غیبت

الاعتقاد بالإمام المهدي(ع)

اختلافهم في جده الأعلى

قال جماعة من أهل السنة: إن المهدي (ع) من أولاد فاطمة (ع)، لكنه من نسل ولدها الحسن (ع)، ولهم على ذلك دليلان:

الأول: ما روي عن الإمام علي (ع) أنه نظر إلى ابنه الحسن (ع) فقال: ((إن ابني هذا سيد كما سمّاه النبي صلى الله عليه وآله ، وسيخرج من صلبه رجل يسمّى باسم نبيكم، يشبهه في الخُلق، ولا يشبهه في الخَلق، يملأ الأرض عدلاً ))(۱).

الثاني: قالوا: وفي كونه من ولد الحسن رضي الله عنه سر لطيف، وهو أن الحسن ترك الخلافة لله، فجعل الله في ولده مَنْ يقوم بالخلافة الحقة المتضمنة للعدل الذي يملأ الأرض، وهذه سنّة الله في عباده، أنه مَنْ ترك شيئاً لأجله أعطاه الله، أو أعطى ذريته أفضل منه، وهذا بخلاف الحسين رضي الله عنه، فإنه حرص عليها، وقاتل عليها، فلم يظفر بها.

ذكر هذين الدليلين ابن القيم الجوزية(۲)، وكلاهما باطلان: أما الحديث فعلماء الجرح واتعديل من أهل السنّة كلهم متفقون على ضعف رجاله وانقطاع سنده بما فيهم ابن القيم الجوزية، وإذا شئت راجع كتابه (المنار المنيف)(۳)، فإنه تصدى لتضعيف هذا الحديث بنفسه.

وأما قوله: بأن الحسن ترك الخلافة والحسين حرص عليها، وقاتل من أجلها، فهو محض افتراء على أولاد الأنبياء وعلى هذين السبطين والإمامين العظيمين، بل هو تزوير للتاريخ، وتزييف للحقائق والوقائع المشهورة فالتاريخ يشهد أن الحسن (ع) لم يترك الخلافة لمعاوية بمحض إرادته، بل تركها مضطراً مكرهاً، بعد أن غدر به أصحابه الذين أغرى معاوية الأكثرية منهم بالأموال والمناصب(۴).

والثابت في التاريخ أيضاً أن الإمام الحسين (ع) خرج إلى العراق وهو على علم بأن بني أمية سيقتلونه، فكيف يقال إذاً بانه يطلب الدنيا، ويحرص على الخلافة؟! فصلح الحسن وكربلاء الحسين، لا يلتقيان مع دليل ابن الجوزية لإثبات المهدية لأبناء الحسن. وعلماء الإمامية يمتلكون شهادة التاريخ التي تثبت ولادة المهدي المنتظر (ع) من أبيه العسكري حفيد الإمام الحسين (ع)، ويوافقهم على ذلك عشرات العلماء من أهل السنّة، وشهادة أهل البيت (ع) عندهم تغني عن كل الشهادات، لأنهم أدرى بالذي فيه من أبنائهم وأنسابهم وماضيهم ومستقبلهم.

ونضيف إلى هذه الشهادات روايات من أهل السنّة تصرّح بأن المهدي المنتظر (ع) هو من أبناء الحسين (ع)، منها رواية حذيفة قال: خطبنا النبي صلى الله عليه وآله فذكر ما هو كائن، ثم قال: ((لو لم يبقَ من الدنيا إلاّ يوم واحد، لطوّل الله عزّ وجل ذلك اليوم حتى يبعث فيه رجلاً من ولدي، اسمه اسمي)) ، فقال سلمان الفارسي: يا رسول الله، ومن أي ولدك؟ قال: ((من ولد هذا)) وضرب بيده على الحسين (ع)(۵).

