الاجتهاد في التفسير

التفسير : مبالغة في الفسر بمعنى الكشف والابانة . قال تعالى ( ولا يأتونك بمثل الا جئناك بالحق وأحسن تفسيرا )(۱) ( أي تبيينا وتوضيحا . والفسر والسفر من أصل واحد في الاشتقاق الكبير ) (۲) ( كلاهما بمعنى الابراز والاظهار ، قال الراغب الاصفهاني : هما متقاربا المعنى كتقارب لفظيهما ، لكن جعل الفسر لاظهار المعنى المعقول ، والسفر لابراز الاعيان للابصار . يقال : سفرت المرأة عن وجهها وأسفرت ، أي كشفت عن وجهها بمعنى رفع النقاب .

وأسفر الصبح اذا بدا وطلع الفجر . والفسر والتفسير مجردا ومزيدا فيه كلاهما بمعنى الكشف والابانة ، متعديان الى المفعول به ، غير ان في التفعيل مبالغة ليست في المجرد ، نظير الكشف والاكتشاف ، فهما متعديان الى المفعول به ، يقال : كشفه واكتشفه ،بمعنى واحد ، غير أن في الافتعال مبالغة وصرف جهد لم يكن في الثلاثي ، فمطلق الكشف عن الشي لا يقال له الاكتشاف الا اذا كانت في كشفه واظهاره مزيد عناية وبذل جهد كثير .. وهكذا الفرق بين الفسر ، والتفسير لا يكون تفسيرا اذا لم يكن هناك عناء وبذل جهد في رفع الابهام عن وجه الية ، والا فمجرد ترجمة الالفاظ أو تبديلها بنظائرها في افادة المعنى ، لا يكون تفسيرا . ومن ثم كان التفسير في المصطلح هو : بذل الجهد في رفع الابهام عن اللفظ المشكل ، فلابد هناك اشكال في اللفظ قد أوجب ابهاما في المعنى ، فيبذل المفسر عنايته برفع ذلك الابهام ودفع الاشكال ، حسبما أوتي من حول وقوة وما تهيأ له من أدوات التفسير وأسبابه .

والتفسير في ماهيته على نوعين : أثري ونظري . والاول يعني : التفسير بما ورد من آثار الاقدمين من أقوال وآراء حول تبيين اليات الكريمة ، في مثل أحاديث الرسول ( صلى الله عليه وآله ) ، وأقوال صحابته المرضيين ، وآراء التابعين لهم باحسان ، مضافا اليها ما ورد من روايات أهل بيته الطاهرين ، وهذا ما يسمى بالتفسير بالمأثور أو التفسير النقلي . وهذا قد يكتفي بذكر الاثر مجردا عن أي نقد أو بيان ، كما داب عليه جلال الدين السيوطي في تفسيره الدر المنثور ، والسيد هاشم البحراني في البرهان ، والعروسي الحويزي في تفسيره نور الثقلين . والاخر ما يصحبه البيان والنقد احيانا ، كما نجده في تفسير جامع البيان للطبري وتفسير ابن كثير ، وتفسير الصافي للفيض الكاشاني ، وكنز الدقائق للمشهدي . والنوع الثاني من التفسير ، هو التفسير الاجتهادي ، المبتني على اعمال الرأي والنظر في فهم معاني القرآن الكريم .

وللاجتهاد في التفسير اسس ودعائم عليها ترسو قواعده ، وتبتني اصوله ..على ما شرحه الراغب في مقدمته في التفسير ، وسنشير اليها . والتفسير يرتفع في اصوله الى فترة حياة الرسول ( صلى الله عليه وآله ) ، حيث كان الصحابة اذا أشكل عليهم فهم آية ، كانوا يراجعون النبي ويسألونه الايضاح والتبيين ، فيجيبهم عليه حسب وظيفته الرسالية في تبيين مفاهيم القرآن . قال تعالى : ( وأنزلنا اليك الذكر لتبين للناس ما نزل اليهم ولعلهم يتفكرون (۳) . فقد انزل القرآن على النبي ليبين للناس معانيه ، مما أشكل عليهم فهمه ، ليكون ذلك ذريعة الى مزاولة فهمهم وفكرتهم في استخراج معانيه والبسط فيها .

