الاعتبار صفة أولي الأبصار

قد يتلقى الإنسان تحذيرًا تجاه خطر ما، وهنا عليه أن يأخذ هذا التحذير بعين الاعتبار، لأنه لو وقع في المحذور سيكون ملومًا، فالذي وقع عليه لم يكن مفاجئًا. إداريًا يعطى للموظف إذا أخطأ إنذار، ولكنه في المرة الثانية قد يعاقب لتكراره الخطأ وعدم اعتباره من خطئه السابق. وحينما يسير الإنسان في طريق مليء بالحفر وهناك إشارات تحذير فإنه إذا وقع في الخطر فهو المسؤول والملام. ولكن الأبلغ أن يرى إنسانًا يسير في نفس الطريق، ويرى وقوعه في المحذور، وبالرغم من ذلك لا يتعظ منه! فهل ثمة مبرر لفعله؟

القرآن الكريم يخاطبنا في أكثر من آية أن نتعامل مع الأخطار في حياتنا تعاملًا جديًّا، فهناك تحذيرات من عقولنا، ومن ديننا، وأكثر من ذلك أننا نرى النتائج العكسية للوقوع في الأخطار. فيخاطب تعالى عباده: ﴿فاعتبروا يا أولي الأبصار﴾. العبرة مأخوذة من مادة (اعتبار) وهي في الأصل العبور من شيء إلى آخر. فيقال للدموع عَبرَة لأن قطراتها تعبر من العين. وكذلك الناقلة البحرية تُسمى عبَّارة، ولتوضيح فكرة يقال عِبارة، ولتفسير رؤيا المنام يقال تعبير، والحال نفسها للحوادث التي فيها دروس وعظات يقال عِبر. فالعبرة هي الانتقال من الحدث إلى الدرس والعظة، كأن يرى الإنسان شخصًا معاقًا بسبب التفحيط، فيتعظ ويتجنب الأمر. وكم في الدنيا من عبر، ولكن المشكلة أن الإنسان يلهو ويغفل، وتسيطر عليه الأهواء والشهوات. الإنسان يسمع عن أضرار التدخين، ويرى غيره في حرب مع المرض بسبب التدخين، ولكن رغبته تمنعه من أن يعتبر بما يسمع ويرى. شباب في ريعان شبابهم، يسمعون عن آثار المخدرات، ويرون عواقبها، لكنهم في لحظة من لحظات الرغبة والشهوة ينحرفون ويصابون بداء الإدمان. والفتيات يسمعن عن مشاكل الدردشة في الجوال والإنترنت، وأن ذلك يكون مدعاة لاستدراجهن، وابتزازهن، ويسمعن كثيرًا من القصص، وفظاعة النتائج، ولكنهن بالرغم من ذلك، يقعن في هذا الفخ. يقرأ الإنسان عن الذنوب والمعاصي، وما يترتب عليها من أضرار دنيوية وأخروية, لكنه يتجرأ على خالقه ويعصي. من هنا يركز القرآن الكريم على أهمية الاعتبار، وكذلك النصوص الواردة عن أئمة أهل البيت عليهم السلام. أمير المؤمنين(عليه السلام) يقول: «السعيد من وعظ نفسه بغيره». لماذا تجعل من قصتك وقضيتك عبرة لغيرك؟ لماذا لا تعتبر أنت من غيرك فتتجنب أخطاءهم؟ وجاء عنه : «ما أكثر العبر، وأقل الاعتبار» كثيرة هي الدروس التي ينبغي أن يستفيد منها الإنسان ولكن أين من يعتبر؟ ومن أبلغ العبر: الموت. فهل في الموت شك؟ الموت ليس حديثاً ينقل، ولا أمراً نتكهن به هل يقع أم لا، هل هو حق أم لا، وإنما هو واقع لا محالة. كل يوم نسمع عن ميت، أفلا يتبادر إلى ذهننا أننا لاحقون به، وأن مصيرنا هو نفس مصيره؟ أفلا يكون هذا مدعاة لاعتبارنا؟ يقول : «عجبت لمن نسي الموت، وهو يرى الموتى!».

الكاتب: الشيخ حسن الصفار