى يرتفع الشك، فلا ينبغي أن يستقرّ الشك ليتحول الى وسوسة تقضّ مضجع ايمانه وايمان الآخرين.

الدعامة الثالثة هي العدل، وهو يعني وضع كل شيءٍ في موضعه، والعدل لغة هو الحالة الوسطى ومنها أخذ الاعتدال، بمعنى عدم الافراط او التفريط او الانحراف يميناً او شمالاً، ومن هنا قيل (إن العدل هو وضع الشيء في موضعه)، أي لو وضع كل شيءٍ في موضعه لحصل ذلك الاعتدال الذي اوجده الله تعالى في الطبيعة على اساس العدل.

فالعدل ضروري للانسان في سلوكه وحكمه ومواقفه واظهار حبه وبغضه، قال تعالى: (ولا يجرمنّكم شنآن قوم على ان لا تعدلوا اعدلوا هو اقرب للتقوى)۳، ومن هنا كان العدل دعامة للايمان.

الداعمة الرابعة والأخيرة هي الجهاد، بمعنى بذل الجهد وتفريغ الوسع للتغلب على عقبة او عدو، فيشمل الجهاد العلمي والاجتماعي والسياسي والعسكري، وعلى هذا المعنى جاء استعمال لفظ الجهاد في القرآن والسنة، فلا يختصّ الجهاد بالعمليات المسلّحة.

وبعد ذلك أخذ الامام أمير المؤمنين (عليه السلام) بشرح هذه الدعائم واحدة واحدة، فقال مثلاً في الجهاد: (والجهاد منها على أربع شُعَب: على الامر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والصدق في المواطن) أي ان الانسان لابد ان يكون صادقاً في اتخاذ المواقف السياسية، ومن هنا كان الصدق في المواقف جهاداً، قال تعالى: (ومن المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه)۴٫

وأما الشعبة الاخيرة للجهاد فهي (شنآن الفاسقين) بمعنى مفارقة تيار الفسق والكفر، واقول ذلك لكم بشكل خاص، فعليكم الانفصال عن هذا التيار وعدم مخالطته.

فأنا وان كنت لا أرى ضرورة لقطع العلاقات مع الكفار، ولكن لابد من تحديد الحدود بيننا وبين الكفار والفاسقين، فقد تكون هناك ضرورة الى التعامل مع من لا يؤمن بالجمهورية الاسلامية، الا ان هذا لا يعني الاندكاك فيه وإلغاء الحدود، وأنا لذلك أعاتب بعض المسؤولين في النظام بسبب إلغائهم الحدود، وقد ذكرت لهم مرة إن إلغاء الحدود يعني الاندكاك والذوبان في الجهة الاخرى، فلا بد من مراعاة الحدود ليتم من خلاله تمييز الخبيث من الطيب.

ثم قال (عليه السلام): (ومن شنئ الفاسقين وغضب لله، غضب الله له وارضاه يوم القيامة).

ومن كلام له (عليه السلام) في الايمان: (فمن الايمان ما يكون ثابتاً مستقراً في القلوب، ومنه ما يكون عواري بين القلوب والصدور الى اجل معلوم).

فهناك نوعان من الايمان: إيمان ثابت ومستقر، وإيمان مستودع سريع الزوال، فالأول هو الناتج عن دراسة واستدلال ورؤية ثاقبة، ويكون مدعوماً بالعمل الصالح، والثاني هو الناشئ عن العواطف دون المنطق، فلا يصحبه شيءٍ من صالح الاعمال، فلا يكون مستقراً وهناك اجل محدود لزواله، لعدم تأصله فيه، ويكون اجل زوال هذا النوع من الايمان عند ظهور الصعاب وغلبة الأهواء، فاذا كان مادّياً مثلاً، وصار في مفترق طرق الايمان والماديات سلك طريق الماديات، وهناك من ينساق وراء الشهوات الجنسية او المناصب.

فعلينا ان نلجأ الى الله ونعوذ به من مضلات الفتن، والطريق الى ذلك هو التقوى والاستمرار في مراقبة النفس. ومن هنا يدرك الانسان سرّ التحول البالغ ۱۸۰ درجة في بعض الشخصيات منذ بداية الثورة الى يومنا هذا، فتحول من من مؤمن مخلص صادق الى عدوّ معاند معارض لدود، فهؤلاء هم ذوو الايمان غير المستقر.

وكما قلت فان هذا الايمان لا يستأذن الشخص عند زواله، بل يزول تدريجاً دون وعي الانسان، فلابد اذن من مراقبة النفس والاستعاذة بالله.