فمما سئل فيه النبي ( صلى الله عليه وآله ) عن المعنى المراد من الية ، ما جاء سؤالا عن ( السائحون ) في قوله تعالى : ( التائبون العابدون الحامدون السائحون الراكعون الساجدون (۴) حيث وقع هذا الوصف مدحا يزاوله المؤمنون . فقال ( صلى الله عليه وآله ): (هم الصائمون ) (۵) .

قال الطبرسي : السائح من ساح في الارض ، يسيح سيحا اذا استمر في الذهاب ، ومنه السيح للماء الجاري ، قال : ومن ذلك يسمى الصائم سائحا ، لاستمراره على الطاعة في ترك المشتهى … ، قال : وروي عن النبي ( صلى الله عليه وآله ) أنه قال : ( سياحة أمتي الصيام ) (۶) . نعم انما كان الصيام سياحة للمؤمن ، لانه عبادة خالصة يقوم بها العبد ، طالبا وجه ربه ، بعيدا عن كل شائبة الرياء والضمائم التي قد تعتري سائر العبادات ، فالصائم خالص بوجهه للّه ، هائم في بيداء عبادة ربه الكريم ، لا تثنيه عن عزمه شوائب الاكدار ودنائس الاقذار . وسأل رجل من هذيل عن قوله تعالى : ( ومن كفر فان الله غني عن العالمين ) (۷) ما هو المراد من الكفر هنا ، حيث كان ترك الحج وهو فريضة كسائر الفرائض آلا يوجب كفرا بالله تعالى ؟ فقال ( صلى الله عليه وآله ) : من تركه لا يخاف عقوبته ولا يرجو مثوبته ) (۸) أي من ترك الحج ترك جحود ، ناشئا عن عدم الايمان بشريعة الله تعالى .

وهكذا في سائر الموارد ، حيثما وجد ابهام في وجه الية ، كانوا يراجعونه ( صلى الله عليه وآله ) ويسألونه الحل والايضاح ، وقد أوردنا غررا من ذلك في كتابنا : ( التفسير والمفسرون ) حقل التفسير المأثور عن النبي ( صلى الله عليه وآله ) . وايضا كان ( صلى الله عليه وآله ) يتعرض للتفسير بنفسه عند ما يلقي على أصحابه شيئا من آيات الذكر الحكيم . كان ( صلى الله عليه وآله ) يتلو على أصحابه العشر من اليات ، لا يتجاوز هن حتى يعلمهم تفسيرها وتأويلها ، فقد أخرج ابن جرير باسناده عن ابن مسعود ، قال : كان الرجل منا اذا تعلم عشر آيات ، لم يتجاوزهن حتى يعرف معانيهن والعمل بهن ، وقال أبوعبد الرحمان السلمي : حدثنا الذين كانوا يقرئوننا ، أنهم كانوا يستقرئون من النبي ( صلى الله عليه وآله ) فكانوا اذا تعلموا عشر آيات ، لم يخلفوها حتى يعلموا بما فيما من العمل ، قال : فتعلمنا القرآن والعمل جميعا ) (۹) .

هكذا داب رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) على تعليم أصحابه الاجلاء معاني القرآن وتفسير ما ابهم منه ، الى جنب تعليم قراءته وتلاوته . غير ان المأثور من التفسير المرفوع الى النبي ( صلى الله عليه وآله ) قليل جدا ، حسبما جمعه جلال الدين السيوطي فى آخر كتابه الاتقان ، فبلغ ما يقرب من مئتين وخمسين حديثا مرفوعا الى النبي ( صلى الله عليه وآله ) ، وقال : الذي صح من ذلك قليل جدا ، بل اصل المرفوع منه فى غاية القلة . وأخيرا قام زميلنا الفاضل السيد محمد برهاني نجل العلامة المحدث البحراني صاحب تفسير البرهان ، بجمع ما أثر من تفاسير مرفوعة الى النبي ( صلى الله عليه وآله ) ، مروية عن طرق أهل البيت ( عليهم السلام ) ، فبلغ لحد الن حوالي أربعة آلاف حديث مرفوع الى النبي ( صلى الله عليه وآله ) في التفسير ، ولا يزال يزيد ما دام العمل مستمرا ، وفقه الله تعالى .

