نبی

الاستحفاظ من سنن الأنبياء

  • إنّ عقيدة الوصيّة والاستخلاف، فضلاً عن كونها سُنّةً إلهيّةً جرت في الأنبياء والمرسلين عليهم السلام، هي حالةٌ فطريّة في بني البشر، إذ هم حريصون على تثبيت جهودهم وحفظ ما جَنَوه من ثمار حياتهم بعد وفاتهم. وهي إلى ذلك شعورٌ إنسانيّ بالمسؤولية فيما بعد الرحيل، فالرجل قبل أن يسافر ويفارق أُسرته، لابدّ له أن يُوصي ويستخلف أحداً على شؤون عائلته مِن بعده، فكيف يترك النبيُّ أُمّته بلا مُستخلَفٍ بَعدَه يرعى شؤونها، ويواصل مسيرته، ويحفظ جهوده، ويثبّت ما قد يتعرّض من المبادئ إلى التحريف والتشويه.

ومن هنا نقرأ في دعاء الإمام المهديّ عجّل الله تعالى فرَجَه، والمعروف بـ « دعاء النُّدبَة » قولَه عليه السلام: « وكُلٌّ شَرَعتَ له شريعةً ونَهَجتَ له منهاجاً، وتخيّرتَ له أوصياءَ مُستحفِظاً بعدَ مُستحفِظ، مِن مُدّةٍ إلى مُدّة؛ إقامةً لِدِينك، وحُجّةً على عبادِك؛ ولِئلاّ يَزولَ الحقُّ عن مَقَرِّه، ويَغلِبَ الباطلُ على أهله؛ ولئلاّ يقولَ أحَدٌ لولا أرسَلْتَ إلينا رسولاً مُنذِراً، وأقمتَ لنا عَلَماً هادياً، فنَتَّبِعَ آياتِك مِن قَبلِ أن نَذِلَّ ونَخزى، إلى أنِ انتهَيتَ بالأمرِ إلى حبيبِك ونجيبِكَ محمّدٍ صلّى الله عليه وآله… فَلمّا انقَضَت أيّامُه أقامَ وليَّه عليَّ بنَ أبي طالبٍ صلواتُك عليهِما وآلِهما هادياً، إذ كانَ هوَ المُنذِرَ ولكلِّ قومٍ هادٍ.. »( مصباح الزائر للسيّد ابن طاووس:230، تحفة الزائر للشيخ المجلسيّ:342، المزار الكبير لابن المشهديّ:190 ).

ومن هنا أيضاً تثبّت العلماء، من خلال سيرة الرسل والنبيّين عليهم سلام الله أجمعين، ومن خلال النصوص الدينيّة الشريفة، أنّ الوصيّة والاستخلاف كلاهما سُنّةٌ ثابتةٌ في حياة الرسالات والأديان، ولم يَشذَّ عنها الإسلام أبداً، بل جاء بها في أوضح صورة وأجلى موقف وأبلغ واقعة، وهي واقعة الغدير الكبرى، التي تواترت في نقلها رواياتُ المسلمين جميعاً عِبر ثِقات رواتهم، وفي عيون كتبهم ومصنّفاتهم.

ومن هنا كذلك جاءت مدوَّنات العلماء على اختلاف مشاربهم، ناطقةً بالوصيّة والاستخلاف، ضرورةً عقائديّةً وفطريّة، مِن أجل حفظ الرسالات والنبوّات، وكان من ثمار جهود أولئك العلماء كتاب ( إثبات الوصيّة للإمام عليٍّ عليه السلام ) للمؤرّخ المعروف أبي الحسن عليّ بن الحسين المسعودي ( ت 346 هـ ) صاحب كتاب ( مروج الذهب )، جاء فيه بالأخبار متسلسلةً في وصايا الأنبياء من لَدُن آدم عليه السلام، إلى النبيّ الخاتم عليه وآله أفضل الصلاة والسلام، كلُّ نبيٍّ أو رسول يُوصي إلى مَن بعده.