الجملة الاخيرة فيما يتعلق بعهد الامام (عليه السلام) الى مالك الاشتر، وهو عهد عجيب، وان الحكم فيه لا تعدّ ولا تحصى، وان الانسان ليستشعر الضآلة لعظمتها وعمقها، فقد جاء في هذا العهد: (وانما يؤتى خراب الارض من اعواز أهلها)، أي ان الناس اذا افتقروا فسوف يدبّ الخراب الى ارضهم.

والامام انما يبين هذا الشيء كحقيقة، وليس مجرد فلسفة، والكلام لا يخص ارض مصر وان كان الكلام موجّه الى الوالي عليها، فهو يشمل سائر الاراضي الاخرى، فلو امكن اغناء اهل الارض امكن عمارتها، وان افقرتهم او ابقيت على فقرهم او لم تتمكن من القضاء على فقرهم فسوف تتعرض ارضهم الى الخراب.

ثم يقول مضيفاً: (وانما يعوز أهلها لأشراف أنفس الولاة على الجمع)، فسبب افتقار الناس يعود الى الحكام والولاة، فهم الذين يعملون على انتشار الفقر بين الناس من خلال استئثارهم بالثروات.

وهناك أشكال لاستئثار الولاة، منها ما هو ضارب في القدم، وهو ما قرأناه في كتب التاريخ عن العصر القاجاري وناصر الدين شاه وغيره، ومنها ما هو من قبيل رضاخان الذي لم يكن استئثاره ليقف عند حدّ، وكان هناك في حاشيته من يتنعم بفضل خِوانه، حتى اتخذ هذا الاسئثار شكلاً حضارياً في عصرنا، حيث اخذت الحكومات تلبس مسوح الديمقراطية لتخفي واقعها الاستبدادي الذي تقوم الشركات الاقتصادية بقيادة دفتّه من وراء الكواليس، فاخذت تمارس دورها الاستبدادي ولكن بشكل مبطن.

فلم تعد تقول: (احكم بذلك) كما كان يصنع رضاخان، ولم تتخل عن لياقتها الديمقراطية، الا ان النتيجة واحدة، فلابد ان يصبّ الحكم في النهاية لصالح تلك الشركات، حتى لو توقف ذلك على غزو بلدٍ مثل العراق، فان الذي ينتفع من نفط الشرق الاوسط والسيطرة عليه، والذي يخطط لشرق أوسط كبير هو تلك الشركات الرأسمالية الكبرى.

فقد يقال لا يوجد فقير في انجلترا أو أمريكا بنسبة سكان هذه البلدان، الا ان هذه المعادلة لا ينبغي التعويل عليها فلابد من الاعتبار بالفقر الذي سببه الانكليز في شبه القارة الهندية، او الفقر الذي اوجده الاستعمار في افريقيا وأمريكا اللاتينية، أو الفقر الذي أحدثته الولايات الامريكية مع ما لها من القوة الاقتصادية في كافة انحاء العالم، فالعبرة هنا.

وطبعاً هناك فقر واختلاف طبقي كبير حتى في هذه الدول نفسها، بل ان الشرخ الاقتصادي فيها مذهل واكثر منه في بلدان العالم الأخرى، هذا مضافاً الى انه لا ينبغي الاقتصار في احتساب الفقر على تلك البلدان، وانما لابد من أخذ العالم بنظر الاعتبار أيضاً لامتداد سلطتهم في كافة أنحاء العالم.

إلا اننا لسنا بصدد الدخول في المسائل العالمية، وانما نريد محاسبة أنفسنا، فاذا أردنا عمارة الدين فعلينا كمسؤوليين نمسك بزمام الامور الادارية والاقتصادية، أن نضبط أنفسنا و لا نتركها تشرف على الجمع والاستئثار، لان سبب هذا الاستئثار من قبل الولاة كما بينه أمير المؤمنين (عليه السلام) هو: (سوء ظنهم بالبقاء وقلة انتفاعهم بالعبر)، أي انهم يخافون على بقائهم في المستقبل فيقبلون على الجمع ضماناً لمستقبلهم، في حين انه ينبغي عليهم الاتكال على الله، وكذلك لقلّة اعتبارهم بمن تقدمهم.

أرجو أن أتعض بما ذكرته قبل غيري لكوني أحوج الى ذلك، ويجب أن تكون حركتنا أكثر واقعية وجدية، اذ اننا نقرأ في دعاء كميل: (وهب لي الجدّ في خشيتك) اذ لا مجال للتهاون هنا، وهناك ما هو أكثر جدية من مسائل هذه الحياة، الا وهي مسائل الموت والقبر واستجواب الله لنا، ومسألة البرزخ والقيامة، فعلينا ان نأخذها بجدية.

أسأل الله ان يجعلنا واياكم من المتعضين بكلام أمير المؤمنين (عليه السلام).

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

الكاتب: السيد علي الخامنئي