واما عهد الصحابة ، فلم يزل الامر على ذلك ، كانوا مراجع الامة في فهم ما أشكل من القرآن ، وكان من الصحابة أربعة اشتهروا بعلم التفسير ، وهم : علي بن أبي طالب وكان راسا وأعلم الاربعة وعبد الله بن مسعود ، وأبي بن كعب ، وعبد الله بن عباس ، كان أصغرهم سنا وأوسعهم باعا في نشر التفسير ، وذلك لتفرغه في ذلك ، دون من عداه .

قال الامام بدر الدين الزركشي : … وصدر المفسرين من الصحابة هو علي بن ابي طالب ثم ابن عباس ، وهو تجرد لهذا الشأن ، والمحفوظ عنه أكثر من المحفوظ عن علي ، الا ان ابن عباس كان قد أخذ عن علي ( عليه السلام ) (۱۰) ثم يجئ دور التابعين ، ليتوسعوا في التفسير ، توسعا مطردا مع الزمان ومتناسبا مع توسع بقاع الدولة الاسلامية . وقد درج التفسير مدارجه الى الكمال في هذا الدور ، فأخذ يتشكل بعد أن كان مبعثرا ، وينتظم بعد أن كان متقطعا منتثرا ، ويزداد حجما ويتوسع بعد ان كان محدودا مقتصرا ، وفوق ذلك أخذ الاجتهاد واعمال الرأي والنظر والبحث والنقد يتسرب في التفسير ، ويأخذ مأخذه في تبيين وتفهيم معاني القرآن الكريم .

وهذا حسبما ورد من الامر بالتدبر والتعمق في القرآن ، والبحث والنظر في فهم معانيه : ( كتاب أنزلناه مبارك ليدبروا آياته وليتذكر أولو الالباب ) (۱۱) . ( أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها ) (۱۲) . وقد كان بعض السلف يتحرجون من القول في القرآن بغير أثر صحيح ، ويجتنبون النظر فيه ، خشية أن يكونوا قد أقحموا في القول في القرآن برأيهم ، وقد جاء النهي عن تفسيره بالرأي . ( من فسر القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار ) (۱۳) .

فعن عبيد الله بن عمر قال : لقد أدركت فقهاء المدينة ، وانهم ليعظمون القول في التفسير ، منهم : سالم بن عبد الله ، والقاسم بن محمد ، وسعيد بن المسيب ، ونافع . وعن يحيى بن سعيد قال : سمعت رجلا يسأل سعيد بن المسيب عن آية من القرآن ، فقال : لا أقول في القرآن شيئا ، وكان لا يتكلم الا في المعلوم من القرآن . وعن ابن سيرين ، قال : سألت عبيدة السلماني عن آية ، قال : عليك بالسداد ، فقد ذهب الذين علموا فيم أنزل القرآن ) (۱۴) .

لكن على الرغم من ذلك فقد تصدى علماء الصحابة ونبهاء التابعين للتفسير ، واجتهدوا فيه وأعملوا النظر والرأى فيه ، لكن على الطريقة المستقيمة ، التي كان يقبلها الشرع والعقل ، وهي الطريقة التي مشى عليها العقلاء في تفهمهم للكلام : اكان وحيا من السماء أم كان كلام انسان منثورا أو منظوما ؟ الامر الذي لا يعنيه حديث النهي عن التفسير بالرأي ، وانما يعني التفسير بالرأي الممنوع شرعا والممقوت عقلا الاستقلال والاستبداد بالرأي فيه .

قال الامام أمير المؤمنين ( عليه السلام ) : ( من استبد برأيه هلك ) . وهذا عام يشمل تفسير الكلام أيضا ، فان للتفسير اصولا ومباني يجب الجري عليها ، ومواكبة العقلاء في طريقة فهم الكلام ، فالحائد عن الطريق ضال لا محالة . ولابن النقيب محمد بن سليمان البلخي كلام في تفسير حديث النهي عن التفسير بالرأي ، قال : ان جملة ما تحصل في معنى الحديث خمسة أقوال :

أحدها : التفسير من غير حصول العلوم التي يجوز معها التفسير.

ثانيها : تفسير المتشابه الذي لا يعلمه الا الله .

ثالثها : التفسير المقرر للمذهب الفاسد ، بان يجعل المذهب أصلا والتفسير تابعا ، فيرد اليه باي طريق أمكن ، وان كان ضعيفا .