وعن أبي وائل قال نظر أمير المؤمنين علي (ع) إلى الحسين فقال ((إن ابني هذا سيد كما سمّاه رسول الله صلى الله عليه وآله ، وسيخرج من صلبه رجل باسم نبيّكم، يشبهه في الخَلق والخُلق، يخرج على حين غفلة من الناس.. يملأ الأرض عدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً))(۶).

وروي من طرق الفريقين خروج ثائر من ولد الحسن (ع) قبل المهدي (ع) من المشرق بفترة قصيرة، وهو ممدوح السيرة، وعلى أعتاب ثورته يخرج المهدي (ع)، فإذا خرج التقى السيد الحسني، وسلّم عليه وقال له: ( يا ابن العم، أنا أحق بهذا الجيش منك، أنا ابن الحسن، وأنا المهدي، فيقول له المهدي (ع): بل أنا المهدي، فيقول له الحسني: هل لك من آية فأبايعك؟ فيومئ المهدي (ع) إلى الطير فيسقط على يديه، ويغرس قضيباً في بقعة من الأرض فيخضر ويورق، فيقول له الحسني، يا بن العم، هي لك)(۷).

وعبرت بعض الروايات عن المهدي بـ (الحسيني). قال الشريف البرزنجي: (في هذا الحديث فائدة وإشكال، أما الفائدة فإنها تدل على أن المهدي من أولاد الحسين، وأن ابن عمه هذا حسني..)(۸).

الخلاصة

إن الأخبار المروية من طرق أهل السنّة، متعارضة في تسمية الجد الأعلى للمهدي المنتظر (ع)، فبعضها يقول إنه من ولد الحسن (ع)، وبعضها يقول: إنه من ولد الحسين (ع)، وبما أن جميع هذه الأخبار المتعارضة في هذا الموضوع، ضعيفة الإسناد، فيحكم عليها بالتساقط.

والحق: أن الحكم عليها بالتساقط إنما يصح في علم الأصول، إذا لم توجد مرجحات تؤيد إحدى الطائفتين المتعارضتين، وهي موجودة فعلاً، ومتوفرة بكثرة في تأييد الطائفة التي تقول: إنه من ولد الحسين (ع)، وهي كما يلي:

* إن رواية ابي داود التي تقول: إنه من ولد الحسن (ع) فريدة وغريبة، غير مؤيدة بالشواهد والمتابعات، بينما رواية حذيفة بن اليمان عن النبي صلى الله عليه وآله التي تقول: إنه من ولد الحسين (ع) مؤيدة، ومتابعة بشاهد آخر من رواية أبي وائلة عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع)، وهي رواية أبي داود نفسها التي تقول: إنه من ولد الحسن، لكن بدل أن يقول (نظر إلى الحسن (ع)) ، قال: ((نظر إلى ولده الحسين (ع) )) ما يدل على أن رواية أبي داود مصحفة أو محرفة لصالح الحسنيين، الذين ادعوا المهدية لولدهم محمد بن عبد الله الثائر الحسني الملقب بـ (النفس الزكية).

* ومما يؤيد رواية حذيفة بن اليمان، عن النبي صلى الله عليه وآله أيضاً، الرواية التي تذكر صفة السيد الحسني المشرقي، التي استدل بها الشريف البرزنجي على أن المهدي المنتظر (ع) من ولد الحسين (ع)، وأن ابن عمه هذا من ولد الحسن (ع).

* إن الأخبار متواترة عن النبي صلى الله عليه وآله ، واهل بيته (ع) من طريق العترة الطاهرة، وفي أحاديث السلسلة الذهبية، أن المهدي المنتظر (ع) من ولد الحسين (ع).

* ومما يؤيد صحة هذا التواتر في أحاديث أهل البيت (ع)، وعدم صحة اتهام رواة الشيعة باختلاق رواياته، شهادة التاريخ الدالة على أن المهدي المنتظر (ع) من ولد الحسين (ع)، وقد شارك في تقرير هذه الشهادة، الرسول مع أهل بيته (ع)، وجمع غفير من علماء أهل السنّة ومؤرخيهم، وكلمات بعضهم تصرّح بان المهدي المنتظر (ع) من ولد الحسين (ع)، فراجعها وتأمل فيها، وخاصة كلمة الشعراني في (اليواقيت والجواهر)، وابن العربي في (الفتوحات المكية)، وابن حجر في (الصواعق المحرقة)، وغيرها.