هكذا خصّص البعض لهذه العقيدة كتاباً مستقلاًّ، فيما جعل البعض لها فصلاً مستقلاًّ، كما في كتاب ( الصراط المستقيم إلى مستحقّي التقديم 41:2 ـ الفصل 3 ) للشيخ زين الدين عليّ بن يونس العاملي النباطي البياضي )، حيث جاء فيه:

  • روى الشيخ محمّد بن بابَوَيه القمّي ( الصدوق ) أنّ الله تعالى أمر آدمَ أن يستخلف شيئاً، ففعل، ثمّ توالى الاستخلافُ في أولاده يُوصي ماضيهم إلى باقيهم، إلى أن بعَثَ الله تعالى إبراهيمَ عازماً على الأمّة بترك عبادة الأوثان، فلمّا ساتوفى أجَلَه أمره أن يستخلف ابنَه إسماعيل، ففعل، ثمّ أوصى إسماعيلُ إلى أخيه إسحاق؛ لأنّ أولاد إسماعيل كانوا صغاراً، فلمّا كبروا قاموا مقامَ أبيهم.

وتوالتِ الوصيّة فيهم، إلى أن بعث اللهُ موسى عازماً على الأمم بترك ما كانوا فيه من عبادة غير الله، ثمّ سأل اللهَ أن يجعل له أخاه هارونَ وزيراً ففعل، فتُوفّيَ قبلَه، فأوصى إلى ابن أخيه يُوشَع؛ لأنّ أولاد هارون كانوا صغاراً، ثمّ استخلف يوشعُ كوكبَ بن لفتى. وتوالَوا ذلك بينهم، إلى أن بعث الله عيسى عازماً على الأمم بترك ما كانوا عليه، واستخلف عيسى شمعون.

وأسند ابن بابويه ( الصدوق ) رضوان الله عليه في كتابه ( التوحيد ) عن الإمام محمّد الباقر عليه السلام في تفسير « الزيتونة » أنّ المصباح نورُ العلم، والمِشكاة صدرُ النبيّ صلّى الله عليه وآله، والزجاجة صدرُ عليٍّ عليه السلام،  نُورٌ على نُور   إمامٌ في أثر إمامٍ مِن آل محمّد صلّى الله عليه وآله، وذلك مِن لَدُن آدمَ لم تَخْلُ الأرض من واحدٍ منهم إلى يوم القيامة.

قال سيّد الأباطح أبو طالب رضوان الله تعالى عليه مخاطباً رسولَ الله:

أنت الأمينُ محمّـدٌ             فيهم أَغَـرُّ مُسَـوَّدُ

لِمُسَوَّديـن أطاهـرٍ              كَرُمُوا وطاب المولدُ

مِن لَدْنِ آدمَ لم يَزَلْ            فينا وصيٌّ مُرشِـدُ

ولَقَد عَرَفتُك صادقاً           والقـولُ لا يَتفَنَّـدُ

فهذه سُنّة الأنبياء في نصب الأوصياء، وقد قال الله سبحانه:  سُنّةَ مَن قَد أرسَلْنا قَبلَك مِن رُسُلِنا ، ولا تَجِدُ لسنّتِنا تَحويلاً   [ سورة الإسراء:77 ]، و « لا » لنفي المستقبل، فلا تبديلَ لذلك في جميع الأوقات المستقبَلَة، وقد أمر اللهُ نبيَّه بالاقتداء بهم في قوله تعالى:  فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهُ   [ سورة الأنعام:90 ]، وقد فعل ذلك في نصوصه صلّى الله عليه وآله على أئمّة الإسلام مِن بعده ).

  • وفي كتاب ( كفاية الطالب في مناقب عليّ بن أبي طالب ) للگنجي الشافعي، وكتاب ( ينابيع المودّة لذوي القربى ) للقُندوزي الحنفي، عن رسول الله صلّى الله عليه وآله: « أوصيائي اثنا عشر.. أوّلُهم سيّد الأوصياء أبو الأئمّة عليّ، ثمّ ابناه الحسنُ والحسين.. فإذا انقَضَت مدّةُ الحسين فالإمام ابنُه عليٌّ ويُلقّب بزين العابدين، فبعده محمّدٌ ويُلقَّب بالباقر، فبعده ابنه جعفرٌ يُدعى بالصادق، فبعده ابنٌه موسى يُدعى بالكاظم، فبعده ابنه عليٌّ يُدعى بالرضا، فبعده ابنه محمّدٌ يُدعى بالتقيّ والزكيّ، فبعد ابنه عليُّ يُدعى بالنقيّ والهادي، فبعده ابنه الحسنُ يُدعى بالعسكريّ، فبعده ابنُه محمّد يُدعى بالمهديّ، والقائمِ والحُجّة، فيغيب ثمّ يخرج، فإذا خرج يملأ الأرضَ قِسطاً وعدلاً.. ».

المصدر: شبكة الإمام الرضا(ع)