رابعها : التفسير بان مراد الله كذا على القطع من غير دليل .

خامسها : التفسير بالاستحسان والهوى (۱۵) .

ولكن هذه الوجوه الخمسة ترجع في النهاية الى وجهين أساسيين :

أولهما : الاستبداد بالتفسير ، من غير اعتماد على اصول التفسير ومنابعه الاصيلة ، أو عدم مراجعة مبانيه المعتمدة المتفق عليها .. ، ومنها الاثار الصحيحة الواردة عن النبي وصحابته العلماء وعترته الطاهرين .. ، وكذا من غير ملاحظة أسباب النزول والشواهد والدلائل المتوفرة ، المؤثرة في فهم معاني اليات وطريقة الاستنباط . وهذا هو الاستقلال بالرأي والاستبداد فيه .. ، وهو مرفوض في شريعة العقل الرشيد .

وثانيهما : التحميل على القرآن ، أن يحاول تحميل رأيه على القرآن ، حتى ولو كان ظاهر النص يأباه ، كأصحاب المذاهب الفاسدة الذين يحاولون تبرير عقائدهم المنحرفة ، بتطبيقها على ما أمكن من ظواهر النص المحتملة ، ومن ثم يتجهون نحو اليات التي هي متشابهة بظاهرها ، فيتبعونها ابتغاء تأويلها وتصريفها الى حيث مراميهم السيئة ، تمويها على العامة . ومن هنا نرى كثيرا من أصحاب القول بالجبر والقدر حاولوا التمسك بظواهر آيات معينة ، فحرفوها وتصرفوا في معانيها ، وهذا هو التحريف في المعنى والتفسير .

وان كثيرا من اليات التي تشبث بها هؤلاء ، لم تكن متشابهة من قبل ، وانما عرض عليها التشابه بصنيع أصحاب الجدل في الكلام ، ومحاولات بذلت فيما بعد بصدد تبديل مفاهيمها ، وتحريف معانيها . نعم ، قد لا يكون هناك غرض سوء ، لكن الغباوة الذاتية دعت بأناس حملوا القرآن على معان تتوافق مع أهدافهم عن حسن نية ، وهذا في أكثر الوعاظ والناسكين الذين حاولوا ذلك في سبيل الوعظ والارشاد بيات فسروها على غير وجهها ، أو وضعوا أحاديث مرفوعة الى النبي ( صلى الله عليه وآله ) بهتانا وزورا ، زاعمين أنهم قد كذبوا له ولم يكذبوا عليه فالصوفي يشير الى قلبه ، ويتلو قوله تعالى : ( اذهب الى فرعون انه طغى ) ، مؤولا الفرعون الطاغية بطغيان القلب وهوى النفس الغالب .

كل ذلك ممنوع ، لانه قول على الله بغير علم ، وافتراء عليه ، حتى ولو لم تكن النية سيئة ، لان الهدف لا يبرر الوسيلة في الاسلام ، فلا تجوز الكذبة حتى ولو كان الهدف رواج الاسلام ، حيث الاسلام في غنى عن الكذب والتزوير.

ــــــــــــ

۱ـ ۲ـ وهو الاشتراك في الحروف الاصل (س .ف .ر ).

۳ـ النحل ۴۴/.

۴ـ التوبة /۱۱۲٫

۵ـ المستدرك للحاكم ۲ /۳۳۵٫

۶ـ مجمع البيان ۵ /۷۴ ۷۶٫

۷ـ المائدة / ۸۹٫

۸ـ الاتقان للسيوطي ۴/۲۱۸٫

۹ـ تفسير الطبري ۱/۲۷ ۲۸ و۳۰٫

۱۰ـ البرهان للزركشي ۲/۱۷۵٫

۱۱ـ سورة ص /۲۹٫

۱۲ـ محمد / ۲۴٫

۱۳ـ حديث مستفيض ، راجع الامالي للصدوق المجلس الثاني ص ۶ ( ط ، النجف ) ، والطبري ۱/۲۷٫

۱۴ـ تفسير الطبري ۱/۲۹ ، ومقدمة كتاب المباني في نظم المعاني / ۱۸۳ آ۱۸۴٫

۱۵ـ راجع : الاتقان للسيوطي ۴/۱۹۱٫