رابعاً: اختلافهم في عصمة المهدي

الاعتقاد بعصمة المهدي المنتظر (ع) عند أكثر علماء أهل السنّة أمر غير مُتصوّر، بل المتصوّر عندهم على عكسه، لأنهم يعتبرونه إنساناً عادياً متلبساً ببعض الذنوب والمعاصي، كأي إنسان آخر، فإذا اختاره الله تعالى للخلافة، تاب عليه وأنقذه من الضلال والمعاصي في ليلة واحدة(۹)، ويستدلون على رأيهم هذا بما جاء عن النبي صلى الله عليه وآله انه قال: ((المهدي من أهل البيت، يصلحه الله في ليلة واحدة))(۱۰).

ويرفض علماء الإمامية قاطبة، هذا الاعتقاد الخاطئ بولي الله المهدي المنتظر (ع)، الذي ادّخره الله تعالى لتحقيق حلم الأنبياء (ع)، وتجسّد طموحات المرسلين (ع)، وآمال المصلحين، وتتويج جهادهم بانتصار الإيمان على الكفر وسيادة دولة العدل الإلهي، وإنقاذ البشرية من الفرقة والاختلاف والظلم والجور.

ولعلماء الإمامية أدلتهم الشرعية المعروفة في تقرير وجوب العصمة للأنبياء وأوصيائهم، بعد أن ينزّهوهم من كبائر الذنوب، وصغائر السيئات، بل وحتى من الخطأ والنسيان، وكل ما يخالف المروءة فيقولون: لو جاز أن يفعل النبي صلى الله عليه وآله وخليفته الشرعي المعصية، أو جاز صدور الخطأ والنسيان منه، فنحن بين أمرين:

الأول: أن نقول بجواز اتباعه في ارتكاب المعاصي، بل بوجوبها بما أوجب الله علينا الاقتداء به، وهذا باطل بأدلة الدين والعقل.

الثاني: أن نقول بعدم وجوب اتباعه، فذلك ينافي مهمة النبوة والخلافة التي يجب أن تطاع ليطبق حكم الله في الأرض، ويُعرف الهدى من الضلال، والمؤمن من الفاسق.

وهذا الدليل يجري بتمامه لإثبات عصمة الخلفاء الاثني عشر من أهل البيت (ع)، لأن الله اختارهم خلفاء في أرضه ليكونوا أدلاء على صراطه وأمناء على دينه، وحراساً لكتابه، وتراجمة لوحيه بعد الرسل ليكمل بهم الحجة على الناس (لئلا يكون للناس على الله حجّة بعد الرسل) [ النساء: ۱۶۵].

وأهل البيت (ع) هم حجج الله على الناس بعد خاتم المرسلين، كما وصفهم صلى الله عليه وآله بقوله: ((من كل خلف من أمّتي عدول من أهل بيتي ينفون عن الدين تحريف الضالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين))(۱۱).

وفي حديث الثقلين أوصى فيهم رسول الله صلى الله عليه وآله كما أوصى برعاية القرآن بقوله: ((فلا تَقدّموهما فتهلكوا، ولا تُقصروا عنهما فتهلكوا، ولا تُعلَّموهما فهم أعلم منكم))(۱۲).

هؤلاء هم خلفاء رسول الله صلى الله عليه وآله في أمّته، فلو أجزنا عليهم ارتكاب المعاصي، والوقوع في الخطأ اشتباهاً، أو نسياناً، فأي فرق بينهم وبين الآخرين، لكي يفضلوا عليهم في وجوب طاعتهم والأمر بالاقتداء بهم، وكيف تناط مسؤولية قيادة الأمّة بالعاصيين، وأنّى للمذنبين الظالمين لأنفسهم هداية المسلمين، وحماية الدين من تحريف المنتحلين، وتزييف المدّعين، وتأويل الجاهلين وحفظ المسلمين من الأئمة المضلين!

