الاغلبية ليست مكوناتية

بعد أكثر من عشر سنوات من الاطاحة بالنظام الشمولي في العراق، وإقامة نظام يصفه السياسيون بالديمقراطي، يبدو أن أغلب السياسيين لا يزالون بعيدين عن الفهم الصحيح للديمقراطية، فالكل يفسّرها حسب هواه، أو مصلحة جماعته، حزبا كان أم طائفة أم غيرها. ينادون بالديمقراطية ويفاخرون بها لكنهم في مواقفهم يصرون على وجود الجميع في الحكومة بحجة المشاركة تارة، أو التوافق تارة أخرى، دون أن ينسوا وصف هذا النظام التحاصصي بـ “الديمقراطي التوافقي”، وهي بدعة سياسية تراجع عنها حتى صاحبها (أرنت ليبهارت).

باختصار فان الديمقراطية التوافقية تنتج نظاما مشوها يدافع عنه المستفيدون منه بقوة. الجميع يتقاسم السلطة التنفيذية، الادارة تكون مشرذمة وموزعة بين الاحزاب والطوائف بطريقة تجعل الحكم عبارة عن مجموعة كانتونات سياسية، بمضامين ومردود اقتصادي يدفع الى الاستماتة في الدفاع عن هذه الصيغة. المفارقة ان كل الاطراف تلعن المحاصصة وترجع أغلب مشاكل البلاد اليها، لكن هذه الاطراف ذاتها، تنبري للدفاع عن هذه الصيغة، ولو بعناوين تلميعية، باعتبارها “الطريقة الوحيدة الممكنة لادارة بلد متعدد المكونات” كما يقولون. لا يكفي هؤلاء ان أغلب الدول، بما فيها المتميزة بارتفاع مستوى وعي شعوبها، لم تستطع ان تحقق الاستقرار السياسي والبناء السليم لاقتصادها وأمنها باعتماد هذه الصيغة، فكيف يمكن لها النجاح في بلد – كالعراق – يعيش انقساما حادا بين مكوناته. هذا ما ثبت عمليا خلال السنوات العشر الماضية.

فكرة أن المشاركة في الحكومة هي السبيل الوحيد للمشاركة في إدارة البلاد، تشير، في أحسن حالات حسن الظن، الى جهل سياسي يبدو ان السنوات الماضية لم تستطع معالجته، رغم ان الغوص في العمق يوصلنا الى سبب آخر هو التمسك بامتيازات المشاركة في الحكومة، وهذا ما ينقلنا الى تساؤلات عديدة حول طبيعة هذه الامتيازات، وكم منها يمكن تصنيفه في خانة الشرعي والقانوني.

البديل المطروح عن المحاصصة وعناوينها التلطيفية الاخرى كالمشاركة أو الوفاق الوطني وغيرها، هو الاغلبية السياسية. هنا نتكلم عن موضوع وليس عن اشخاص أو جهات بحد ذاتها. أغلبية في الحكومة والادارة، والباقون في البرلمان يمارسون المعارضة الحقيقية. هكذا تبنى الديمقراطية الحقيقية. كثير من السياسيين الرافضين لهذه الصيغة يقولون انها لا تناسب بلدا متعدد الطوائف والمكونات كالعراق. يبنون رأيهم هذا على ان صيغة الاغلبية لا تعني استبعادا لمكون. هي أغلبية سياسية تضم أطرافا سياسية من كل المكونات، فيما تشكل القوى الاخرى معارضة مكونة من كل المكونات أيضا. هنا يكون الحكم والمعارضة على أساس البرامج والاداء وليس حقوق ومصالح الطوائف.

هنا يطرح البعض إشكالا مفاده ان هذه الاغلبية الحاكمة ستكون أيضا موزعة بين الاطراف المشكلة لها، وبالتالي فاننا سنبقى في موضوع المحاصصة أيضا ، فما الفرق؟.

الفرق يبدو في أمرين: الاول ان هذه الصيغة ربما تساعد في تخفيف حدة الانقسام الطائفي، لان الحاكم سيكون متنوعا والمعارض ايضا. والثاني: اننا سنكون أمام ديمقراطية حقيقية، فيها معارضة حقيقية، هي شرط قيام اي نظام ديمقراطي.

نجاح هذه الصيغة مشفوع بأمرين أيضا: الأول أن يكون رئيس الوزراء هو من يختار الوزراء، ومرجعيتهم تكون مجلس الوزراء وليس الاحزاب، والامر الثاني ارتفاع مستوى الوعي السياسي الديمقراطي عبر التخلص من صورة المعارضة في ظل الانظمة الشمولية والتي تعني “عدم الشرعية “، والايمان بأن المعارضة الشرعية في النظام الديمقراطي لا تقل أهمية عن الحكومة.

الكاتب: سالم مشكور