إن معنى: ((فلا تقدموهما فتهلكوا،ولا تقصروا عنهما فتهلكو، ولا تعلموهما فهم أعلم منكم))، هو الاستدلال على عصمة القرآن من النقص وعصمة قيادة أهل البيت (ع) من الخطأ والمعصية، لذلك فإن التقدم عليهم أو التقصير في السير على نهجهم، يدعو إلى الهلاك والضلال.

فمن ادّعى مقام المرجعية العلمية والإمامية السياسية قبل مرجعية أهل البيت (ع) وإمامتهم، فهو من المتقدمين عليهم، والمعتدين على منصبهم ومنزلتهم في الأمّة، ومن المتجاوزين لحقوقهم،والمقصرّين عن الالتحاق بركبهم، ومن المخالفين لوصية رسول الله صلى الله عليه وآله فيهم.

وبين يديك – قارئي العزيز – عرض سريع لبعض النصوص القرآنية والنبوية الدالة على عصمة أهل البيت (ع)، قال تعالى: (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهير) [ الأحزاب: ۳۳].

وقد فسّر النبي صلى الله عليه وآله معنى الآية في عشرات الأحاديث الدالة على عصمة أهل البيت (ع) من الخطايا والذنوب، فقال: ((فأنا وأهل بيتي مطهرون من الذنوب))(۱۳).

وقال: ((مَنْ أحب أن يحيا حياتي ويموت ميتتي، ويدخل الجنة التي وعدني ربي وهي جنة الخلد، فليتول علياًَ وذريته من بعدي، فإنهم لن يخرجوكم من باب هدى، ولن يدخلوكم باب ضلالة))(۱۴).

وقال: ((إنما مثل أهل بيتي كمثل سفينة نوح، من ركبها نجا، ومن تخلّف عنها غرق))(۱۵).

وقال: ((إني تارك فيكم الثقلين، كتاب الله، وأهل بيتي، وإنهما لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض))(۱۶).

وهكذا نرى النبي صلى الله عليه وآله تارة، يصرّح بطهارتهم وعصمتهم من الذنوب، وأخرى يدعو الأمّة للتمسّك بولايتهم والسير على نهجهم، معللاً ذلك بقوله: ((فإنهم لن يخرجوكم من باب هدى، ولن يدخلوكم باب ضلالة)).

و(لن) حرف نفي ونصب واستقبال، ويقول الزمخشري: (لن تفيد التأييد والتأكيد) ، ومعنى كلامه هذا: ثبوت العصمة لأهل البيت (ع) دائماً في الحال والاستقبال، لذلك شبّه النبي صلى الله عليه وآله الالتزام بمنهجهم بسفينة نوح، من ركبها نجا، ومن تخلف عنها غرق وهلك في ظلمات الضياع والضلال.

وفي حديث الثقلين قرنهم رسول الله صلى الله عليه وآله بالقرآن، وساوى بينهما في الهداية، فقال: ((ما إن تمسّكتم بهما لن تضلوا بعدي))(۱۷).

وهنا أيضاً تأتي (لن) التأبيدية والتأكيدية المفيدة لاستمرار عصمتهم من الضلال، الثابتة لهم بثبوتها للقرآن على حد سواء، لأنهم مقترنون به ومساوون له في هداية الأمّة.

فهذه الأحاديث وعشرات غيرها ممالا يسعنا ذكرها كلها هنا، إنما طرحها رسول الله صلى الله عليه وآله لأمّته ليفسّر آية التطهير، امتثالاً لأمر الله تعالى الذي خاطب خاتم رسله بقوله سبحانه: (وأنزلنا إليك الذكر لتبيّن للناس ما نزّل إليهم ولعلّهم يتفكرون) [النحل: ۴۴].

وفي قوله تعالى في الآية الكريمة: (قل لا أسألكم عليه أجراً إلاّ المودة في القربى) [الشورى: ۲۳]، الدالة على وجوب مودة أهل البيت (ع) ما فيه الكفاية لإثبات عصمتهم ونزاهتهم من الذنوب والآثام، بل ومن كل ما يشينهم ويحط من منزلتهم، لأن الله تعالى ليست له قرابة مع فئة من الناس، فلا يفضل قوماً على آخرين، ما لم يكن هنالك مقومات موضوعية إيجابية في ذات الفئة المفضلة عنده، ألا وهي كمال التقوى، فاختيارهم للخلافة بما وهبهم من مزايا إيمانية وعلمية وقيادية فريدة عالية، لا يتوفر مثلها في غيرهم، بحيث لا يتصور من خلالها مقاربتهم الذنوب والخبائث، ولا اقترافهم السيئات صغيرة أم كبيرة في كل حال، لأن الخطاب بوجوب مودتهم ثابت في القرآن على عمومه وإطلاقه، وشامل لكل عصر وزمان، فتكون عصمتهم من الذنوب ثابتة ومستمرة في حياتهم الفردية والاجتماعية في الحال والاستقبال، لأن الله تعالى لا يوجب مثل هذه المودة العظيمة لجماعة من أهل المعاصي، أو لجماعة من المؤمنين غير المعصومين من الذنوب، لأن مجرد صدور أدنى مخالفة منهم لدين الله موجب لخروجهم عن أهل مودته، وعدم رجوعهم إليها إلاّ بالتوبة، بينما وقع الأمر في القرآن بوجوب مودتهم على نحو الإطلاق، وهو ما يشعر بان أهل البيت (ع) لا يمكن ان يتصور بحقهم ارتكاب الذنوب أبداً، ولا يخرجون عن ساحة رضى الله لحظة واحدة في حياتهم.

وهكذا نجد آية المودة تعزز مفهوم (لن) التأبيدية والتأكيدية، التي تفيد معنى الاستمرارية والعصمة الأبدية لأهل البيت (ع) في قوله صلى الله عليه وآله : (( لن يخرجوكم من باب هدى، ولن يدخلوكم باب ضلالة))، وقوله: ((ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي أبداً)).

وليس وراء ثبوت العصمة لأهل البيت (ع) من حكمة إلهية إلاّ قيامهم بأعباء الخلافة الربانية بعد رسول الله صلى الله عليه وآله ، ولو لم يثبت هذا المنصب القيادي الإلهي لهم، لما أوجب الله على الأمّة مودتهم في القرآن دون غيرهم من المسلمين، ولما فرض على الأمّة وجوب الصلاة عليهم، مقترنة بالصلاة على خاتم المرسلين، متبعاً ذلك من شروط قبول صلاة المسلمين، وحينما قال بعض الصحابة لرسول الله صلى الله عليه وآله : علمنا كيف نصلي عليك؟ قال: ((فقولوا اللهم صلّ على محمد وآل محمد، كما صليت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد وآل محمد كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد))(۱۸).

وعبر الشافعي عن هذا الوجوب الإلهي الخاص بأهل البيت (ع) في أبياته الشهيرة التي نظمها في حبهم فقال:

يا آل بيت رسول الله حبكم *** فرض من الله في القرآن أنزله

كفاكم من عظيم الشأن أنكم *** مَنْ لم يصلِّ عليكم لا صلاة له (۱۹).

وفي البيت الاول إشارة إلى آية المودة ، وفي الثاني إلى وجوب الصلاة عليهم مقترنة بالصلاة على رسول الله صلى الله عليه وآله .

فالاحتجاج بحديث ((المهدي منّا أهل البيت، يصلحه الله في ليلة)) لنفي العصمة عنه باطل، لثبوت اعصمة لأهل البيت (ع) عموماً بالادلة القرآنية الصريحة والنبوية الصحيحة، والمهدي (ع) منهم، فلا بدّ من ثبوت العصمة له بتلك الأدلة نفسها.

وأمّا معنى ((يصلحه الله في ليلة واحدة)) فالمراد منه تمكينه من قبضة الحكم والسيطرة على أجهزة الدولة في بلاد الحجاز في ليلة واحدة، وقد روي هذا الحديث هكذا: ((يخرج المهدي من ولدي، يصلح الله أمره في ليلة واحدة))(۲۰).

وكلمة (يخرج) استخدمت في أخبار الملاحم والفتن أكثر من مائة مرة بمعنى الثورة والخروج إلى ساحة المعارك، وكلمة (الأمر) أو (أمره) جاءت في أخبار الملاحم والفتن أكثر من خمسين مرة بمعنى السلطة والخلافة والحكم والدولة. فيكون معنى الحديث السابق هكذا: يخرج المهدي من ولدي معلناً حربه وثورته على أعداء الله، فينصره الله، ويصلح أمر الخلافة له في ليلة واحدة.

وفي رواية قال: ((يصلح الله به في ليلة واحدة))(۲۱)، وأوضح رسول الله صلى الله عليه وآله معنى ((يصلحه الله في ليلة واحدة)) في حديث آخر، روي عنه بسند صحيح أنه قال: ((يخرج رجل من عترة النبي، يصلح الله على يديه أمرهم))(۲۲).

وقال الشيخ علي بن سلطان الحنفي وهو يشرح معنى ((يصلحه الله في ليلة واحدة))، (اي يصلح أمره ويرفع قدره في ليلة واحدة، وفي ساعة واحدة من الليل، حيث يتفق على خلافته أهل الحلَّ والعقد)(۲۳).

ففسر معنى إصلاح أمره في ليلة واحدة، بمعنى استتباب امر الخلافة له في ساعة من الليل، واتفاق أهل الحلّ والعقد عليه في تلك الليلة.

وأهل الحلّ والعقد في زمان المهدي المنتظر (ع) هم وزراؤه فقط، وعددهم ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلاً، يجمعهم الله له في ليلة واحدة من أقطار شتى، فيبايعونه بين الركن والمقام في تلك الليلة، ثم يأمرهم بعد البيعة بالسيطرة على مراكز القوة في بلاد الحجاز في ساعة من تلك الليلة من دون قتال ولا عناء ولا إراقة دماء، كما روي عن أبي هريرة، قال: (يبايع المهدي بين الركن والمقام، لا يوقظ نائماً، ولا يهريق دم)(۲۴)، وهذا الحديث يصف البيعة في إطار السيطرة على بلاد الحجاز في ليلة واحدة، وهو معنى: (لا يوقظ نائماً، ولا يهريق دم)، وهو ما يتطابق تمام المطابقة مع قوله صلى الله عليه وآله : ((يصلح الله أمره في ليلة واحدة))، حيث يتمكن من الخلافة والسيطرة على البلاد في تلك الليلة.

ولا ينطبق حديث أبي هريرة على الثورة المهدية في كل مراحلها، حيث أن حفيد رسول الله صلى الله عليه وآله – كما دلّت الروايات – سوف يستخدم أسلوب الجهاد المسلح ضد أعدائه، اعداء الإسلام في مراحل أخرى من حركته المقدسة.

__________

۱) كتاب المهدي.

۲) المنار المنيف ذكر الحديث في: ص۱۴۴، برقم ۳۲۹ ثم استدل على كون المهدي من أبناء الحسن ص۱۵۱ من كتابه.

۳) م.ن. ص۱۴۴- ح۳۲۹، وضعفه المنذري في مختصر سنن أبي داود، ج۶، ح۴۱۲۱، والقنوجي البخاري في كتابه (الإذاعة)، ص۱۳۷٫

۴) تاريخ الطبري، ۹۲/۶، ابن أبي الحديد، ۶۹۷/۴، مجمع الزوائد، ۱۷۲/۹٫

۵) ذخائر العقبى، ص۱۳۶، فرائد السمطين، ۵۷۵/۲، المعجم الوسط للطبراني، لكنه ذكر إلى قوله (اسمه اسمي) وسكت، المنار المنيف، ص۱۴۸، ح۳۳۳۹٫

۶) أسنى المطالب للجزري، ص۱۳۰، وفي نسخة لابن حماد أيضاً ص۱۰۳، العمدة، ص۴۳۴، ح۹۱۲، نقلاً عن الجمع بين الصحاح.

۷) عقد الدرر ليوسف الشافعي، ص۱۳۷-۱۳۸٫

۸) الإشاعة، ص۹۶-۹۷٫

۹) هذا القول لابن كثير، ونقله عنه كثيرون منهم السندي شارح سنن ابن ماجة، ۵۱۹/۲٫

۱۰) سنن ابن ماجة، ۴۰۸۵/۲، الحاوي للفتاوي، ۷۸/۲٫

۱۱) الصواعق المحرقة، ص۹۰، ذخائر العقبى، ص۱۷ عن ابن عمر.

۱۲) مجمع الزوائد، ۱۶۳/۹، كنز العمال ۴۸/۱، طبع حيدر آباد الدكن.

۱۳) الدر المنثور، ۶۰۶/۶، ط. بيروت، دار الفكر، رواه عن الحكيم الترمذي وابن مردويه والطبراني وابن نعيم والبيهقي، فتح القدير، ۲۸۰/۴، وشواهد التنزيل، ۳۰/۲، والصواعق المحرقة، ص۱۴۲٫

۱۴) كنز العمال، ۲۱۷/۶، ح۳۸۱۹، ط. حيدر آباد.

۱۵) مستدرك الصحيحين، ۳۴۲/۲ و ۱۵۰/۳، مجمع الزوائد ۱۶۷/۹، منتخب كنز العمال، ۹۴/۵ بهامش مسند أحمد.

۱۶) وحديث الثقلين اخرجه أئمة الصحاح والحفاظ في المسانيد والسنن في أكثر من ثلاثين مصدراً، في طليعتهم مسلم والترمذي، وأحمد بن حنبل وغيرهم، وهذا اللفظ للحاكم في مستدرك الصحيحين، ۱۴۸/۳، وهو صحيح على شرط الشيخين.

۱۷) صحيح الترمذي، ۳۰۸/۲، أسد الغابة، ۱۲/۲، وأخرجه السيوطي في الدر المنثور في ذيل تفسير آية المودة.

۱۸) صحيح البخاري في كتاب الدعوات في كتابه بدء الخلق، وفي كتاب التفسير، صحيح مسلم في كتاب الصلاة، باب الصلاة على النبي، ورواه النسائي في سننه، وأيضاً ابن ماجة، وأبو داود، والحاكم، وأحمد، والدارقطني، والبيهقي.

۱۹) نور الأبصار للشيلنجي، ص۱۰۴، الصواعق المحرقة، ص۱۰۴، لكنه لم يذكر البيت الأخير.

۲۰) وهي المروية عن الإمام الحسين في شهادته بولادة المهدي، فراجع.

۲۱) الإذاعة، لمحمد صديق القنوجي البخاري، ص۱۱۷٫

۲۲) حديث صحيح على شرط مسلم، رواه نعيم بن حماد في الفتن، ص۹، ورواه جلال الدين السيوطي في جمع الجوامع، وقال: سنده صحيح على شرط مسلم، ۳۰/۲، الإشاعة، ص۱۱۵، والحديث عن الإمام علي هكذا: الفتن اربعة، وذكر الحديث.

۲۳) مرقاة المفاتيح لعلي بن سلطان القارئ الحنفي، ۱۸۰/۵٫

۲۴) الفتن لابن حماد، ص۹۴، الحاوي للفتاوي، ۷۶/۲، البرهان للمتقي الهندي، باب ۶، ح۲۹

الكاتب: الشيخ مهدي حمد الفتلاوي